رأي عُمان

أزمة العالم في الشرعية لا في القيم

بدا العالم وكأنه دخل منطقة أمان في اللحظة التي أُسدل فيها الستار على الحرب الباردة. والحق أن المشكلة لم ترتبط بالأمل، إنما في الثقة التي تحوّلت إلى يقين أن نموذجا واحدا يستطيع أن يشرح التاريخ كله، وأن الاقتصاد المعولم سيُنتج تلقائيا سياسة أكثر عقلانية، وأن القيم حين تصبح كونية لن تحتاج إلى وضعها على معيار العدالة. بعد ثلاثة عقود ونصف تتكشف الحقيقة الأكثر قسوة أن أزمة النظام الدولي الراهنة تتجاوز موضوع القيم والمبادئ إلى كونها أزمة شرعية. 

والشرعية التي نعنيها هي الشعور الجماعي بأن القواعد تُطبَّق على الجميع، وأن المؤسسات الدولية لا تعمل كواجهة للقوة الغالبة، وأن الحقوق ليست انتقائية، وأن الأمن ليس امتيازا لأصحاب النفوذ. وعندما يتآكل كل هذا يصبح العالم رخوا تصعد فيه القوميات، وتحيط به الشكوك، وتتحول السياسة إلى رد فعل دائم بدل أن تكون مسارا للمستقبل. 

الحرب في أوكرانيا مثال على انهيار الشرعية.. تقول روسيا إنها تحمي أمنها ومجالها الحيوي، ويقول الغرب إنه يدافع عن حق الدول في اختيار مستقبلها. وبين الروايتين تقف منظومة دولية عاجزة عن إنتاج تسوية عادلة ومستقرة. الأمر يُقرأ بشكل أكثر فداحة في الحرب على غزة، حيث تسببت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في سقوط أكثر من 71 ألف شهيد وتدمير كامل «تقريبا» للبنية التحتية. ورغم خطة «سلام ترامب» ما زالت المذابح مستمرة في القطاع. 

القواعد التي يمكن أن تحكم كل هذا موجودة في الأساس، لكن المشكلة أن هذه القواعد فقدت القدرة على إقناع الأطراف بأنها «قواعدهم» لا «قواعد خصومهم». 

وليس الأمر حكرا على روسيا أو إسرائيل أو على الجبهات الساخنة في أماكن كثيرة في العالم. داخل الغرب نفسه، يتسع التململ من الليبرالية كما لو أنها وعد قديم لم يعد يطابق الحياة اليومية. تظهر في الغرب طبقات تشعر أنها تُركت وحدها أمام صدمات السوق، ومدن تتحمل كلفة العولمة أكثر مما تجني من أرباحها، وسياسة تُدار بكثير من الاندفاع الثقافي الذي يثير الخوف أكثر مما يصنع الطمأنينة. وأمام هذا المشهد تتغذى الشعبوية من فجوة الشرعية المزدوجة: فجوة داخل الدولة الواحدة، وفجوة بين الدول. 

وفي تاريخ الأفكار الكثير من الإضاءات التي يمكن أن نقرأ على صفحتها ما يتجاوز النبوءة. فحين تُقدم الكونية بوصفها طريقا واحدا لا بديل له، تتحول سريعا من وعد أخلاقي إلى لغة هيمنة، فيرتد الناس إلى متارس الهوية والذاكرة والسيادة. وعندما تُطبَّق المعايير بانتقائية، تصبح «الخصوصية» وقودا للشعبويات؛ فتتسع الفجوة بين القانون كما يُقال، والعالم كما يُدار. لا يمكن أن تستقيم «الكونية» ما لم تكن معادلا للإنصاف والعدل وإلا تحولت إلى مرادف للهيمنة. 

وتبدو أزمة الشرعية أكثر وضوحا وإيلاما في العالم العربي الذي يطلب منه أن يحترم النظام الدولي وحقوق الإنسان وفق المقاس الغربي ويراد منه أن يطبق الديمقراطية وفق المقاس الغربي لكنه يترك في مقابل كل ذلك في دوامة من النزاعات الطويلة، ويترك رهن موازين القوة لا ميزان القانون. 

لا أحد يريد للعالم أن يعيش دون قواعد، ولا أحد يريد أن يتبنى فكرة أن العالم أصبح غابة يأكل القوي فيها الضعيف.. رغم أن هذا الطرح رائج اليوم ويتكئ على بعض الأمثلة. ما يدور في عقول الكثير من دول العالم والكثير من المفكرين المنصفين في شرق العالم وغربه لا يراوح الحديث عن الشرعية وإعادة بنائها على ثلاثة أسس بسيطة وصعبة في آن. أولها: اتساق المعايير في أن تُدان الانتهاكات؛ لأنها انتهاكات لا لأن مرتكبها «خصم». ثانيها: تمثيل عادل في المؤسسات الدولية كي لا تبدو ملكية مغلقة لمن يملك القوة وحده. وثالثها: اقتصاد عالمي أقل قسوة على المجتمعات، لأن الغضب الاجتماعي لا يبقى داخل الحدود؛ إنه يعبرها في صورة تطرف وانكفاء وعداء للأجنبي. 

التوازن الذي يبحث عنه العالم يحتاج إلى شجاعة سياسية تعترف بأن أخطر ما يهدد النظام الدولي اليوم هو عجزه عن أن يبدو عادلا وقادرا على تمثيل الجميع.