ثقافة

هاروكي موراكامي: لست فنانا، ولا عبقريا، ولا اجتماعيا

 

ألكسندرا أولتر

ترجمة: أحمد شافعي

عندما يجلس هاروكي موراكامي للكتابة فإنه لا يعرف مطلقا ما الذي سوف يحدث.
يبدو هذا اعترافا مدهشا من روائي مخضرم، بل أيقونة في الأدب العالمي، له أكثر من أربعين كتابا بيعت منها ملايين النسخ في عشرات اللغات. لكن بعد قرابة نصف قرن من بداية مسيرته، تبقى العملية الإبداعية عنده لغزا، حتى عليه هو نفسه.
فقد قال لي في حوار في نيويورك في ديسمبر الماضي 'لا تكون لدي خطط، إنما أكتب وحسب، وفيما أكتب، إذا بأشياء غريبة تقع على نحو طبيعي، وبتلقائية تامة'.
'كل مرة أكتب فيها الرواية، أدخل عالما آخر، قد تسمينه اللاوعي، في ذلك العالم يمكن أن يحدث أي شيء. أرى أشياء كثيرة للغاية هناك، ثم أرجع إلى هذا العالم الحقيقي وأدوِّنه'.
لا يعد موراكامي نفسه صاحب أسلوب نثري بارعا أو حكّاء عبقريا. وبحسب روايته، فإن مهارته الوحيدة الفريدة هي قدرته على السفر بين العوالم والعودة بالأخبار.
قال 'لا أعتقد أنني فنان بالضبط. أعتقد أنني شخص عادي. لست عبقريا ولست على قدر كبير من الذكاء. لكنني قادر على أمر، فبوسعي الهبوط إلى ذلك العالم'.
التقيت وموراكامي في ردهة كبيرة تحت الأرض بفندق في وسط منهاتن، بدت الردهة ملائمة على نحو غريب، نظرا لشبهها بالكهوف والأنفاق، وهذه أجواء متواترة في أعماله. في العاشرة صباحا، كان المكان خاويا بشكل غريب. وثمة أشكال هندسية من الضوء تتحرك على الجدار.
كان موراكامي يرتدي ثيابا رياضية، سترة ذات قلنسوة وحذاء خفيفا، وبدا على راحته في شبه العتمة. جلس في شبه سكون تام، رافعا عينيه بين الحين والآخر كأنما ليلتقط فكرة تحوم، وتكلم الإنجليزية ببطء وتروٍّ مجيبا الأسئلة غالبا بالإنجليزية.
لا يستمتع موراكامي بالفعاليات العلنية، ولا يبدو أنه يستطيب الحديث عن نفسه أو عن معنى عمل له. يجتنب الظهور في التليفزيون، برغم ظهوره في بعض التسجيلات عن غير تعمد. لكنه في ديسمبر ألقى على كره خطبتين في نيويورك أمام جمهور غفير من الواقعين في أسره.
قال 'لست بارعا في الاختلاط بالناس ولا يروق لي حضور الحفلات وإلقاء الخطب، لكن في بعض الأحيان أضطر إلى ذلك. وفي بقية العام ألزم البيت، ولا أزيد عن العمل. أنا أقرب إلى مدمن على العمل'.
خلال فعالية في قاعة تاون في الحادي عشر من ديسمبر، تحدث موراكامي إلى حشد كبير عن عولمة الأدب والثقافة اليابانيين، أي ذلك التحول الذي أسهم هو في تحقيقه. وفي مطلع الأسبوع الحالي، أدلى بتصريحات مقتضبة وهو يتلقى جائزة عن مجمل أعماله من (مركز الرواية) قدمتها له الموسيقية والكاتبة باتي سميث (وتم توجيه ضيوف الحفل إلى عدم التقاط الصور والفيديوهات لموراكامي).
وجه موراكامي الشكر للسيدة التي يربطه الزواج بها منذ أكثر من خمسين سنة وقال إنها أول قارئة له وإنها غالبا أقسى محرريه. وحكى كيف ومتى أقام حفل التوقيع الأول في الولايات المتحدة قبل عقود فلم يحضره إلا حفنة من الناس.
