أحيانًا يضغط الأمل على صاحبه كما يفعل الألم.. الأمل النفسي في عصر وسائل التواصل الاجتماعي
سارة علي
الأربعاء / 29 / شعبان / 1447 هـ - 10:00 - الأربعاء 18 فبراير 2026 10:00
في التحليل النفسي الحديث، يُنظر إلى الأمل بوصفه عنصرًا مركزيًا في الصحة النفسية والقدرة على التكيّف، إذ يساعد الأفراد على مواجهة الضغوط الحياتية واستمرارهم في السعي نحو أهدافهم. ومع ذلك، فإن هذا الطرح، على شيوعه، يختزل تجربة إنسانية معقدة إلى حالة إيجابية بسيطة، متجاهلًا أن الأمل يمكن أن يتحوّل في بعض السياقات إلى ضغط داخلي مستمر، يفرض على الفرد توقعات لا يستطيع الوفاء بها، ويثبّته بين ما هو كائن وما يجب أن يكون. فالأمل، حين يصبح أداءً اجتماعيًا، قد يضغط على صاحبه بطريقة مشابهة لتأثير الألم النفسي.
من منظور علم النفس الوجودي (Existential Psychology)، لا يُفهم الأمل بوصفه حالة إيجابية مطلقة، بل كجزء من صراع الإنسان مع معنى الحياة والزمن واللايقين. الإنسان لا يعاني فقط من الألم والفقد، بل من محاولته المستمرة لإضفاء معنى على هذه التجارب بطريقة قابلة للتحمل. في هذا السياق، يصبح الأمل سيفًا ذا حدّين: قد يمنح شعورًا بالاستمرارية والمعنى، لكنه قد يؤجّل المواجهة الداخلية ويُبقي الفرد في حالة ترقّب دائم. هذه الرؤية تساعد على فهم لماذا، رغم الأمل الشائع بين الناس، يشعر الكثيرون بثقل نفسي مستمر.
علميًا، يُصنّف الأمل على أنه تجربة انفعالية (Emotional State) أكثر من كونه موقفًا إدراكيًا واعيًا، على عكس التفاؤل (Optimism)، الذي يُعد موقفًا معرفيًا يمكن تطويره من خلال إعادة البناء المعرفي أو التدريب الذهني. التمييز بين الأمل والتفاؤل مهم للغاية: إذ غالبًا ما يؤدي الخلط بينهما إلى لوم الذات عند فشل التوقعات؛ حيث يعتقد الفرد أنه لم يوفّره الكفاية النفسية.
في العصر الرقمي، ظهر نوع جديد من الأمل يُعرف بالأمل الاستعراضي (Performative Hope)، الذي يُعبّر عنه غالبًا أمام الآخرين ليحصل الفرد على القبول الاجتماعي، النفوذ، أو تعزيز صورته العامة، بدلًا من كونه نابعًا عن قناعة حقيقية. يظهر هذا النمط بوضوح في وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث يُكافأ الأفراد على الرموز الإيجابية والرسائل التفاؤلية، بينما تُقصى المشاعر المركّبة والمعقّدة.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال الأمل الاستعراضي في كونه سلوكًا سلبيًا بالكامل. في بعض الحالات، يُستخدم بصورة استراتيجية كآلية لتنظيم الانطباع الاجتماعي أو لتعزيز الثقة المؤقتة بالنفس، على غرار مبدأ «Fake it till you make it». إلا أن خطورته تكمن في تحوّله إلى نمط دائم، يُقاس فيه الإنسان بقدرته على الظهور متماسكًا، لا بقدرته على التكيّف أو الفهم العميق لتجربته. هذا التحوّل قد يحوّل الأمل من أداة دعم نفسي إلى مصدر ضغط مستمر، يشبه الألم النفسي في شدته.
تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في تعقيد تجربة الأمل النفسي. الفرد لا يواجه فقط توقعاته الذاتية، بل توقعات الجمهور الرقمي أيضًا. هنا يظهر ضغط مزدوج: عدم خذلان الآخرين، وفي الوقت ذاته عدم خذلان الذات. يُصبح الأمل استعراضيًا في مواقعه العامة، ويتحوّل إلى أداء اجتماعي، ما يزيد من التوتر النفسي ويعقّد التفاعل مع المشاعر الحقيقية. الدراسات تشير إلى أن هذا النوع من الأمل الاستعراضي مرتبط بزيادة القلق، الاكتئاب، والإجهاد النفسي، خاصة عندما يُقارن الفرد نفسه بشكل مستمر مع نسخ مثالية أو «مفلترة» من الآخرين.
تربط الأبحاث في علم النفس التنظيمي والاجتماعي بين هذه الممارسات وظهور الإيجابية السامّة (Toxic Positivity)؛ حيث يُفرض التفاؤل كواجب أخلاقي، ويُعامل الحزن أو الشك كفشل شخصي. الضغط الرقمي المستمر على تقديم نسخة متفائلة من الذات يُضعف قدرة الأفراد على مواجهة الفشل أو التعايش مع المشاعر السلبية بشكل صحي، ويُحوّل التجربة الإنسانية إلى أداء أمام جمهور غير متاح.
