أعمدة

المال بعيون مختلفة

قضيت سنوات أعمل في مجال الثقافة المالية، أقدّم برامج وخططًا وأدوات تساعد الأسر على تنظيم علاقتها بالمال. لكن خلال دراستي الحالية في العلاج المالي، توقفت أمام سؤال لم أطرحه من قبل: من الذي لا نراه في هذه الخطط؟ 

إذ إنني اكتشفت أن هناك فئة من المجتمع غالبًا ما يتم تجاوزها في برامج الثقافة المالية، ليس بقصد الإهمال، بل بحسن نية الحماية وهم الأفراد ذوو التنوع العصبي، فقد مرّت عليّ أكثر من أم ذكرت ابنها الذي يعاني من نوع من التنوع العصبي، وغالبًا ما كان الحديث مشوبًا بالقلق: هو الوحيد الذي أخاف عليه. ولكن برغم هذا الخوف يتم استبعاده من النقاشات المالية العائلية على افتراض أنه لن يستوعب الموضوع. 

لكن الحقيقة التي اكتشفتها مختلفة تمامًا. فالأفراد ذوو التنوع العصبي لا يفتقرون إلى القدرة على فهم المال، بل يملكون طرقًا مختلفة في التعامل معه، طرقًا قد تكون أكثر عمقًا أو ابتكارًا مما نتصور. فبعض الأفراد الذين لديهم اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه على سبيل المثال يتمتعون بطاقة عالية ومرونة فكرية تجعلهم قادرين على ابتكار طرق غير تقليدية لكسب المال. إبداعهم هذا قد يقودهم إلى فرص لا يراها الآخرون. 

وفي المقابل، قد يواجهون تحديات في تنظيم الإنفاق أو الالتزام بروتين مالي ثابت، ما يستدعي دعمًا منظمًا لا إقصاءً. أما الأفراد على طيف التوحد، فكثيرًا ما يتميزون بقدرة لافتة على التركيز والدقة. قد يظهر ذلك في حرصهم على الادخار، أو في تحليل قراراتهم الشرائية بعناية، أو في قدرتهم على بناء خطط طويلة الأمد بثبات وصبر. ورغم ذلك، قد يواجه بعضهم صعوبات في الجوانب الاجتماعية المرتبطة بالمال، مثل التفاوض أو وضع الحدود. 

المفارقة أن التحدي ليس في قدراتهم بل في تصميم البرامج التي لا تراعي اختلافاتهم، فعندما نتيح أدوات مناسبة كالمخططات البصرية، والتنبيهات التلقائية، وتقسيم المهام إلى خطوات صغيرة، نكتشف أنهم لا يكتفون بإدارة المال بكفاءة، بل يوظفون نقاط قوتهم الفريدة لتحقيق نتائج مميزة. 

فإذا أردنا لبرامج الثقافة المالية أن تكون شاملة حقًا، فعلينا أن نتوقف عن افتراض من «يستوعب» ومن «لا يستوعب». وأن نشرك هذه الفئة في النقاشات العائلية، ونبني خططًا مالية تراعي اختلافاتهم، لا تتجاهلهم. وكما أكرر دائما المال ليس مجرد أرقام، إنه مساحة للتعلّم، والاستقلال، والانتماء. 

وعندما نُشرك الجميع في هذه المساحة، نبني أسرًا أكثر وعيًا، ومجتمعات أكثر عدلًا. وختاما فإن التنوع العصبي لا يعني عجزًا ماليًا، بل يعني ببساطة احتياجًا لعدسة أوسع. 

حمدة الشامسية كاتبة عمانية في القضايا الاجتماعية