أبو الصوفي.. شاعر الذاكرة والوطن والسلاطين
الاثنين / 27 / شعبان / 1447 هـ - 20:37 - الاثنين 16 فبراير 2026 20:37
إذا استحق شاعر أن يُلقب بشاعر الوطن والسلاطين فهو بلا منافس الشاعر أبو الصوفي سعيد بن مسلّم بن سالم الجابري (1864م- 1953م)، المعروف بالمجيزي والسمايلي والمسكتي، وهي الأمكنة التي نُسب إليها، فمجز الكبرى مكان ولادته، وسمائل موطن أهله وفيها تكوَّن ثقافيًا وعلميًا، أما مسقط «مسكت» فقد شهدت شهرته الأدبية إذ كتب للوطن والسلاطين، فقد كان مقرَّبًا منهم، إذ مدح السلطان فيصل بن تركي (1864م ــ 1913م) ورثاه، وعاصر السلطان تيمور بن فيصل (1886م ــ 1965م) الذي تكفّل بطباعة ديوانه الشعري وكتب له المقدمة، وسيأتي ذكر ذلك لاحقًا، كما عاش في عهد السلطان سعيد بن تيمور (1910م -1972م) وقد وُصِف بشاعر البلاط والدولة (سالم البوسعيدي، جريدة عُمان، 2024).
تميز الشاعر أبو الصوفي عن غيره من الشعراء المقربين من السلطة السياسية، بعدة مميزات منها أنه أول شاعر عُماني يكتب مقدمة لديوانه سلطان، كما يُعد أول شاعر عُماني يتكفّل السلطان بطباعة أشعاره، بل ربما أول شاعر خليجي عربي يُطبع في اليابان، وقد كتب السلطان تيمور في مقدمة الديوان «لا غاية لي هنا إلا أن أبرز وأكشف القناع عن أدب أدباء بلادي وعلمائهم في هذا الفن وأزف الكتاب إلى أبناء وطني العزيز، فطلبت من شاعر الأسرة المالكة الدولة السعيدية وهو الشيخ المحترم المكنى أبا الصوفي سعيد بن مسلم بن سالم المجيزي السمايلي، بأن يتكلف في جمع ما نظمه من الشعر بعد التصحيح فلبى طلبي فله جميل الثناء والشكر على هذا الإسعاف» إلى أن يقول رحمه الله «وتسنَّى لي طبعه في المملكة الجابانية (اليابانية) ببلدة أوساكا التي هي أعظم وأهم بلدة بعد العاصمة. وقد تمّ الطبع في سنة ألف وثلاثمئة وست وخمسين للهجرة، مطابق سنة ألف وتسعمئة وسبع وثلاثين ميلادية، بمطبعة «دار الطباعة الإسلامية العربية»، لصاحبها منصور بن سليمان بن مرعي الكثيري الحضرمي، وقد أعادت وزارة التراث والثقافة (سابقًا) طباعة ديوان أبي الصوفي ١٩٨٢م، بتحقيق الدكتور حسين نصار، وطُبع مرة أخرى عام ٢٠٠٤م.
وصفه السلطان تيمور «بأخي وسميري»، وعينه السلطان سعيد بن تيمور كاتمًا لسر الدولة وأعفاه من الضرائب «العشور».
سنتجاوز ذكر الأغراض الشعرية للشاعر المسكتي التي طغى المديح عليها واستهلاله للقصائد بالغزل والمدح، إلى اعتبار الديوان وثيقة تاريخية وثقافية مثل ذكر تشييد قلعة صور عام 1901، وتوثيق دخول الهاتف إلى عُمان عام 1910م، وولادة السلطان قابوس بن سعيد (رحمه الله) عام 1940م. إضافة إلى ذلك فقد وثق الشاعر الرحلات البرية والبحرية التي قام بها رفقة السلاطين، ولذلك نرى بأنه من الشعراء القلائل الذين وظفوا أشعارهم لأدب الرحلات العُمانية، فعلى سبيل المثال وثّق الرحلة البرية للسلطان تيمور إلى مدينة رخيوت سنة 1925م، قائلًا:
«سافرت تنهب الفدافد طالبًا رخيوت إذ طارت لوصلك شوقًا».
وقد أسهب كثيرًا في مدح المدن والمناطق التي يمر بها في رحلاته البحرية من مسقط إلى ظفار، واصفًا الموانئ والجبال والسواحل. ولكثرة ذكر ظفار في أشعاره فقد خصها بقصيدة «تاريخية في السياحة لظفار» كتبها في يناير 1907م. ولذلك آمل أن يسعفنا الوقت بالكتابة مستقبلًا عن الرحلة الظفارية في أشعار أبي الصوفي.
كما أتمنى من المجلس البلدي بمحافظة ظفار أن يطلق اسم الشاعر على أحد المعالم الثقافية في محافظة ظفار كقاعة المؤتمرات في مجمع السلطان قابوس الشبابي للثقافة والترفيه، أو إحدى قاعات متحف أرض اللبان، كما نأمل كذلك أن يتحقق مقترح الدكتورة هدى الزدجالي في المحاضرة التي أقامها النادي الثقافي في يوليو 2022 حول «الشعر المسكتي» «بعقد ندوة موسعة عن شخصية الأديب سعيد الجابري بمشاركة عدد من الباحثين في مسقط رأسه «سمائل».
ونتمنى أيضًا أن يُضاف اسم الشاعر سعيد بن مسلّم بن سالم الجابري المجيزي السمايلي المسكتي، إلى قائمة الشخصيات العُمانية المؤثرة عالميًا والمدرجة في برامج اليونسكو.