من منظور آليات التكيّف (Coping Mechanisms)، يمكن النظر إلى الأمل بطريقتين: كآلية تكيف صحية، أو كآلية تجنّب. الأمل الصحي يعزز القدرة على مواجهة القلق، والتحمّل في مواجهة الغموض، والاستمرار في السعي دون ضمان النتائج. أما الأمل الاستعراضي، أو التفاؤل الممارس لأجل الصورة الاجتماعية، فيحوّل الفرد إلى مراقب لنفسه باستمرار، دون التفاعل الحقيقي مع التجربة الداخلية، مما يؤدي إلى زيادة الضغط النفسي والشعور باللايقين.
هناك أيضًا عنصر فلسفي مهم: التحرر من الأمل لا يعني بالضرورة التحرر من خيبات الأمل. أحيانًا، القدرة على العيش في غياب الأمل القسري، أو تقليل التعلّق به، تمنح الفرد مساحة أكبر للتصالح مع ذاته، ومع الواقع، بعيدًا عن الضغط النفسي المستمر للظهور متفائلًا. وفي هذا الإطار، يُصبح التركيز على طريقة التفكير أكثر أهمية من الأمل نفسه، حيث يُعزّز القدرة على الصبر، وقبول الغموض، والتكيّف مع الأحداث.
تتوافق هذه الرؤية مع التجربة الشخصية القصيرة التي يمكنني الإشارة إليها: لقد لاحظت أن أكثر لحظات الصفاء النفسي لم تكن حين كنت أتمسّك بصور مستقبلية واضحة، بل حين سمحت للأشياء أن تكون غير محسومة، دون ضغط خارجي أو داخلي على التوقع. هذه التجربة، رغم بساطتها، أعطتني نظرة عميقة على العلاقة بين الأمل والضغط النفسي، وأكدت أهمية التركيز على المرونة الداخلية بدل الأداء الاجتماعي.
بالإضافة إلى ذلك، يتضح من خلال التجربة الرقمية الحديثة أن الأمل الاستعراضي يعزز الميل إلى المراقبة الاجتماعية المستمرة (Social Media Stalking). السلوك المتمثل في متابعة نشاط الآخرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والاطلاع على حياتهم المفترضة، غالبًا دون وعي كامل أو إذن، يصبح جزءًا من محاولة تقييم الذات ومكانتها الاجتماعية. بعد فترات الانفصال أو خيبة الأمل، قد يلجأ الأشخاص إلى متابعة حسابات شركاء سابقين أو منافسين مفترضين، ويقارنون أنفسهم بصورة مستمرة، ما يؤدي إلى الإحساس بالحصار النفسي والقلق.
تشير الدراسات إلى أن هذا النمط من المراقبة يعكس حاجة عميقة للتأكيد الاجتماعي والفهم الذاتي، وهو تعبير عن رغبة الإنسان القديمة في معرفة كيف يُنظر إليه من قبل الآخرين. فالأمل الاستعراضي يصبح وسيلة لتوليد «الطمأنينة الرقمية» بدل الاعتماد على شعور داخلي حقيقي. ومع ذلك، هذه الممارسة غالبًا ما تحصر الفرد في الماضي، وتُعيق الشفاء النفسي والتقدّم الشخصي.
من منظور نفسي أوسع، يتقاطع هذا مع دراسة الصحة النفسية المرتبطة بالصور الذاتية: حين يُعرض الفرد على الصور أو الأنماط المثالية على الشبكات الاجتماعية، تتأثر قدرته على التقدير الواقعي للذات. ويؤدي التركيز المفرط على الأمل الاستعراضي أو الأداء الاجتماعي إلى زيادة الضغط على التقدير الذاتي، ويقلّل من القدرة على التعاطف مع الذات أو تقدير التجربة الشخصية بعمق. في هذا الإطار، يصبح التصالح مع الذات وتطوير مهارات المرونة النفسية (Psychological Flexibility) أكثر أهمية من السعي وراء أمل استعراضي.
أخيرًا، إن العلاقة بين الأمل والألم النفسي في بيئة رقمية متسارعة تؤكد أن قيمة الأمل لا تُقاس بقدر ما يمكننا إظهاره للآخرين، بل بقدرتنا على التكيّف مع التجربة الداخلية، وفهم حدود توقعاتنا، والتعامل مع الغموض، والخسارة، واللايقين. حين يُدار الأمل بشكل صحي، يصبح مصدر قوة وتحفيز داخلي. أما حين يتحوّل إلى أداء اجتماعي مستمر، فإنه يضغط على صاحبه كما يفعل الألم، ويؤثر في الصحة النفسية بشكل ملموس، بما في ذلك قدرة الفرد على التعاطف مع ذاته، والتصالح مع المشاعر السلبية، والحفاظ على توازن نفسي في عالم يفرض صورًا رقمية مثالية.
سارة علي متخصصة في الإعلام الرقمي والاتصال، ومهتمة بالتحول الرقمي والسيكولوجي.