حين يكون الشعر في خدمة القيم النبيلة
الاثنين / 27 / شعبان / 1447 هـ - 20:36 - الاثنين 16 فبراير 2026 20:36
زرت في الفترة الأخيرة دولة قطر بدعوة من وزارة الثقافة القطرية ضيفا على برنامج المسابقات (مثايل)، وهو برنامج يدشن موسمه الثالث، وفكرته غير اعتيادية تقوم على طرح إحدى القيم الاجتماعية كل شهر، ثم يتم دعوة الشعراء للكتابة لتجسيد هذه القيمة النبيلة، ومن ثم يتم اختيار خمسة شعراء من بين المتقدمين لإلقاء قصائدهم على المسرح؛ حيث تقوم لجنة التحكيم بالتعليق على القصائد مباشرة، ثم يتأهل واحد من هؤلاء الخمسة إلى المرحلة التالية؛ حيث يتأهل عشرة شعراء في نهاية الموسم بمعدل شاعر كل شهر، ويحصل الفائز الأول على مليون ريال قطري.
هذه المسابقة شعرية خالصة، أي أنه ليس لتصويت الجمهور فيها أي دور، بل يتعلق الأمر بتقييم نقدي من قبل لجنة التحكيم، كما أنها تبث على اليوتيوب، مما يعطيها مساحة انتشار أكبر، إلى جانب أن هدفها الأساسي هو الإعلاء من القيم الاجتماعية، وترسيخ الأخلاق الدينية، مما يفتح أبوابا غير مطروقة -أو نادرة الطرح- للشاعر الشعبي على الساحة، كذلك ليس هناك مكان فيها لذلك الصراخ العالي، والمنبرية الفجة، و«الاعتزاء» بالقبلية لنصرة الشاعر التي تؤججها بعض البرامج، كما أنها مفتوحة لجميع الشعراء من الدول العربية، بالتناوب؛ حيث تقتصر شهرا على الشعراء القطريين والمقيمين، وشهرا يُفتح المجال للشعراء من خارج دولة قطر للمشاركة.
ما أثلج صدري هو حضور الشاعر العماني في هذه المسابقة؛ ففي لجنة التحكيم هناك الشاعر حمود بن وهقه، كما أن هناك أكثر من شاعر عماني تأهل للمراحل الأولية؛ ففي الحلقة التي حضرتُها كان من بين المتنافسين الخمسة الشاعر عبدالله بن حمدان الكعبي، ورغم أنه لم يتأهل إلى المرحلة التالية، إلا أنه كان نموذجا جيدا للتجربة العمانية الملتزمة التي تفرض احترامها، وحضورها في كل محفل، ودائما ما كان الصوت العماني مؤثرا في كل المناسبات التي شارك فيها، ونافس فيها، وفاز بها.
كانت هذه التجربة بالنسبة لي تجربة ثرية، ومختلفة، وأعطت وجها مغايرا للمعايير التي تقوم عليها بعض المسابقات من حيث تحديد الموضوع، والفكرة، واختيار ثيمة أخلاقية نبيلة، وقيمة إنسانية عالية للكتابة فيها، ثم إطلاق العنان للشاعر ليبدع كيفما أراد، ومن خلال الزاوية التي يراها، وهو ما يعطي للمسابقة بُعدا إبداعيا وقيميا خالصا، ويمنح للشاعر مساحة للخروج من دائرة الغزل التي سجن نفسه فيها، إلى الكتابة في مجال نبيل ومؤثر، ومهجور لدى الكثير من الشعراء، وهو مجال الكتابة في النصح، والحكمة، ورغم أن مثل هذه الموضوعات تحتاج إلى الكثير من المباشرة التي قد تؤثر في شاعرية النص، مما يشكّل تحديا للشاعر، إلا أن ما سمعته من الشعراء المتأهلين خلا من هذه المباشرة في أكثر الأحيان، واختار كل شاعر زاوية مختلفة للتعبير عن الموضوع، ولذلك تبقى مثل هذه الأفكار أفكارا حية، ونابضة، وتسعى إلى إخراج الشاعر من كتابته الذاتية المنغلقة إلى رسالة أكثر نبلا، وانطلاقا، وبقاء، وتأثيرا في المجتمع.