أفكار وآراء

مستقبل الهيمنة الأمريكية

في عام 1878 نشر الكاتب الصيني تشانغ تشانغجيا كتاب «حديث الأفيون»، وهو مذكرات عن الإدمان التقطت ما أحدثه ذلك الإدمان من ارتدادات اجتماعية بعد إدخال الصين قسرًا إلى تجارة الأفيون العالمية. وحتى القرن التاسع عشر لم تكن للصين خبرة مباشرة تُذكر بهذه المادة، لكن ذلك تغيّر حين بدأ التجار البريطانيون بتهريبها إلى البلاد، وتغيّر أكثر بعد أن أجبرت حروب الأفيون في منتصف القرن إمبراطورية تشينغ على تقنين التجارة. وبحلول وقت صدور كتاب تشانغ كان نحو 40 مليون صيني أي قرابة 10% من السكان يدخنون الأفيون. 

تاريخيًا، كثيرًا ما تنفجر أوبئة إدمان الأفيون في لحظات الانحدار الإمبراطوري، وكما يكتب الروائي الهندي أميتاف غوش في كتابه الصادر عام 2024 «الدخان والرماد»، فقد كشف الأفيون لتشانغ ما «عجز غير المدخنين عن تقديره على نحو كافٍ: أن عصرًا قد انقضى، وأن التاريخ دخل طورًا جديدًا لم تعد فيه تعاليم العرّافين والحكماء الصينيين القدامى ذات صلة». 

إن أوجه الشبه بين أزمة الأفيون في الصين خلال القرن التاسع عشر وبين وباء المواد الأفيونية في الولايات المتحدة لافتة، فمنذ 1999 حتى 2023 توفي نحو 800 ألف أمريكي جرّاء جرعات زائدة من المواد الأفيونية، منهم 160 ألفًا في عامي 2022-2023 وحدهما. واليوم يصرّح ما يقارب 11% من سكان الولايات المتحدة باستخدام مواد أفيونية من دون وصفة طبية. وفي الحالتين سرّع الإدمان بمساندة الفساد الحكومي وجشع الشركات مسار التفكك الاجتماعي. وقد عزَا تشانغ صعود الأفيون إلى إفراطٍ صيني في عبادة «إله المال». أما في الولايات المتحدة فقد ترسّخت أزمة المواد الأفيونية في تسعينيات القرن الماضي، بعد نهاية الحرب الباردة واحتضانٍ منتشٍ لانتصار رأسمالية السوق الحر. 

ومع أن الأدبيات الواسعة في العلوم الاجتماعية حول أسباب انتخاب الأمريكيين لدونالد ترامب في 2016 ثم مجددًا في 2024 تميل إلى التركيز على العنصرية أو القلق الاقتصادي أو مزيج منهما، فإن المواد الأفيونية لا تحظى إلا بقليلٍ مفاجئ من الاهتمام. وما يوجد من أبحاث يشير إلى ارتباطاتٍ إحصائية بين معدلات الإدمان على المواد الأفيونية وبين دعمٍ أقوى لترامب في مناطق محلية بعينها. 

وكما استشرف تشانغ، يمكن أن يكون الإدمان نذيرًا لتحول تاريخي. فهو، على شاكلة «بومة مينرفا» عند هيغل، لا يحلّق إلا عند الغسق الإمبراطوري، مُعلنًا فجر عصر جديد. وقد صدق ذلك على الصين في أواخر عهد تشينغ، وقد يصدق على الولايات المتحدة اليوم. 

ومع ذلك، فمن المبكر إعلان نهاية الهيمنة الأمريكية؛ فصعود القوى الكبرى وأفولها يميلان إلى الامتداد على مسافات زمنية طويلة. وقد أظهرت دراسات حديثة أن إمبراطورية تشينغ في القرن التاسع عشر كانت أشدّ صلابة مما افترض سابقًا، وهو ما أتاح لها البقاء حتى بدايات القرن العشرين. 

ومع هذا، تشير أزمة المواد الأفيونية في الولايات المتحدة إلى اعتلال اجتماعي عميق وإلى اختلال سياسي. وعلى أقل تقدير، تمرّ الولايات المتحدة بتحولٍ درامي ستتجاوز عواقبه حدودها بكثير. 

وقد لا يبدو ذلك واضحًا لكثيرين حتى الآن؛ فدعائم الهيمنة الأمريكية لا تزال، في معظمها، قائمة. فالولايات المتحدة تحتفظ بقوة عسكرية طاغية؛ والدولار ما يزال عملة الاحتياط الرئيسية في العالم؛ وكثير من أقوى الشركات وأكثرها تقدمًا تكنولوجيًا شركات أمريكية؛ كما تواصل أسواق السندات والأسهم الأمريكية جذب رأس المال الدولي، وقد تجاوز مؤشر داو جونز الصناعي مؤخرًا مستوى 50 ألف نقطة للمرة الأولى. أما الثقافة الأمريكية فلا تزال تشكّل أذواق العالم. 

