أفكار وآراء

خطة السلام في مهب الريح

أين خطة السلام التي تم توقيعها منذ بضعة شهور لإنهاء الحرب على شعب فلسطين وأراضيه، خاصة في غزة؟ ولماذا لم تتحقق هذه الخطة حتى الآن على أرض الواقع؟! عرفت هذه الخطة بأنها «خطة ترامب» التي كان للوسطاء العرب دور مهم في إدخال بعض التعديلات عليها، وذلك بتقليص بعض بنودها، فمن ثَم التخفيف من بعض شروطها الجائرة بالنسبة إلى الفلسطينيين.

لقد عانى شعب فلسطين، خاصة شعب غزة، من عدوان وحشي طال البشر والحجر، فهل توقف هذا العدوان؟ الواقع يشهد بأن هذا العدوان وإن كان يتبدى بوتيرة أقل، إلا أنه لا يزال مستمرا بالقدر نفسه من البشاعة؛ التجويع بفرض القيود على دخول المساعدات الإنسانية، وقصف المباني وقتل الناس من الكبار والنساء والأطفال، وكل هذا قد حدث -ولا يزال- حتى في موسم البرد القارس الذي عصف بأهل غزة الذين يعيشون في خيام مهترئة لا تقي من قسوة الطبيعة، وهو ما أودى بحياة كثير من الأطفال والرضع! لا يزال هذا العدوان يجري يوميا، حتى إن الكيان الصهيوني قد ارتكب أكثر من 1500 خرق لبنود خطة السلام منذ اعتمادها، بل ازداد توغله في الضفة الغربية بهدم المنازل وإنشاء المستوطنات. حقا إنه تم مؤخرا فتح معبر رفح من الجانبين بين مصر والأراضي الفلسطينية بما يسمح بدخول وخروج الفلسطينيين، ولكن الكيان يفرض قيودا جائرة ومهينة على عبور القليل جدا ممن يسمح بعبورهم في حالة من الإذلال المتعمد.

نتنياهو لم يكن يريد خطة السلام، بينما ترامب كان يريد استثمار الحالة لكي يدعم ترويجه لنفسه باعتباره صانعا للسلام في العالم! ولهذا فلا بأس من مواصلة استثمار الحرص على تحقيق خطة السلام، بينما تمارس إسرائيل عدوانها يوميا واختراق الخطة نفسها، حتى من دون شجب أو إدانة لذلك.

ولأن نتنياهو لا يريد السلام؛ فإنه يسعى دائما إلى التلكؤ في تنفيذها والسعي إلى إفشالها، بهدف مواصلة العدوان والإبادة.

ومن ذلك على سبيل المثال: التلكؤ في تنفيذ المرحلة الأولى من الخطة بحجة عدم الحصول على آخر جثة، رغم أن جثث أكثر من ثمانية آلاف من الشهداء الفلسطينيين لم يتم العثور عليها، والمئات منها قد تبخر بفعل أسلحة فتاكة تؤدي إلى إذابة الجثث وتحللها التام. ورغم الإعلان عن بدء المرحلة الثانية من الخطة، ورغم كل الخروقات التي لا تزال متواصلة، فإن نتنياهو- بدعم من ترامب- يسعى إلى التلكؤ الثاني بالإصرار على نزع سلاح حماس؛ فهذه الورقة التي يستخدمها نتنياهو تسمح له بإطالة أمد التفاوض حول هذا الأمر.

ولقد قلت في مقال سابق لي بعنوان «صدق أو لا تصدق... حماس ليست المشكلة»: إن حماس ليست سوى تكأة يستخدمها نتنياهو من أجل استدامة الصراع، والتلكؤ في تنفيذ الخطة. الهدف من وراء ذلك هو ممارسة مزيد من الضغوط على هذا الشعب الأبي، بما يسمح في النهاية بإخضاعه، وتقبله لسلطة دولية يديرها مجلس يسمى مجلس السلام، برئاسة ترامب الذي يتخير مع نتنياهو أعضاء هذا المجلس حتى من بين ترشيحات الوسطاء. وبذلك تصبح الأراضي الفلسطينية محتلة بشكل جديد آخر يسمح باستثمارها، في مقابل نعمة العيش في سلام!

المستهدف هو إبادة الشعب الفلسطيني نفسه، إما بالتجويع أو القتل أو التهجير. ولكن هذا الشعب الأبي لا يزال متشبثا بأرضه وهويته، وهو يبرهن لنا على ذلك يوميا: فنحن نشاهد يوميا حالات من الرجال والنساء الذين يسعون إلى العودة إلى أراضيهم بعد فتح المعبر من الجانبين، ولكنهم يجدون عنتا من الكيان الصهيوني الذي يرحب بخروج أي فلسطيني من دون عودة ولكنه لا يرغب أبدا في عودة أي فلسطيني.

وبالإضافة إلى العقبات التي يضعها على الراغبين في العودة، فإنه لجأ مؤخرا إلى استئجار عصابات مسلحة لترويع هؤلاء العائدين. هذا الإصرار على العودة إلى الوطن هو ما يدعونا إلى الدهشة والتساؤل؛ حيث لا يوجَد في هذا الوطن بنية أساسية: كالماء والكهرباء، وحيث لا يوجَد مأوى للعيش سوى الخيام، ولا تتوفر سبل العيش؛ الغذاء والدواء والرعاية الصحية، وتعليم الأبناء ورعايتهم! لا تفسير لذلك عندي سوى أن هذا الشعب يحمل في روحه الارتباط التاريخي بالأرض والمكان باعتبارهما ما يمثل هويته، وقد اكتسب شخصية المقاومة والصمود حتى أصبحت خصيصة فيه.

ومع ذلك، فإن صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بهويته ليس أمرا كافيا لتحقيق آمال هذا الشعب في تحقيق سلام دائم.

حقا إن هذا الصمود يشكل هما مقيما للكيان الصهيوني الذي يسعى إلى تصفية هذا الشعب؛ ولكن هذا الصمود وحده لا يمكن أن يكون كافيا في مواجهة أطماع ومخططات الكيان المغتصب للأرض؛ فلا بد من دعم قوى إقليمية قادرة على حماية حقوق هذا الشعب ومقدراته، وإلزام الكيان بتنفيذ بنود الخطة.

حضور هذه القوى الإقليمية على الأرض يمكن تحقيقه من خلال تشكيل تحالفات في مواجهة تمدد وتغول الكيان الصهيوني في المنطقة.

وفي هذا الصدد، نشيد -على سبيل المثال- بالتقارب المصري التركي الأخير، وهو ما نادينا به من قبل.

ما أود أن أخلص إليه في النهاية هو أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا على أساس من القوة التي تفرض على الطرف الآخر أو المعتدي الالتزامَ بمواثيق السلام وعهوده، ومن دون هذا يصبح السلام استسلاما.