العرب والعالم

"المنطقة العازلة".. هل تكون ورقة إسرائيل للتفاوض مع لبنان؟

 

في 9 من الجاري، ضجّت وسائل الإعلام بخبر مفاده أن قوّة كوماندوز إسرائيليّة توغّلت فجراً في عمق بلدة الهبّارية الجنوبية- العرقوب، حيث اختطفت مسؤول 'الجماعة الإسلاميّة' فيها، المدعو عطوي عطوي، واقتادته الى جهة مجهولة. وما بين مضامين هذا الخبر، إشارة أولى الى التوقيت الذي تلا الجولة التي قام بها رئيس الحكومة نوّاف سلام في الجنوب، واختتمها واعداً ببدء ترميم ما هدّمته آلة الحرب الإسرائيليّة عبر تمويلٍ دوليٍّ ناهز الـ 360 مليون دولار، وثانية الى جغرافيّة البلدة المذكورة، ببيوتها المدمّرة ومشاعاتها المهملة، والتي هي ليست من قرى الحافّة الأماميّة، إذْ أن عمقها يبعد نحو 10 كيلومترات عن الحدود.


توغّل برّي دون اجتياح واسع، وضعه البعض في خانة 'الفيتو' الإسرائيلي الذي لا يزال قائماً فوق أيّ محاولة للإعمار أو عودة الأهالي، ومفاده: لا إعمار من دون شروط أمنيّة ولا عودة من دون كلفة ولا سيادة لبنانيّة كاملة في الميدان، وقرأ فيه البعض الآخر إشارة واضحة إلى أنّ وقف إطلاق النّار الهشّ، الذي أرساه اتفاق 27 نوفمبر 2024، ما زال يُترجم على لوحة الحرب 'الرماديّة'، فيما كثيرون لم يروا فيه شأناً يُدرك بالسياسة.

وأبعد من ذلك، وبحسب ما يتردّد، فإن إسرائيل طرحت، في جولات تفاوضيّة سابقة، أن يكون لها الحق في إعطاء أذونات دخول وخروج للّبنانيين الذين يريدون الإقامة في المنطقة التي تريدها 'أمنيّة'، وتسمّيها الولايات المتحدة بـ'المنطقة الإقتصادية'، وبما يمنحها حقّ التدخل لمسافة تتجاوز الـ5 كيلومترات، وصولاً إلى جعل القرى الحدوديّة مناطق غير قابلة للحياة، أو قابلة للحياة بشروط أمنيّة مفروضة إسرائيليّاً.


ووسط التّصعيد العسكريّ المبرمج إسرائيليّاً، إكتفى رئيس الوفد المفاوض على تطبيق القرار 1701، اللواء الركن المتقاعد د. عبد الرحمن شحيتلي، بوضع عملية 'إختطاف الهبّارية' في إطارها الأمني البحت، المرتبط عادةً بالحصول على معلومات ما، ليطلّ من خلالها على واقع أبعد من حدود البلدة، ومفاده وفق قوله لـ'عُمان'، أن 'إسرائيل تريد أن تتوصّل الى اتفاق عسكري- أمني مباشر مع لبنان، على غرار إتفاق الهدنة عام 1949'. وهذه الإتفاقيّة، وفق توضيحه، نصّت حينها على 'وجود منطقتين، منطقة داخل لبنان ومنطقة مقابلة لها داخل فلسطين المحتلّة'، وكانتا تخضعان لما يُسمّى بـ'الملاحق'، لجهة إنتشار القوى، عديداً وعتاداً، كما لجهة التنقّل (توقيت محدّد، أذونات خاصّة).

وذلك، بوجود لجنة عسكريّة مشتركة، كانت تعمل تحت إشراف 'لجنة الهدنة'، لمعالجة الخروقات التي كانت تحصل حينها.
بدوره، أشار رئيس وفد لبنان الى المفاوضات البحريّة مع إسرائيل (2020- 2022)، العميد الركن المتقاعد بسام ياسين، الى أن عمليّة التوغّل التي شهدتها بلدة الهبّارية هي 'عمليّة أمنيّة بامتياز'، حملت في طيّاتها رسالتين إسرائيليّتين، مفادهما أن إسرائيل قادرة على الوصول بريّاً الى أي مكان تريده، وقادرة أيضاً على تنفيذ عملية إختطاف بشكل مباشر، من دون الإستعانة بمسيّرة أو طائرة حربيّة، مع ما يعنيه الأمر، وفق قوله لـ'عُمان'، من كون هكذا عمليّة توغّل تخلق نوعاً من الإرباك الداخلي، في ظلّ غياب أيّ عمليّة تصدٍّ من قبل الجيش اللبناني أو من قبل 'اليونيفيل'، وتفسح المجال أمام الإسرائيلي لتحريض أبناء البلدة على ضرورة البحث عن بدائل للحماية.