قال للجمهور 'أتذكر جلوسي والقلم في يدي ولا أجد ما أفعله. كانت أطول الساعات في حياتي'.
ذلك الاستقبال الفاتر غير وارد اليوم. فموراكامي هو الكاتب النادر صاحب السمعة الأدبية الهائلة والشعبية الجارفة في الآن نفسه لدى القراء في مختلف أرجاء العالم. رواياته الجديدة تحظى بالاحتفاء وتقام لها حفلات إصدار في منتصف الليل حيث يتجمع المعجبون عند متاجر الكتب لشراء نسخة في الدقيقة الأولى من طرحها للبيع. ويعد المعجبون به قوائم استماع بالأغنيات التي يشير إليها وتُنشر كتب طبخ للأطعمة التي ترد في رواياته. بل إن على موقع إكس سجلا مخصصا بالكامل للحظات الاسباجيتي الواردة في أعماله.
فاز موراكامي بعدد من الجوائز الأدبية العالمية المرموقة، فمنها جائزة فرانز كافكا وجائزة القدس ويعد مرشحا دائما لجائزة نوبل. حكت أماندا آيربان ـ وكيلة موراكامي الأدبية ـ عن سيل المكالمات الذي تتلقاه في أكتوبر من كل عام مع اقتراب موعد إعلان الفائز بنوبل: 'إنها تثير ضحكنا لا أكثر'.
قالت آيربان 'من اللطيف دائما أن تذهب نوبل إلى شخص يمكن أن يستغل القوة الكامنة في نوبل. لكنني أعتقد أن هذه القوة لدى هاروكي بالفعل، فأعماله قادرة على الوصول إلى القراء عبر جميع الحدود، وعبر جميع اللغات، وعبر جميع الثقافات، على نحو لم أر كاتبا آخر يصل إليه'.
في الولايات المتحدة التي باعت كتبه فيها أكثر من ستة ملايين نسخة، ثمة سلسلة من الإصدارات المنتظرة لموراكامي. ففي خريف العام الحالي يصدر عن دار كنوبف 'التخلي عن قطة' وهو عمل قصير آسر عن علاقة موراكامي بأبيه. وفي العام التالي، تخطط الدار لإصدار كتاب حول مجموعته من الموسيقى الكلاسيكية. ويقوم الناشر أيضا بإعادة إصدار أعماله القديمة التي لا يزال الطلب عليها عاليا بأغلفة جديدة.
في السابعة والسبعين من العمر، لا يزال موراكامي غزير الإنتاج على نحو لافت. فقد أنهى أخيرا رواية جديدة ستصدر في اليابان في الصيف وتجري حاليا ترجمتها إلى الإنجليزية.
كتب موراكامي أغلب الرواية في العام الماضي بعد تعافيه من مرض خطير لم يرد أن يسهب في الحديث عنه، لكنه اقتضى علاجه في المستشفى لشهر وتسبب له في فقدان قرابة أربعين رطلا من وزنه. كان المرض تجربة مشتتة لموراكامي الذي اعتاد أن يجري لساعة كل يوم فوجد نفسه يكافح من أجل المشي. ولما اشتد عليه المرض، فقد الرغبة في الكتابة. وما أن تعافى حتى تنفس الصعداء إذ اكتشف أنه لم يفقد تلك الرغبة.
قال عن كتابة روايته الجديدة إن 'الأمر كان أشبه ببعث. بعث لي أنا'.
بدت القصة التي خطرت له مختلفة عن أعماله السابقة، فهي أشد تفاؤلا حسبما قال. وهي أيضا أرض جديدة بالنسبة له، إذ هي الرواية الأولى المروية بالدرجة الأساسية من وجهة نظر امرأة. وطالما تعرض موراكامي لانتقاد البعض ممن يرون شخصياته النسائية ذات بعد واحد وهامشية مع تركيز كبير على الجنس. قال موراكامي إنه وجد الكتابة من وجهة نظر امرأة شابة أمرا مختلفا لكنه بدا طبيعيا على نحو غريب.
