أفكار وآراء

انتخابات التجديد النصفي لن تُصلِح السياسة الأمريكية

في حين تعصف الاضطرابات السياسية بالولايات المتحدة بدأت الأحاديث حول انتخابات التجديد النصفي في الكونجرس الأمريكي في نوفمبر من هذا العام تكتسب زخما. في الانتخابات الرئيسية التي جرت العام الماضي، حقق الديمقراطيون سلسلة من الانتصارات، بما في ذلك في انتخابات حكام ولايتي نيوجيرسي وفيرجينيا، والانتخابات الخاصة في الجمعية العامة بولاية فيرجينيا، وانتخابات رئاسة بلديتي ميامي ونيويورك. ورغم أن هذا يبشر بالخير للديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي المقبلة، فمن المرجح أن تظل السياسة الأمريكية معطلة لفترة طويلة قادمة. 

في الانتخابات الرئاسية عام 2024، فاز دونالد ترامب ومنافسته، نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس، بأكثر من 90% من أصوات حزبيهما. لكن استطلاعا واسعا أجرته مؤسسة YouGov أظهر أن من بين الأصوات التي خسرتها هاريس أمام ترامب كانت أصوات الديمقراطيين الذين اعتبروا التضخم القضية الأكثر أهمية (12%). وبين المستقلين الذين اعتبروا أن التضخم والاقتصاد والهجرة القضايا الثلاث الأكثر أهمية (20%، و15%، و12% على التوالي)، تفوق ترامب على هاريس بأكثر من 40 نقطة. 

تعكس انتصارات الديمقراطيين في العام الماضي المخاوف الاقتصادية ذاتها، ولكن بنتائج مختلفة. وفقا لاستطلاع أجرته مجلة إيكونيميست/مؤسسة YouGov، بحلول نهاية عام 2025، كان الناخبون الأمريكيون يعتبرون التضخم (24%) والوظائف والاقتصاد (16%)، إلى جانب الرعاية الصحية (11%)، القضايا الأكثر أهمية. ولكن، على عكس عام 2024، كان يُنظر إلى الديمقراطيين على أنهم أكثر استعدادا لمعالجة هذه القضايا. وحتى بين الجمهوريين الذين يدرجون هذه القضايا ضمن قضاياهم ذات الأولوية العالية نجد أن احتمالات تصويتهم لصالح الحزب في انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 أقل بنسبة 10-15% مقارنة بالجمهوريين الذين لا يذكرون هذه القضايا. 

المشكلة الأكبر التي تواجه الجمهوريين هي المستقلون، الذين يرفض أكثر من ثلثيهم الآن طريقة تعامل ترامب مع الاقتصاد والتضخم. عندما سُئلوا ما إذا كانوا يعتزمون التصويت لصالح الديمقراطيين أو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي، أعطوا الديمقراطيين تقدما بنسبة 16%. وبما أن الديمقراطيين يحتاجون إلى الفوز بخمسة مقاعد إضافية فقط من المقاعد التي يحتلها جمهوريون الآن للحصول على الأغلبية في مجلس النواب، فإن فرصهم في النجاح تبدو قوية. 

ولكن في حين أن سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب من شأنها أن تضع حدا لبعض سياسات إدارة ترامب، فإنها لن تؤدي إلى تغيير كبير في المشهد السياسي الأمريكي. بدلا من ذلك، سيستمر الحزبان السياسيان الرئيسيان في أمريكا في تبادل السلطة، كما كانت الحال خلال العقود القليلة الأخيرة. 

من المؤكد أن الديمقراطيين انفردوا بثمانية وأربعين عاما من الهيمنة بدءا من عام 1932، في ذروة الكساد العظيم. ولكن منذ فوز المرشح الجمهوري رونالد ريجان في الانتخابات الرئاسية عام 1980، تغيرت القيادة على نحو مستمر. حصل ريجان على ولاية ثانية في عام 1984، لكن الجمهوريين خسروا مجلس الشيوخ بعد ذلك بعامين. 

وفاز جورج بوش الأب من الحزب الجمهوري بالرئاسة في عام 1988، لكن الديمقراطي بِل كلينتون حرمه من ولاية ثانية في عام 1992. 

في انتخابات التجديد النصفي عام 1994، فاز الجمهوريون بمجلس النواب لأول مرة في 40 عاما. بينما نجح كلينتون في تأمين إعادة انتخابه في عام 1996، فقد خلفه الرئيس الجمهوري جورج دبليو بوش، الذي لم يخدم فقط لفترتين متتاليتين، بل استفاد أيضا من ست سنوات من سيطرة الحزب الجمهوري على الكونجرس. 

