العرب والعالم

الحياة في بيروت تحت الطائرات المسيّرة

 

مع انحدار الشمس نحو الغروب فوق المتوسط، شدّ إبراهيم عمّار مِقلاعا وأطلق قطعا من الفاكهة تمزّق ضوء الشفق الدافئ، مستدرجا سرب حمامه إلى التحليق أعلى فأعلى فوق أفق بيروت المسنّن.
«هؤلاء أطفالي!» صاح، فيما راحت الطيور تدور وترفرف فوق رأسه.
على مدى أجيال، ظلت لعبة بلاد الشام القديمة، «كش حمام» ـ حيث يغري مربّو الحمام طيور خصومهم ويصطادونها من فوق أسطح البيوت المتجاورة ـ تُمارَس في سماء بيروت، عاصمة لبنان. فعلها والد عمّار قبله، كما فعلها جدّه، وقبل ذلك جدّه الأكبر، ومن قبله الجدّ الأكبر للجدّ.
لكن حمام عمّار بات اليوم يتقاسم السماء مع خصم جديد من نوع آخر: طائرات إسرائيلية مُسيّرة.
أصبحت الطائرات المسيّرة فوق بيروت أكثر ملامح الحملة الجوية الإسرائيلية المستمرة في لبنان ضد حزب الله حضورا واستعصاء على التجاهل؛ أزيز ميكانيكي يتحول إلى موسيقى متقطعة ترافق تفاصيل الحياة اليومية. يقطع المكالمات الهاتفية، وعشاءات العائلة، والمواعيد الأولى، كما يخترق حفلات الأسطح، ودروس الصفوف، وأيام البحر.
إنه صوت ثابت ومعدني؛ أزيز يشبه طنين البعوض، يحوم عند حافة السمع، ويستحيل فصله عن اليوم أو التعايش معه كخلفية يمكن إسكاتها.
وبعد أكثر من عام على اتفاق وقف إطلاق النار الذي أنهى أكثر الحروب دموية خلال عقود بين إسرائيل وحزب الله، ما زال السكان يرفعون أعناقهم نحو السماء كلما اهتزّت المدينة بذلك الطنين الذي لا يهدأ ـ تذكيرا بأن الحرب، من نواح كثيرة، لم تنتهِ حقا.
مئات الأشخاص، كثيرون منهم مدنيون، قُتلوا جراء غارات جوية إسرائيلية منذ توقيع الهدنة، وفقا لمسؤولين لبنانيين والأمم المتحدة. ومع تصاعد تلك الهجمات في الأشهر الأخيرة، بات أزيز المسيّرات يحمل حدّة أشدّ وضوحا، وسط مخاوف من هجوم إسرائيلي متجدد.
قال عمّار، الذي فرّ من منزله خلال الحرب وترك حمامه الـ220 كله في عهدة صاحب متجر في الجهة الأخرى من المدينة: «أنا قلق دائما على الوضع، وأفكر هل ستبدأ الحرب من جديد أم لا».
وأضاف من فوق سطح منزله، وهو يربّت بلطف على أحد الطيور فيما كان ينظر إلى أسفل نحو مبنى سكني مجاور سوّته غارة إسرائيلية بالأرض: «آتي إلى هنا لأتجاوز كل شيء». ثم أردف: «لكن الحمام يرى المسيّرة ويشعر بها، حتى لو كانت بعيدة جدا».
وتقول قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة إنها سجلت أكثر من 7500 خرق جوي ـ بما في ذلك مسيّرات وطائرات مقاتلة ـ خلال العام الذي تلا دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، وأن توغلات المسيّرات ازدادت في الأشهر الأخيرة. وبحسب مسؤولين أمنيين لبنانيين، تُستخدم المسيّرات التي تحلق فوق بيروت في المقام الأول لأغراض المراقبة، لكن كثيرا منها مسلح وقادر على تنفيذ ضربات.
ولم يردّ الجيش الإسرائيلي على طلبات التعليق بشأن سبب استمرار تحليق المسيّرات فوق العاصمة اللبنانية رغم الهدنة. وبموجب الاتفاق، كان مطلوبا من حزب الله أن ينزع سلاحه على مستوى البلاد، غير أن إسرائيل اتهمت الجماعة بإعادة بناء قدراتها العسكرية. وتقول إسرائيل إنها تستهدف عناصر حزب الله ومخازن الأسلحة، مع اتخاذ خطوات للتخفيف من الأذى الواقع على المدنيين.