قال 'لقد صرت إياها'.
رفض موراكامي الإفصاح عن كثير من الحبكة، لكنه قال إن الشابة التي تحتل مركز القصة، وتدعى كاهو، فنانة ورسامة كتب أطفال، ثم تحدث انعطافة غريبة في حياتها.
قال 'إنها فتاة عادية تماما، غير فائقة الجمال، غير فائقة الذكاء. لكن أشياء غريبة للغاية تحدث لها، ومن حولها'.
ولما سئل عن أنواع هذه الأشياء الغريبة ابتسم.
قال 'هذا سر'.
غالبا ما تبدأ القصة عند موراكامي بمشهد عادي، كأن تكون امرأة عالقة في المرور في أول رواية (1Q84) أو يكون الراوي في المطبخ يعد الاسباجيتي في مطلع 'يوميات طائر الزنبرك'، ثم تنتقل الأمور إلى واقع حلمي مواز.
ومع ذلك، فحتى أغرب الحبكات عند موراكامي لا تبدو شبيه بالفنتازيا. فغاية ما يقال فيها هو أنها فوق واقعية، ضاربة بجذورها في التفاصيل الدقيقة من الحياة اليومية التي تبدو مألوفة وعادية لكنها تصبح غريبة.
قالت ليكسي بلوم محررته في دار كنوبف إنه 'يبدأ في عالمنا ثم يأخذنا إلى عالمه. لا يكاد المرء يلاحظ الانتقال، فكل ما يحدث هو أننا ننغمس هناك'.
لم يشعر موراكامي أن قدره هو أن يكون كاتبا. نشأ في ضواحي كوبي وأوساكا، ابنا وحيدا لأبوين يعملان في التدريس، وأراد أن يكون موسيقيا لكنه لم يستطع أن يحمل نفسه على التدريب. كان طالبا عاديا، غير مبال، وبخاصة في ما يتعلق بالأدب الياباني.
'الصراحة، لم أقرأ أي أدب ياباني حينما كنت في العقد الثاني من عمري لأن أبوي كانا يدرّسان الأدب الياباني، فكنت أكرهه'. ولكنه قرأ أعمالا لكتاب أمريكيين من أمثال همنجواي وكابوتي وفيتزجيرالد، وكلاسيكيات روسية من قبيل (الجريمة والعقاب) و(الإخوة كرامازوف) لدوستويفسكي.
يرجع موراكامي إلى حبه للموسيقى ـ وهو ذو ذائقة انتقائية ويملك مجموعة كبيرة من أسطوانات الفينيل ـ صوغ كتابته أكثر مما يرجعه إلى كتب قرأها: 'لقد تعلمت أشياء كثيرة للغاية من الموسيقى الجيدة: الإيقاع الثابت، والنغمة الجميلة، والتناغم، وتعلمت الارتجال الحر من موسيقى الجاز'.
حينما كان في العشرينيات من العمر، أقام ناديا لموسيقى الجاز باسم (القط بيتر) في غربي طوكيو، وظل يدير النادي لسنين عديدة ثم قرر أن يكتب رواية بناء على نزوة خطرت له في أحد الأيام وهو يحضر مباراة في كرة القاعدة. وحينما جلس، وجد نفسه يكافح من أجل الكتابة، فجرب أن يكتب بالإنجليزية أولا، ثم يترجم ما يكتب إلى اليابانية. وإذا بالكتابة بالإنجليزية توقف أفكاره عن دوامة الحركة وتساعده على امتلاك أسلوبه البسيط الواضح.
تقدم موراكامي بالنسخة المكتوبة على الآلة الكاتبة من رواية 'اسمعوا غناء الريح' إلى جائزة أدبية مخصصة للكتَّاب الجدد، وفاز، ونشرت الرواية في عام 1979 وكان آنذاك في الثلاثين من عمره.