نموذج.. ولكنْ
ومن بوّابة ما كان عليه المشهد جنوباً عام 1949، يشير شحيتلي الى أن إسرائيل تسعى الى أن تكون المنطقة الحدوديّة تحت رقابة لجنة مشتركة، وبرئاسة أمريكية إنْ لزم الأمر، و'هذا ما يستبطنه طلبها الدائم بعقد المفاوضات مع لبنان في مكان آخر، ويشترك فيها الأميركي دون غيره'، وفق تقديره، لافتاً الى أن ما يحصل اليوم أشبه بما كان عليه الوضع عام 1949، ولكنْ بـ'مطالب جديدة'، لكون إسرائيل تعتبر نفسها في موقع 'المنتصر' في الحرب الأخيرة، وبالتالي 'تريد أن تفرض شروطها الأمنيّة في المنطقة التي تعتبرها متاخمة لحدودها'.


ومؤكداً أن 'لبنان ليس في وارد القبول بأيّ شروط تمسّ بسيادته'، يلفت شحيتلي الى أن اتفاق عام 1949 قد يكون 'نموذجاً'، يقتضي تعديل ملاحقه، إنْ لجهة الخطوط التي تحدّد المناطق من الطرفين، أو لجهة القوى التي ستنتشر مع تحديد آلية ارتباطها، عسكرياً وأمنياً، في حال وجود خروقات ما، معرباً عن اعتقاده بأن 'لبنان قد يتجاوب مع فكرة تعديل الملاحق في الإتفاقية مع إسرائيل'، ولكنْ بعيداً عن كلّ ما يُشاع ويُذاع بشأن 'منطقة إقتصاديّة' يريدها الأمريكي و'منطقة أمنيّة' يريدها الإسرائيلي.


'إحتلال مبطّن'
وفيما يخصّ 'المنطقة الأمنية'، المطروحة إسرائيليّاً على طاولة التفاوض 'بكلّ خطورتها'، أكد ياسين أن 'لبنان يرفض فكرة المنطقة العازلة'، و'الجنوبيّون لن يقبلوا أن تُباع أراضيهم، لا للأمريكي ولا للإسرائيلي، ولا حتى للدولة اللبنانية'، إنطلاقاً من تمسّكهم بحقّ العودة وحقّ الإعمار، كما بـ'حقّ البقاء في الأرض حتى الإستشهاد'. وعليه، يضع ياسين كلّ ما يُحكى بشأن هذه المنطقة في خانة 'رفع سقف التفاوض'، داعياً رئيس الوفد اللبناني الى المفاوضات الجارية مع إسرائيل، سيمون كرم، لـ'إعلان الرفض المطلق لهكذا طرح، والقول إنه منطق إحتلال مبطّن'.


وعلى وقع التحضير لاجتماع لجنة 'الميكانيزم' (لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائيّة)، والمقرّر في 25 من الجاري، وما يمكن أن ينتهي اليه حول مستقبل التفاوض بين لبنان وإسرائيل، أشاد ياسين بـ'التعاون الكامل' الذي أبداه 'حزب الله' مع الجيش اللبناني خلال تنفيذ المرحلة الأولى من خطّته لحصر السلاح جنوب الليطاني، معتبراً أن المرحلة الثانية من تنفيذ الخطّة من جنوب النهر الى 'ما بين النهرين' ستكون أمام ما أسماه 'سيناريو ثانٍ'، إذْ 'لن يقبل لبنان أن تبدأ المرحلة الثانية دون أن يكون هناك مقابل من إسرائيل'، أي وفق احترام مبدأ 'الخطوة مقابل خطوة'، بما يضمن عدم تحميل طرف واحد أعباء الإتفاق فيما يتنصل الطرف الآخر من موجباته، وإلا فـ'إن لبنان مقبل، ربّما، على الإصطدام بمعوّقات داخلية، قد تصل الى حدود الإشتباكات الأمنية ومنع الجيش اللبناني من الدخول الى مناطق معيّنة'.

ولذا، فإن المرحلة الثانية من خطّة الجيش لحصر السلاح بيد الدولة ستكون، وفق رأيه، مشروطة بموافقة إسرائيل على الإنسحاب من الأراضي التي لا تزال تحتلّها جنوباً ووقف إعتداءاتها. والمواقع الخمسة التي تحتلّها إسرائيل جنوباً، بحسب أوساط مقرّبة من 'حزب الله'، هي بمثابة تمديد للنزاع العسكري بوصفه تفاوضاً بالنار، واحتلال 'عميق' بلا أيّ توغّل أو انتشار.


وهكذا، بين منطق القوّة ومنطق التسويات، يحاول لبنان تثبيت معادلة واحدة: الأمن يُبنى بتوازن الخطوات والإلتزامات المتبادلة، وهو الذي لا يزال يعيش حرب استنزاف، من الوريد الجنوبي الى الوريد البقاعي مروراً بقلب العاصمة بيروت، ويخشى حرباً جديدة. أما الأولوية الثابتة، وفق الموقف الرسمي، فهي تأمين عودة آمنة للسكان، ثم البحث لاحقاً في تنمية إقتصادية مشروطة، لا تحويل الجنوب إلى 'شريط أمني' دائم يخدم حصراً حسابات أمن إسرائيل.