افتتاحية
الأربعاء / 29 / شعبان / 1447 هـ - 10:09 - الأربعاء 18 فبراير 2026 10:09
ما يُمكن أن يُعتبر دليلاً قاطعاً قبل سنوات صار قابلاً للنقاش. فالفيديو يُمكن أن يُعدل، والصورة يُمكن أن تُولّد بأدنى المقومات، وما نتعرض له من سرديات محكوم بمزاج الخوارزميات.
والمعارف العلمية التي تُقدم لنا ليست استثناءً من الحالة العامة التي تتركنا مشلولين. وأعني عدم ثقتنا في القدرة على تمييز الحقيقي من المزيف.رفض شرس للوضع القائم، والانفتاح المندفع تجاه أفكار مضادة للتيار السائد والذي تتحكم به القلة التي تحكم العالم. بل والتسليم بأنها ستبقى المتحكمة، مهما تكشف لنا فسادها الأخلاقي. يُمكنّها من ذلك شعور عام بالعجز، وتوجس من محاولات التغيير التي لم تنتج إلا وضعاً أسوأ من ذلك الذي ثارت عليه.لم يجعل هذا الناس أقل مقاومة لنظريات المؤامرة فحسب، بل والأفكار التي لم يضنّوا يوماً أنهم سيمنحونها نصف اهتمام.
أجلس في غرفة الطبيب؛ يُريني دكتور الأسنان خطة العلاج: كيف ستتغير مواضع أسناني على مدار العام القادم، كيف ستُرفع الطواحن العلوية، مفسحة المجال للبراغي التي ستخترق فكي من أجل تثبيت السنين الاصطناعيين. أُشاهد الفيديو الذي يُحاكي حركة الأسنان: كيف تنزاح الأسنان العلوية قليلاً، وتعود الطواحن لمكانها، كيف تنزل البراغي مكان الأسنان المفقودة، ثم تُتوج بأضراس جديدة لا تكاد تُميز عن التي تجاورها. أنظر، وأفكر أنها ولابد أفضل قراءة للمستقبل حظيت بها.
أنظر، وكلي ثقة أن الأسباب التي يُمكن أن تحول دون تتمة هذه العملية - الدقيقة والمحسوبة - تتعلق إما بي (أن أفشل في متابعة العلاج لأني مِتّ مثلاً أو مرضت مرضاً أشد أُهمل معه الأسنان المسكينة)، أو أن تُغلق العيادة وتُشهر إفلاسها، أو أن تقوم حرب ما تُعطل الحياة كما نعرفها. لكن لا يخطر ببالي الشك في أن تعمل المعرفة الطبية كما هو مخطط لها تماماً. وأثق أن الطواحن ستُرفع، والبراغي ستُزرع، والأضراس ستأخذ المكان الذي تُنزل فيه. لكن - وللحق - لا أدري إن كانت تلك الثقة تختلف عن ثقتي أن محرك السيارة سيدور بعد أن أجلبها من الميكانيكي.
نوف السعيدي محررة الملحق