الإدارة بالأزمات وصناعة السياسة العالمية
الثلاثاء / 28 / شعبان / 1447 هـ - 21:36 - الثلاثاء 17 فبراير 2026 21:36
في كل صباح تقريبًا أفتح هاتفي قبل أن أفتح نافذة الغرفة للاطمئنان على العالم الذي تركته يغلي قبل النوم: هل اقتربت الحرب الموعودة؟ هل انهار الاقتصاد الذي توقعوا سقوطه؟ هل وقع الحدث الكبير الذي سيغير المنطقة والعالم؟
الإجابة اليومية تكاد تكون واحدة: لا شيء حدث... لكن كل شيء ما زال يبدو على وشك الحدوث.
هذا الإحساس المتواصل بالاقتراب من لحظة فاصلة صار جزءًا من روتين الحياة المعاصرة، حتى أصبح انتظار وقوع الكارثة الناجمة عن الأزمة أثقل على النفس من الأزمة ذاتها.
الأحداث المتلاحقة في الأسابيع الأخيرة تقدم مثالًا واضحًا على هذا الإيقاع اليومي المعتاد.
خلال الأسبوع الماضي عاد الحديث في الولايات المتحدة وخارجها عن فضيحة «إبستين» بما تحمله من دلالات أخلاقية وسياسية عابرة للحدود. وتزامن ذلك مع تصاعد التهديدات الأمريكية والإسرائيلية تجاه إيران ثم تراجعها مع بدء مفاوضات مسقط قبل أن تعود مجددًا تصاحبها حشود عسكرية أكبر، وظهور أزمات إقليمية جديدة بين حلفاء الأمس.
وعلى اختلاف طبيعة هذه الوقائع يتولد لدى المتابع إحساس واحد بأن العالم يتحرك داخل موجات متكررة من أزمات تبدو دون نهايات واضحة.
هذا الإحساس كان حاضرًا في التاريخ المعاصر منذ زمن، إلا أنه أصبح في العقود الأخيرة أكثر وضوحًا وانتظامًا. خلال أزمة الصواريخ الكوبية في ستينيات القرن الماضي عاش العالم أيامًا على حافة مواجهة نووية بين القوتين العظميين في ذلك الوقت، ثم انتهت الأزمة سريعًا واستمر التوازن الدولي مع بقاء أسباب الصراع.
وبعد عقود تكرر نمط قريب في أزمات الشرق الأوسط المتعاقبة؛ توترات تبلغ ذروتها الإعلامية ثم تنحسر وتهدأ قبل وقوع الانفجار الكبير. وفي الأزمة المالية عام 2008 توقع كثيرون انهيارًا شاملًا للنظام الاقتصادي العالمي، غير أن ما حدث كان إعادة ترتيب لقواعده أكثر من كونه نهاية له. وبعد سنوات قليلة جاءت جائحة كورونا بوصفها تجربة عالمية نادرة عاشتها البشرية في وقت واحد؛ أغلقت الحدود بين الدول وداخلها، وحوصرت المدن، وتغير إيقاع الحياة اليومية، لكن العالم لم يدخل الفوضى التي توقعتها السيناريوهات الأولى للأزمة.
انتهت الجائحة تدريجيًا بينما ظلت آثارها الاقتصادية والسياسية طويلة المدى، وتحول الخوف الجماعي إلى عامل من عوامل تنظيم وضبط وإدارة السلوك العام. ما تبقى من هذه الأزمات في الذاكرة الجمعية هو الإحساس بأن العالم يقترب من الهاوية ثم يبتعد عنها في اللحظات الأخيرة.
من هنا يمكن فهم ما يمكن تسميته بأسلوب «الإدارة بالأزمات». يدرك أصحاب هذا الأسلوب أن حل الأزمات والوصول إلى حلول وتسويات نهائية فيها من شأنه أن يفرض ترتيبات واضحة ويفتح باب المحاسبة، ولذلك من المهم للقائمين على أمر الأزمة وصناعها أن يستمر التوتر الذي يسمح لهم بالبقاء وإدارة التوازنات بطريقة تدريجية تحقق مصالحهم.
وعلى هذا الأساس فإن الحفاظ على مستوى محسوب من القلق المرتبط بالأزمة يتيح لهم إعادة توزيع الاهتمام العام ويمنحهم وقتًا أطول للمناورة والتهرب من المساءلة. لذلك تبدو بعض الأزمات العالمية والإقليمية وكأنها تُدار أكثر مما تُحل، ويصبح تأجيل انفجار الأزمة هدفًا بحد ذاته.
في هذا الإطار يصبح من الضروري التمييز بين صناع الأزمات وبين من يديرونها. القوى العالمية الكبرى تصنع الأزمات الدولية عبر شبكات التحالف والردع والعقوبات والانتشار العسكري والتنافس الاقتصادي، وهي أدوات تضبط إيقاع التوازنات دون أن تقود بالضرورة إلى مواجهة مباشرة. وعلى المستوى الإقليمي تنظر قوى صاعدة إلى الأزمات بوصفها فرصًا لتحسين مواقعها التفاوضية أو تثبيت نفوذها الإقليمي، وتستثمرها سياسيًا وإعلاميًا لتوسيع مجال الحركة المتاح لها. وبهذا تتوزع عملية إنتاج الأزمات وإدارتها على مستويات متعددة، تحدد إيقاع الأحداث واتجاهاتها، بينما تنعكس نتائجها السلبية في حياة الشعوب اليومية.