وهكذا نجد أنفسنا في لحظة انتقالية يصعب فيها معرفة ما إذا كانت الاستمرارية أم التغيير هي التي ستغلب. وقد جادل منظّرو «النظم العالمية» منذ زمن طويل بأن التحولات في الهيمنة تتسم بـ«لايقين فوضوي»، وهي أطروحة تبدو مؤكَّدة على نحوٍ ما بفعل أسلوب ترامب المتقلب في الحكم. 

في وقت كتابة هذه السطور، يستحيل الجزم بثقة بما ستبدو عليه السياسة الأمريكية حتى على المدى القريب. وبينما تختلف التشخيصات، ثمة شبه إجماع واسع بين النخب السياسية عبر الطيف الأيديولوجي على أن الولايات المتحدة تمرّ بأزمة عميقة تتطلب تدخّلًا حكوميًا. لكن حتى الآن، غلبت استمرارياتٌ مهمة، رغم الاعتداءات اليومية الترامبية على المؤسسات الديمقراطية في البلاد. وهذه المناعة تكشف شيئًا مقلقًا في عمق الرأسمالية الأمريكية وفي النظام العالمي الذي شُيّد حولها. 

وتوحي أزمة المواد الأفيونية بعلّةٍ من علل القرن الحادي والعشرين بتاريخٍ قريب لا بد من مواجهته إذا كان التحوّل الجاري سيقود إلى عالمٍ أفضل، لا إلى ما هو أسوأ. 

من الصدمة إلى ترامب 

لفهم هذا المنعطف، لا بد من إدراك تطورين تاريخيين كبيرين. الأول: خلال العقدين الماضيين، أدّى التراجع الديمقراطي إلى عكس موجة الدمقرطة التي شهدها أواخر القرن العشرين، مُدخلًا العالم – بحسب وصف عالم السياسة الأمريكي لاري دايموند في «ركود ديمقراطي». والثاني: الأزمة المالية العالمية بين 2007 و2009 وما تلاها من ارتدادات.

قبيل انتخابات الرئاسة لعام 2024، خشي معلّقون ليبراليون سيناريو يفوز فيه مرشّح الحزب الديمقراطي – أولًا الرئيس جو بايدن ثم نائبة الرئيس كامالا هاريس – بالتصويت الشعبي، لكنه يخسر الرئاسة عبر المجمع الانتخابي. وبما أن اختيار الرئيس يجري عبر أغلبيات انتخابية على مستوى الولايات، فإن مثل هذه النتيجة ستعتمد على فرزٍ محل نزاع في ولايةٍ متأرجحة يهيمن عليها الجمهوريون، ما يطلق طعونًا قانونية، وينتهي بإحالة الانتخابات إلى المحكمة العليا، وهناك، ستُعلن أغلبية محافظة في رأيٍ ضعيف التعليل ترامب فائزًا، بما يعني عمليًا إنهاء الديمقراطية الأمريكية. 

والمفارقة التي فاتت كثيرين أن كل ذلك حدث بالفعل. فقد بدأ التراجع الديمقراطي الأمريكي في أواخر عام 2000، قبل الاتجاه العالمي بخمس سنوات. ففي انتخابات ذلك العام، فاز نائب الرئيس آل غور بالأصوات الشعبية، لكن النزاع حول الفرز في فلوريدا وفضيحة «البطاقات المثقوبة المتدلية» انتهيا بقضية بوش ضد غور، أي قرار المحكمة العليا الذي منح الرئاسة لجورج دبليو بوش. 

الصدَمات التي لا تُعالَج تميل إلى أن تُعاد تمثيلها، وهذا يساعد على تفسير الألفة الغريبة التي تثيرها «الترامبية». فهي ليست شذوذًا عابرًا بقدر ما هي شكل من أشكال الاستمرارية التاريخية، تستدعي مخاوف متجذرة في أحداثٍ سابقة لم تُحسَم حساباتها بالكامل. 

ومن الاستجابات الشائعة للصدمة «الإزاحة» عبر ارتباطٍ إيجابي. فقد كشفت انتخابات 2000 هشاشة الديمقراطية الأمريكية، لكن بدل إصلاح نظام انتخابي معطوب، قبلت النخب السياسية بسرعة حكم المحكمة في بوش ضد غور. وبعد الهجمات الإرهابية الأكثر إيلامًا وبصمةً في الذاكرة يوم 11 سبتمبر 2001، غزت الولايات المتحدة أفغانستان ثم العراق بلدًا لا علاقة له بالهجمات بذريعة «نشر الديمقراطية». والحقيقة أن الديمقراطية الأمريكية كانت بحاجة إلى إصلاح في الداخل، لا إلى تصديرها بفوهة بندقية. 

