أعمدة

ازدحام الطرق والحلول المستدامة

لا يتوقف هذا المقال عند نهاية المشهد اليومي المألوف لازدحام الطرق في المدن، خاصة في ساعات الذروة صباحًا ومساءً، كنتيجة مباشرة لارتفاع أعداد المركبات والثقافة المرورية لدى السائقين والحاجة إلى توسعة الطرق وزيادة أعدادها، فهذه الصورة باتت جزءًا من التفاصيل اليومية للحياة الحديثة. بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات أشارت إلى نمو بنسبة 5.6% في أعداد المركبات خلال عام واحد، ليتجاوز إجمالي المسجل منها في سلطنة عُمان مليونًا و851 ألف مركبة بنهاية ديسمبر 2025م. في حين أن الزيادة السنوية في أعداد المركبات في بعض دول العالم المتقدم كالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لا تزيد عن 1 - 3%، هذا مع استثناء النمو المسجل في السيارات الكهربائية التي سجلت ارتفاعات سنوية اقتربت من 20% عالميًا.

وإذا كنا قد توقفنا عند الأرقام ودلالتها، فإن قراءة مؤشر زيادة أعداد المركبات لا يمكن أن تنفصل عن سياقه الاقتصادي. ففي الأصل، يُنظر إلى ارتفاع أعداد السيارات كانعكاس مباشر لنمو اقتصادي نشط؛ إذ ترتبط الزيادة بتحسن القوة الشرائية، وارتفاع مستويات الدخل، واتساع بيئة الأعمال، وزيادة الحاجة إلى التنقل. عندها تصبح الزيادة في أعداد السيارات مبررة ويعد نموها طبيعيا، غير أن هذا المؤشر يفقد حياده حين تختل المعادلة؛ أي حين لا تتواكب الزيادة المطّردة في أعداد المركبات مع نمو كبير في أعداد السكان أو مع التوسع الاقتصادي الكبير، عندها تتحول هذه الكثرة إلى سلبية تتسبب في الضغط على البنى الأساسية للدولة وتؤثر سلبا على التنقل اليومي للأفراد.

وعند إسقاط هذا الفهم على واقعنا اليومي، نرى أن الزيادة في أعداد السيارات لا يقابلها ارتفاع بذات الوتيرة في عدد السكان أو في حجم الأنشطة الاقتصادية، وهو ما يدفعنا إلى البحث عن تفسيرات أخرى لهذه الظاهرة، بعيدًا عن القراءة الاقتصادية التقليدية.

ولتقريب الصورة أكثر، لا يكفي الاكتفاء بالأرقام، بل يستدعي الأمر النزول إلى الشارع ذاته، ومراقبة المشهد كما هو في ساعات الذروة. هناك، يمكن الحصول على بعض الإجابات دون عناء تحليل معقد. ففي الازدحام الصباحي، يمكن ملاحظة أن معظم المركبات صغيرة كانت أم كبيرة لا تقلّ سوى سائقها، فيما تبقى المقاعد الأخرى خالية تمامًا. هذا المشهد المتكرر يقدّم تفسيرًا أوليًا لجزء من الظاهرة: لكل فرد تقريبًا سيارته الخاصة داخل الأسرة الواحدة. وإذا أضفنا إلى ذلك ما تمتلكه بعض الأسر من مركبات لأغراض مختلفة سيارة للاستخدام اليومي، وأخرى للعائلة، وثالثة للرحلات أو للمدينة، أدركنا أن المشكلة لا تكمن في العدد المجرد فحسب، بل في نمط الاستخدام ذاته، وفي ثقافة التنقل التي تجعل من السيارة خيارًا فرديًا لا جماعيًا.

ومن الأسباب الأخرى التي يمكن رصدها بوضوح، العزوف عن استخدام وسائل النقل الجماعي كخيار بديل للتخفيف من الضغط على الطرق. ويُعزى ذلك إلى غياب قناعة راسخة بكفاءة النقل العام، أو محدودية الثقة في انتظامه ومرونته، فضلًا عن الاتكاء على مبررات مألوفة كحرارة الطقس، أو عدم اكتمال شبكات نقل مترابطة تغطي المدن بصورة عملية. كما يُستدعى غياب وسائل نقل حديثة كالمترو أو القطارات الحضرية كسبب إضافي. غير أن الرهان على هذه المشاريع وحدها قد لا يكون كافيًا لتفكيك أزمة الازدحام، ما لم يصاحبه تحول في ثقافة التنقل، وإعادة تنظيم شاملة لمنظومة الحركة داخل المدن، وهذا يتجلى بوضوح أيضًا في سلوك فئات الطلاب والدارسين، الذين يفضلون استخدام المركبات الشخصية على وسائل النقل العام، ما يسهم بشكل مباشر في زيادة نسب الازدحام المروري، ويعكس الحاجة إلى تشجيع بدائل نقل جماعي أكثر جاذبية وفعالية لهذه الفئة.

ولا ينبغي أن تُحصر أسباب الازدحامات المرورية فيما ذكرناه على وجه السرعة، فهناك جوانب مالية واقتصادية واجتماعية أوسع تلعب دورًا في هذه الظاهرة. ومن الضروري إجراء دراسات مستفيضة قبل الإقدام على التوسعات أو بناء شبكات طرق جديدة، إذ إن فهم هذه العوامل بعمق قد يساهم في تصميم حلول أكثر فاعلية، ويخفف من حدة الازدحامات بدلًا من مجرد مواجهة آثارها الظاهرية.