أفكار وآراء

الموروث الفلكي والثقافة العمانية

الموروث الفلكي هو جزء من الهوية الثقافية والعلمية ويشير إلى التقدم في المجالات العلمية والتكنولوجية والتقنية وليس ترفًا فكريًا كما يتصوّره البعض. وفي سلطنة عُمان يعكس الموروث الفلكي مدى قدرة العُمانيين على الاستفادة من العلوم الطبيعية في حياتهم اليومية.

ورغم اعتقاد البعض أنّ الموروث الفلكي بدأ يتلاشى مع عصر الأقمار الصناعية إلا أنه ظلّ جزءًا من الهوية الثقافية والعلمية للعُمانيين منذ القدم، ويتم الاستفادة منه في التعليم وبات مصدرًا للدراسات والأبحاث العلمية؛ فالعُمانيون متفوقون على غيرهم في إرثهم الفلكي، وماهرون في الاستفادة من العلوم الفلكية وأبعادها؛ فكان البحارة العُمانيون يعتمدون على النجوم في تحديد الاتجاهات والمسارات البحرية، واستفاد العُمانيون من موروثهم الفلكي في التعريف بالفصول الأربعة التي بُني عليها النشاط الزراعي وفي تحديد مواعيد الزراعة والحصاد.

لقد وظّف العُمانيون موروثهم الفلكي في إيجاد أجوبة للمسائل محل الاختلاف والتباين في الآراء من بينها استطلاع الأهلة، وتحديد دخول الأشهر الهجرية، واستقراء الواقع الفلكي، وحركة النجوم، وفي فهم الطبيعة بشكل عام، ما جعلهم أكثر وعيًا بما يدور حولهم من المسائل محل الاختلاف، ولم يكتفوا بوضع الموروث الفلكي في إطار المعارف والعلوم وحسب، بل تعمقّوا في الاجتهاد والسؤال والبحث والتحري؛ مستندين على فكرهم الفلسفي الذي تميّز بطرح السؤال والمناقشة حول ما يشبع رغباتهم العلمية في استقراء الموروث الفلكي الحديث، مستلهمين خبرة الأجداد والآباء في الحفاظ على الموروث الفلكي وتدارس المسائل محل الاختلاف.

لكن أيضا استفاد العُمانيون من هذا الموروث في نقل المعرفة للأجيال المتعاقبة عبر الاستفادة من الموروث الفلكي من خلال حركة النجوم وتعاقب الفصول الأربعة والتعريف بالأبراج، ما يعني ذلك أنّ الموروث لا يقتصر على الجانب العلمي بل أيضا يعد مكونًا ثقافيًا يعكس حجم الجانب الفكري للعُمانيين، وجعلهم متفوقين عن غيرهم في الاستفادة من مكونات الطبيعة وفهمها جيدًا وتوظيفها في حياتهم اليومية.

وبالحديث عن الموروث الفلكي للعُمانيين، تبذل سلطنة عُمان جهودا مقدّرة في مجال السياحة الفلكية، وهي امتدادٌ لرصانة موروثهم الفلكي الذي أصبح حديث الجميع في الداخل والخارج، بل واظبوا على الاستفادة من هذا الموروث من خلال الاستمرار في استخدام التقويم الهجري إضافة إلى التقويم الميلادي في حياتهم اليومية وفي نقاشاتهم وحواراتهم يتطرقون إلى موضوعات عدة مثل مراقبة النجوم في تحديد الاتجاهات والمواسم، ومعرفة الأبراج في تحديد المواقيت، وكذلك الاستفادة من النجوم ومواقعها في تحديد الطرق والمسارات البحرية، وتعاقب الأجيال في الاهتمام بهذه الموضوعات يشعرنا بالفخر والارتياح؛ لكننا بحاجة إلى مزيدٍ من الجهود الوطنية في ترسيخ الموروث الفلكي لسلطنة عُمان بين أفراد المجتمع سواءً بالتعريف به أو بنقل علم الفلك بحد ذاته إلى المجتمع بالاستفادة من وسائل الإعلام أو الوسائل التربوية وأيضا المجتمع الرقمي والاستعانة بالخبرات البحثية التي تزخر بها الجمعية العُمانية للفلك في نشر علم الفلك تحديدا.

إنّ فرص السياحة الفلكية تعدُّ واعدة من وجهة نظري؛ للمزايا الجغرافية التي تتميز بها سلطنة عُمان، وانخفاض مستويات التلوث الضوئي، ما يجعلها بلدا مثاليا في السياحة الفلكية، كمراقبة النجوم في فترة الليل بعدة مناطق مثل جبل شمس ورمال الشرقية، وأيضا صحراء الربع الخالي.

أيضا هناك فرصة للتعرف على التراث الفلكي العُماني من خلال الالتقاء بالبحارة العُمانيين والتعرف على أنشطة الأجداد والآباء العُمانيين في تحديد مواقع النجوم والاستفادة من أحاديثهم المؤنسة عن الموروث الفلكي لسلطنة عُمان، إضافة إلى زيارة القبة الفلكية للتعرف أكثر على الموروث من خلال العروض المرئية التي يتم تقديمها للزوّار.

لكن فرص السياحة الفلكية في سلطنة عُمان بحاجة إلى مزيدٍ من النشاط الترويجي والفكر التسويقي الحديث في المنصات الرقمية، وعلينا أيضا أن نفكّر في استمرار مناقشة الموضوعات المرتبطة بعلم الفلك حتى تترسخ المفاهيم وتتوسع المدارك وتتعمق النقاشات حول المسائل المرتبطة بهذا العلم.

علينا أن نستفيد من الموروث الفلكي الذي تزخر به سلطنة عُمان، وأن نستلهم منه في ترسيخ هويتنا الوطنية والعلمية والدينية، وأن نوظّف رصيدنا العلمي في إبداء الرأي وطرح وجهات النظر بالمسائل المرتبطة بعلم الفلك؛ فالموروث الفلكي ليس ترفًا فكريًا بل جزءٌ أساسي من هويتنا الثقافية.