العرب والعالم

الإحتلال يسعى لإفشالها ويعرقل خطواتهاأمواج غزة تتلاطم أمام ادارة "التكنوقراط"

 

رام الله - عُمان - محمـد الرنتيسي
تسير لجنة إدارة غزة المكونة من شخصيات سياسية فلسطينية مستقلة (تكنوقراط) على خيط رفيع جدا، توشك أن تفقد توازنها، وإن بدت ذاهبة إلى قطاع غزة واثقة ومستعدة، كما يقول علي شعث الذي يترأسها.
لكن ترجمة هذا الانطباع المتفائل، تكاد تفتقر للأدلة والبراهين، فالتصعيد الجاري في قطاع غزة، يُعري سلوك الاحتلال حيال مستقبل القطاع، كما أن الصور والمشاهد الصادمة، القادمة من خان يونس وغزة ورفح ودير البلح، لا بد وأن لها معان وأبعاد ومرامي، ورسائل دموية للجنة إدارة غزة.
ومثل هذه المشاهد، الدالة على أن كيان الاحتلال لا يقيم وزناً لبشر أو حجر، أخذت تمتد لتطال سائر أرجاء قطاع غزة، وينبغي أن توضع على طالة المجتمع الدولي و'مجلس السلام' العالمي، لإسقاط ورقة التوت عن موبقات جيش الدولة العبرية، وما أكثرها، قبل دخول لجنة 'التكنوقراط' كي تتمكن من القيام بمهامها في إنعاش غزة.
وفي ألبوم صور القتل والدمار المستمرة في قطاع غزة، حتى بعد مرور 4 أشهر على إعلان اتفاق وقف إطلاق النار، ما يكشف مدى الإجرام الذي يسكن عقلية الكيان المحتل، وطغيانه الذي طال كل شيء، فهو لم يكتف بحصار الغزيين وتجويعهم على مدار حولين كاملين، بل استمر في إراقة الدماء وإزهاق الأرواح، حتى لو كان أصحابها أطفال ونساء وشيوخ.
ويبدو أن عدوان الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، لا يعرف حدوداً، وإن أشرف على النهاية من خلال هدن سياسية ثلاثة، اخترقت جدار الحرب، فرئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو عازم على عدم التراجع عن النهج الذي اختطه لنفسه منذ السابع من أكتوبر، والقائم على إبقاء الأمور في قطاع غزة على احتقانها، ونصب العراقيل والمطبات أمام لجنة إدارة غزة.
صدام قائم.. وقادم
في رصدها للحالة الرثة والبائسة التي تغلف المشهد في قطاع غزة، بفعل وحشية الاحتلال الذي يسعى لخراب ودمار متعمد أمام لجنة 'التكنوقراط' واستمرار طائراته ومدافعه في صب حممها على خيام النازحين، سألت 'عُمان' اثنين من المحللين، عن حجم التحديات والأعباء التي أخذت تتراكم على كامل لجنة إدارة غزة، فأجاب الكاتب والباحث السياسي عمر رحّال، أن ما يمارسه كيان الاحتلال لا يؤسس لحل مستدام، بل هو تأجيل لصدام قادم، ويحول غزة إلى نموذج وصاية تُدار باسم الفلسطينيين ومن دونهم، وهذا يحمل في طياته بذور فشل جديد، لا يقل خطورة عن الواقع القائم.
ويشرح: 'تحاول واشنطن خلق توازن بين مسار إدارة غزة من خلال شخصيات فلسطينية بعيدة عن حركة حماس أو السلطة الفلسطينية، وعدم الإنزلاق إلى الطرح الإسرائيلي اليميني، الداعي إلى السيطرة المباشرة أو الوصاية العلنية على قطاع غزة، لأن هذا سيفجر الموقف إقليمياً، ويقوض خطابها الشكلي عن 'حل الدولتين' ولهذا فالاحتلال يطرح نموذجاً هجيناً، من خلال فراغ سياسي مُدار، على أمل أن يعاد لاحقاً ترتيب المشهد في قطاع غزة، وفق شروط ترضي متطلبات الأمن الإسرائيلي، وتخفف العبء السياسي عن الولايات المتحدة'.