انتُخب الرئيس الديمقراطي باراك أوباما في عام 2008، ولكن في انتخابات التجديد النصفي عام 2010، حصل الجمهوريون على 64 مقعدا في مجلس النواب. ورغم فوز أوباما مرة أخرى في عام 2012، فقد خلفه ترامب. ولكن مرة أخرى، خسر الجمهوريون سيطرتهم على مجلس النواب في انتخابات التجديد النصفي عام 2018. وفي انتخابات عام 2020، هُزم ترامب على يد نائب الرئيس السابق في عهد أوباما، جو بايدن. 

أيا كان حجم النشوة التي شعر بها الديمقراطيون، فقد خفت حدتها في انتخابات التجديد النصفي عام 2022، عندما خسروا مجلس النواب، ثم تلاشت تماما عندما فاز ترامب بولاية رئاسية ثانية في عام 2024. من المرجح أن تؤدي انتخابات التجديد النصفي الوشيكة إلى تغيير التوازن مرة أخرى ــ ولكن بشكل طفيف فقط. سوف يستمر البندول السياسي الأمريكي في التأرجح. 

أحد الأسباب الرئيسية وراء هذا هو أن الحكومات والقادة يفقدون بريقهم غالبا بمجرد توليهم مناصبهم - وليس فقط في الولايات المتحدة. فحسب استطلاع أجرته مؤسسة YouGov في ديسمبر 2025، تبلغ نسبة تأييد الحكومة الفرنسية 16% فقط. ولم يكن أداء الحكومة البريطانية أفضل كثيرا، عند مستوى 17%. ومعدلات التأييد أعلى قليلا في ألمانيا (25%)، وفي الدنمارك وإيطاليا وإسبانيا - جميعها فوق 30% - ولكن حتى في هذه البلدان، لا توافق الأغلبية على قادتها. 

يشكو المواطنون من أن قادتهم فشلوا في معالجة تحديات كبرى، مثل تباطؤ النمو، والتضخم، ونقص المساكن بأسعار معقولة، وفجوات التفاوت، وتغير المناخ. الواقع أن أكثر من نصف السكان في الولايات المتحدة وأوروبا يرون أن المعاشات العامة منخفضة للغاية، ويعتقد قسم كبير من الشباب أن نظام المعاشات لن يكون فعالا أو قادرا على الوفاء بالتزاماته عندما يحين وقت تقاعدهم. 

لكن كثيرا من هذه المشكلات يصعب حلها، خاصة قبل موعد الانتخابات المقبلة، ونادرا ما تثق جماهير الناس بقادتها بما يكفي لمنحهم مزيدا من الوقت. وعلى هذا فعندما يفشل الحاكم الحالي في تحقيق نتائج، يقرر الناخبون غالبا منح المعارضة فرصة. هذه التقلبات المستمرة تجعل من الصعب الحفاظ على السياسات لفترة كافية لإحداث تغيير، وقد تُفضي حالة انعدام اليقين السياسي الناتجة عن ذلك إلى تثبيط الاستثمار الطويل الأجل. من ناحية أخرى، يعزز الافتقار إلى التقدم انعدام الثقة في المسؤولين المنتخبين، الأمر الذي قد يدفع الناخبين إلى التخلي عن «المؤسسة» تماما واحتضان «الـمُعَطِّلين» من الشعبويين الذين يزيدون من حالة انعدام اليقين. 

في الولايات المتحدة، يعد الإحباط إزاء النخب القوية أحد المشاعر القليلة التي تشمل الطيف السياسي بأكمله. أظهر آخر استطلاع أجرته مجلة الإيكونوميست/مؤسسة YouGov في عام 2025 أن 91% من الديمقراطيين، و75% من الجمهوريين، و83% من المستقلين يعتقدون أن المؤسسات السياسية «استولى عليها الأثرياء والأقوياء». علاوة على ذلك، يتفق 80% من الديمقراطيين، و70% من الجمهوريين، و80% من المستقلين على أن القرارات السياسية المهمة تتخذ إلى حد كبير خلف أبواب مغلقة، دون مساءلة عامة. 

قد يحتضن الناخبون الأمريكيون الحزب الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي هذا العام. لكن من غير المرجح أن تؤدي انتخابات التجديد النصفي هذا العام أو الانتخابات الرئاسية في عام 2028 إلى إعادة ترتيب السياسة الأمريكية بدرجة ملموسة أو تشكيل حكومة قادرة على الحفاظ على سياساتها لفترة كافية لمعالجة المشكلات التي تواجهها البلاد. في السنوات القادمة، بوسعنا أن نتوقع مزيدا من الشلل السياسي مقارنة بأي تقدم في السياسات. 

 ديفيد دبليو برادي أستاذ العلوم السياسية وقيم القيادة في جامعة ستانفورد وزميل أول في معهد هوفر 

 مايكل سبنس الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد أستاذ فخري في الاقتصاد وعميد سابق لكلية الدراسات العليا للأعمال في جامعة ستانفورد. شارك في تأليف كتاب «الأزمة الدائمة: خطة لإصلاح عالم متصدع» مع محمد العريان، وغوردون براون، وريد ليدو 

 خدمة بروجيكت سنديكيت