وعلى مدار عمره في الكتابة تقريبا، كان موراكامي يترجم من الإنجليزية إلى اليابانية، فترجم أعمالا لعمالقة القرن العشرين من أمثال ريموند تشاندلر وجيه دي سالنغر وريموند كارفر وانتهى في الآونة الأخيرة من ترجمة مجموعة 'زنا وخيارات أخرى' لأندريه دوبوس، ويخطط في الفترة القادمة للتركيز على أعمال داشيل هاميت حسبما قال. وهو غالبا ما يلجأ إلى الترجمة حينما يضجر من الكتابة، وقال إنها تجعل عقله متيقظا وتعرّضه لأساليب مختلفة.
قال 'أستعمل فيها جزءا مختلفا من عقلي. ويمكن أن يتعلم المرء الكثير من عمل الترجمة، يمكن أن يضع نفسه مكان الآخرين'.
تنامت شهرة موراكامي العالمية بسرعة في مطلع الثمانينيات، وذلك بعد صدور الترجمة الإنلجيزية لـ'مطاردة الخروف البري' وهي رواية سريالية عن موظف إعلانات في طوكيو يبحث عن خروف أسطوري، وقد حظيت الرواية بإشادة كبيرة في الولايات المتحدة.
ولكن موراكامي عومل في وطنه معاملة المنبوذ أدبيا في أول عهده، برغم إقبال القراء على كتبه. فقد انتقد فيه الكتاب فرط التأثر بالأدب الغربي، ورفضوا حبكاته الفنتازية وأسلوبه النثري البسيط الذي رأوه صبيانيا. أوجعته تلك الانتقادات، فسافر خارج اليابان لسنوات عديدة، عاش خلالها في أوروبا والولايات المتحدة ليكتب ما يريد بعيدا عن النقد.
'كنت أقرب إلى المنبوذ. كان لديهم تصور بأن للأدب طريقا أساسيا وأنني لست على ذلك الطريق، ورأوا أنني أقرب إلى عرض جانبي. فلم أشعر بالارتياح في المشهد الأدبي الياباني. في الماضي، كان ثمة شعور بأن النقاد لا يمكن أن يقولوا شيئا إيجابيا عني'.
تغير هذا مع تنامي مكانته العالمية، وتزايد جمهور الأدب الياباني. إذ مهد نجاح موراكامي الطريق لكتاب يابانيين شباب أكثر تجريبا فحظوا بثناء دولي ومنهم يوكو تاوادا وميك كاواكامي. وفي رسالة إلكترونية، أبدت كاواكامي العجب من قدرة موراكامي 'على إثارة حواس القارئ، من خلال استعارات في الغالب تتيح الوصول إلى ما يبدو أنه غير مشهود من قبل'.
بدأت تاوادا قراءة موراكامي وهي في المدرسة الثانوية وشعرت أنها تصادف 'أدبا جديدا بالكلية' كما قالت في رسالة إلكترونية. بالنسبة لتاوادا تبدو قراءة موراكامي 'وكأنها بالضبط ريح تهب من أراض أجنبية بعيدة'.
في أيامنا هذه لم يعد موراكامي يبدو بالدخيل على الأدب في وطنه. قال 'لقد كبرت، والناس يحترمون كبار السن'.
في السنوات الأخيرة، نحت كتابة موراكامي منحى أكثر فلسفية وتأملية، وهو تحول ظهر في 'المدينة وجدرانها المريبة' التي تصارع الحنين إلى الشباب الضائع وحتمية الموت.
قال فيليب جابرييل، وهو من قدامى مترجمي موراكامي 'أرى عمقا وثقلا لم نشهده من قبل، شيئا أكثر جوهرية، وهو ذو تأثير كبير في نهاية المطاف'.
أخيرا، انغمس موراكامي عن طيب خاطر في روتينه المعهود، فهو يستيقظ مبكرا للكتابة، والقيام بمهام من قبيل غسل الصحون والكي والجري.
يقول 'لا أعرف كم من الروايات يمكنني أن أكتب. أشعر أنني قادر على المزيد، لأن كتابة الروايات رائعة، كأنها استكشاف للنفس. حتى حينما أشيخ، يبقى مجال للاستكشاف'.