وقد باتت المسيّرة سيئة الصيت إلى درجة أن لها لقبا: «أم كامل»، وهو اسم شائع في لبنان وتلاعب لفظي بطراز المسيّرة الإسرائيلية MK. وهو صوت تعلّم اللبنانيون تمييزه عبر سنوات من الصراع المتكرر؛ إذ كثيرا ما تدور الطائرة لساعات متواصلة قبل أن يخفت صوتها ـ تراقب وتستمع، وأحيانا تمطر الصواريخ من السماء فوقهم.
كما أصبحت موضوعا للفكاهة السوداء على الإنترنت، بما يعكس ألفة مستسلمة مع آلة لا يمكن التنبؤ بها:
«يا أخي، أليست لهذه الـMK عائلة تطمئن عليها؟»
«يا أم كامل، روحي تغدّي ـ نريد أن ننام'.
«مرّ يومان منذ ظهرت أم كامل. أشتاق إليك.»
وعلى امتداد الحدود الجنوبية المدمّرة مع إسرائيل، حيث ظلّ حزب الله طويلا صاحب النفوذ، تقع الضربات شبه يوميا، وتبثّ المسيّرات تحذيرات للسكان عبر مكبرات الصوت.
لكن في بيروت، تستمر الحياة تحت المراقبة.
خارج محل كباب في أحد الأحياء، أطفأ ماهر يونس، سائق توصيل الطعام، محرّك دراجته النارية الصغيرة، ورفع بصره إلى السماء، فيما كان هاتفه ما يزال يلمع في يده. قال وهو يهز كتفيه: «حين تكون فوقنا، قد يختلّ نظام الـGPS عندي أحيانا ويجنّ». وأضاف: «تتوقف عن النظر إلى الخريطة، وتبدأ تسأل الناس عن الطريق».
أما علي سلمان (39 عاما)، صاحب متجر بقالة، فكان أقل هدوءا؛ بالكاد استطاع التركيز في عمله بينما كانت مسيّرة «تُفرقع» فوقه. قال: «أظل أفكر بزوجتي وابني في البيت».
وأضاف: «إنه واحد من أسوأ الأحاسيس. أن تعرف أن أحدا يراقبك في بلدك، في بيتك ـ في أماكن يُفترض أن تشعر فيها بالأمان». غير أن آخرين وجدوا طرقا للرد.
في استوديو التسجيل الخاص به على أطراف بيروت، كان محمد شقير، منسّق موسيقى لبناني (D.J.) ومؤسس واحد من أشهر النوادي الليلية «البديلة/التحتية» في المدينة، منحنيا فوق أجهزة السنثسايزر وشاشات الكمبيوتر بينما كانت مسيّرة تدور في الخارج.
خلال ذروة الحرب، ثبّت ميكروفونين من نوع «شوتغَن» على سطح مبنى شقته، وسجّل أكثر من 200 ساعة من طنين المسيّرة الرتيب.
كانت الخطة بسيطة: أن يحوّل ذلك الطنين إلى آلة موسيقية قائمة بذاتها ـ فعل تحد خافت و«إشارة إصبع وسطى صغيرة» للجيش الإسرائيلي، كما قال. ابتكر ما يسميه «الآلة الجوية غير المأهولة' (Unmanned Aerial Instrument)، في تلاعب لفظي بعبارة «المركبة الجوية غير المأهولة' (Unmanned Aerial Vehicle)، وهو المصطلح التقني للطائرة المسيّرة. وتتيح هذه الأداة للمنتجين أخذ عينات من تسجيلات المسيّرات وتحويلها إلى موسيقى'.
«يُشعرني ذلك بالتهدئة أن أحسّ كأنني أتحكّم بالصوت الذي يزعجني كل يوم»، قال شقير. وأضاف مبتسما: «إذا كنتَ تقصد أن تُخيفني، فسأريك غير ذلك».
لكن ليس بمقدور الجميع أن يردّ.
في الجهة الأخرى من المدينة، تصطفّ رسوماتٌ بالأقلام الشمعية على جدران غرفة الانتظار في عيادة نورا سهيلي المجتمعية، حيث تقدّم العلاج لبعض من أكثر شبّان المدينة هشاشة. قالت إن المسيّرة تجد طريقها لتتسلّل إلى كل جزء من يوم الطفل: المشي إلى المدرسة، اللعب في الشارع مع الأصدقاء، ومحاولة التركيز على الواجبات المنزلية.
وأحيانا تُقاطع حتى جلساتها العلاجية، حين يندفع الأطفال فجأة نحو النافذة ليلمحوا ما يحلّق فوقهم.
وقالت: «هل هذا طبيعي أثناء جلسة علاج؟ إنهم يعرفون ما هو هذا الصوت. لا يمكنك أن تكذب عليهم».
وأضافت أن العبارة المتكررة بأن اللبنانيين «شعب صامد» لا تمضي بعيدا. وقالت: «يقولون إننا شعب صامد، لكن هل نحن كذلك؟ هل نحن كذلك إذا كان جسدُنا دائما في حالة إنذار مستمر؟'.
•خدمة نيويورك تايمز