ويوالي: 'أمريكا حسمت موقفها من قضية إقصاء حركة حماس عن الحكم في غزة، فهذا خط أحمر لا يمكن تجاوزه، لكنها في المقابل لم تذهب إلى تبني خيار إسقاط السلطة الفلسطينية أو شطب دورها نهائياً، بل اتجهت إلى تفريغها من مضمونها السياسي، وإعادة إنتاجها بصيغة إدارية مؤقتة، عبر لجان أو هيئات 'تكنوقراط' تُقدم بوصفها 'حلاً عملياً' لما بعد الحرب، تحت إشراف دولي وأميركي مباشر، وبعيداً عن أي تفويض شعبي، أو توافق وطني فلسطيني'.
ويختم: 'المشكلة الجوهرية في التصور الإسرائيلي، أنه يتجاهل حقيقة أن غزة ليست مسألة إدارة خدمات أو تنسيق أمني، بل عقدة سياسية مرتبطة بالتمثيل والشرعية والحقوق الوطنية، ومن هنا، فأي صيغة حكم تُفرض، وتتجاوز الإرادة الفلسطينية، ستبقى هشة وقابلة للانفجار، وإن حظيت بدعم دولي أو غطاء مالي'.
رصيد هش.. أم متين؟
بينما عدّ المحلل السياسي رائد عبد الله، التصعيد الإسرائيلي المتعمد في قطاع غزة، محاولة لإعادة الأمور إلى نقطة الصفر، مبيناً أن لجنة التكنوقراط المكلفة بإدارة غزة بعد الحرب، عوّلت على تحقيق رصيد أمريكي متين، لكنها سرعان ما وجدت نفسها تلاطم أمواج الاستحقاقات الفلسطينية واحتياجات السكان وحيدة، ودون إسناد دولي وأمريكي حقيقي.
ويوضح: 'لم تحصل لجنة التكنوقراط على وعود أو ضمانات أمريكية، وثمة من يقول إن هناك ضمانات، لكن واشنطن ما زالت متحفظة على إعلانها، وما يجري حالياً على خلفية تجدد الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة، يتعلق بمستقبل التهدئة الهشة، بل يُشغل الفلسطينيين بما هو أكثر من انهيارها.. عودة المجاعة وتقييد دخول المساعدات الإغاثية، وخصوصاً مع قرب حلول شهر رمضان المبارك'.
ويواصل: 'ما يزال ملف إدارة غزة بعد إعلان وقف إطلاق النار، بكامله، في يد الكيان الإسرائيلي، وما يزيد من تعقيد مهام لجنة إدارة غزة، الصمت الأمريكي تجاه الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية، الذي يؤشر على تبني الرؤية الإسرائيلية لغزة ما بعد الحرب، وهنالك خشية من أن يقود اتساع رقعة العدوان المتجدد على قطاع غزة، إلى تخلي لجنة إدارة غزة عن مهامها، ما يفتح الباب على مصراعيه لاحتمالات وسيناريوهات صعبة ومعقدة'.
ومثل هذه المخاوف والتداعيات الخطيرة، أخذت تتعزز لدى كثير من المراقبين، لا سيما وأن الإدارة الأمريكية، لم تعد توجه ضغوطها على الكيان الإسرائيلي، بل حولتها باتجاه حركة حماس، في ضوء إصرار لا يلين على نزع السلاح، وفي هذا السياق، يعول الكيان الإسرائيلي كثيراً على فشل 'التكنوقراط' التي بدت جدرانها أيضاً عرضة للضرب الإسرائيلي.
هما أمران كل ما فيهما مرّ، بفعل الممارسات الإسرائيلية، فالاحتلال يواصل غزواته في غزة، ويراقب تطورات الأوضاع والوضع المعيشي للسكان، وهو يدرك تماماً أن فيه ما يكفي للانهيار، فإما غزة تحت السيطرة الإسرائيلية إلى الأبد، وإما لجنة فلسطينية تحفها نوايا إسرائيلية مبيتة، تعرقل خطواتها تارة، وتحيلها عاجزة تارة أخرى.