بهذا المعنى تؤدي الأزمة وظيفة تنظيمية في المجال العام. فعندما يتقدم ملف عسكري إلى الصدارة تتراجع ملفات اقتصادية واجتماعية، وعندما تتضخم قضية أخلاقية تختفي قضايا سياسية وجوهرية أخرى أشد عمقًا. ويقدم التاريخ القريب أمثلة متكررة على ذلك؛ فقد طغت ملفات الحرب على الإرهاب سنوات طويلة على ملفات الديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية عالميًا وإقليميًا، وغطت أزمات الطاقة المتلاحقة على ملفات التحول الاقتصادي في أكثر من منطقة وأكثر من دولة تعاني شعوبها من الفقر والتهميش.
وتتوزع الأدوار داخل منظومة الأزمة على مستويات متعددة. فعلى الصعيد الدولي يتم إنتاج الأزمات من خلال سياسات الضغط والعقوبات والردع المتبادل بما يحافظ على توازنات قابلة للتحكم.
وتستفيد قطاعات اقتصادية واسعة من استمرار حالة الأزمة، وخصوصًا الصناعات المرتبطة بالسلاح والطاقة والتقنية. وتتولى المنظومات الإعلامية تحويل الأحداث إلى سرديات تضمن حضورها المستمر في الوعي العام، فيما تستثمر قوى إقليمية هذه الأزمات لتحسين مواقعها السياسية أو صرف الانتباه عن تورطها في أزمات أخرى أو عن مشكلاتها الداخلية، وبهذه الطريقة تتكامل حلقات الإنتاج والإعلام والتضخيم والاستثمار في دائرة واحدة.
ويتأثر الاقتصاد العالمي بهذه الأزمات بشدة، إذ تتحرك الأسواق على أساس التوقع والاحتمالات. يكفي في كثير من الأحيان إعلان احتمال وقوع اضطراب في ممر بحري حيوي أو في إمدادات الطاقة حتى ترتفع الأسعار عالميًا.
وهنا نلاحظ أن بعض القطاعات الاقتصادية تنشط وتزدهر في فترات الأزمات الطويلة ويتراجع نشاطها في فترات الاستقرار، لأن التخطيط في زمن الأزمة يعتمد على الاحتمال وليس على اليقين.
في ظل هذا، أصبح الإعلام والمنصات الرقمية الساحة الرئيسية التي تتحول فيها الأزمة من واقعة محدودة إلى أزمة شاملة، إذ تنتشر التوقعات، وتتضاعف التحليلات، وتظهر خرائط وسيناريوهات تزيد من تعقيد الأزمة.
وتعزز الخوارزميات بدورها هذا المسار لأنها تفضّل نشر المحتوى المثير للاهتمام الجماهيري. وتبدو أخبار وتطورات الأزمة أقدر على على جذب التفاعل مقارنة بأخبار التنمية والاستقرار. ومن خلال شبكات التواصل الاجتماعي يتحول الجمهور من متلقٍ إلى مشارك في تضخيم الإحساس بالأزمة عبر إعادة النشر والتعليق.
ويؤدى تكرار هذا النمط إلى تشكل ذاكرة شعبية للأزمات حتى قبل وقوعها، ويصبح احتمال وقوع الحدث جزءًا من الأزمة ذاتها. ويلاحظ أن طول بقاء الأزمة في الواجهة غالبا ما يرتبط بقدرتها على توليد جدل متواصل.
لذلك قد تستمر أزمة محدودة زمنيا في المجال الإدراكي للناس أطول من أحداث أكبر منها في الواقع، فقط لأن المنصات الاجتماعية تعيش على قابلية الأخبار والوقائع للتداول الواسع.
من الطبيعي إذن أن تتزاحم الأزمات نتيجة تتابع التوترات العالمية والإقليمية، وكلما اقتربت أزمة من الحل ظهرت أزمة جديدة، ويتحول الرأي العام إلى الأزمة الجديدة قبل أن يكون قد فهم الأزمة السابقة.
هذه الدوامة المستمرة تجعل الجمهور في حالة انشغال دائم. وتزخر الذاكرة العالمية الحديثة بأمثلة كثيرة لأزمات اختفت فجأة من واجهة النقاش الدولي بعدما احتلتها طويلاً، لأن أزمات أخرى تقدمت عليها.
ونتيجة تراكم الأزمات يتعامل الناس مع الأخبار بوصفها إشارات إلى ما قد يحدث أكثر من كونها وصفًا لما حدث، فتتشكل رؤية مشوشة للعالم، ويصبح التوتر عنصرًا ثابتًا في تفسير الأحداث اليومية.
وفي ضوء ذلك يمكن وصف ما نعيشه بأنه نمط من «الإدارة بالأزمات» يطيل بقاء نظام دولي مختل التوازن ما دامت الأزمات حاضرة في خلفية المشهد.