وكان صعود ترامب اللاحق إلى السلطة نتيجة مباشرة للحربين الكارثيتين في أفغانستان والعراق. وتُظهر دراسات أيضًا ارتباطًا قويًا بين استخدام المواد الأفيونية وبين المقاطعات الأمريكية التي أرسلت، على نحو غير متناسب، جنودًا للقتال في أفغانستان والعراق. 

في عام 2003، كان سيناتور ولاية إلينوي المغمور آنذاك، باراك أوباما، من بين قلةٍ عارضت حرب العراق. وبعد عام، ألقى خطابًا لامعًا في المؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي قذفه إلى واجهة الشهرة الوطنية. 

مع أن أوباما وترامب يختلفان في كل شيء تقريبًا، فإن بينهما قاسمًا مشتركًا واحدًا: كلاهما انتُخب بفضل أصوات احتجاجية غير متوقعة. ومن الصعب، بأثرٍ رجعي، إدراك مدى الصدمة التي أحدثها انتصار أوباما في 2008 حقًا. فقد شكّل فوزه في الانتخابات التمهيدية على هيلاري كلينتون، التي كانت قد صوّتت لصالح حرب العراق، ثم فوزه في الانتخابات العامة على السيناتور الجمهوري جون ماكين (الذي صوّت هو الآخر للحرب)، بمثابة رفضٍ واضح للمؤسسة السياسية. 

خاض أوباما حملته على وعدٍ بالشفاء والمصالحة و«سياسة جديدة» تتجاوز الانقسام العرقي في البلاد. ولم يكن الاقتصاد في قلب حملته إلى أن كاد ينهار. ثم، قبل أقل من شهرين على الانتخابات، ترك إفلاس «ليمان براذرز» الرأسمالية الأمريكية ممددة على الأرض، بما استدعى تدخّلًا حكوميًا استثنائيًا. 

ومع سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس، امتلكت إدارة أوباما نافذة ضيقة لتحويل الاقتصاد الأمريكي. لكنها، بدل ذلك، رقّعت النظام المالي، وأعادت وصلاته بالاقتصاد العالمي، وأعادت الرأسمالية الأمريكية إلى العمل. 

حساب مؤجَّل 

في مذكراته الصادرة عام 2020 «أرض الميعاد»، يصف أوباما كيف اكتشف، بعد دخوله البيت الأبيض، أنه كان «إصلاحيًا». وعلى الرغم من كونه «محافظًا في طبعه»، وجد نفسه سريعًا في مواجهة معارضة عصيّة، غذّاها جزئيًا تحاملٌ عنصري ومخاوف مبالغ فيها من «راديكاليته». جرى إنقاذ البنوك، وأغرق الاحتياطي الفيدرالي النظام المالي بالسيولة، ودعمت حزمة التحفيز المالي في 2009 تعافيًا اقتصاديًا هشًا، عززته – بدورها – حزم تحفيز صينية أكثر طموحًا بكثير. 

وبصفته رئيسًا، وضع أوباما نفسه بين المصرفيين وما كان يصفه سرًا بـ«الشوك» الشعبوي. وفي الوقت نفسه، كان ترامب، في برنامجه الواقعي الشهير The Apprentice، يفعل الشيء الوحيد الذي لم يفعله أوباما كرئيس: كان يأتي إلى وول ستريت ويقول لمجموعة من نخب «آيفي ليغ» المتعلمة: «أنت مطرود».! 

لم تُفضِ الأزمة المالية العالمية في النهاية إلى قطيعة. لقد عادت الرأسمالية الأمريكية ببساطة إلى الشكل الذي اتخذته منذ 1980. وعلى امتداد ما أسميته «عصر الفوضى»، كانت فترات التوسع الاقتصادي تُقاد بفقاعات أصول ممولة بالديون: أسهم وسندات الشركات في الثمانينيات؛ أسهم الإنترنت في التسعينيات؛ العقارات في العقد الأول من الألفية؛ ثم الأسهم مجددًا في العقد الثاني. 

وبالتعريف، فإن ارتفاع أسعار الأصول يفيد مالكي الأصول على نحو غير متكافئ، فيفاقم اللامساواة فيما يظل دخل العمل راكدًا. وفي الوقت نفسه، تصبح الرفاهية متركزة جغرافيًا؛ فمنذ الثمانينيات، فاتت مكاسب النمو الاقتصادي أجزاءً واسعة من الولايات المتحدة – خصوصًا خارج المراكز الحضرية الكبرى. وتبع الإدمان الاضطراب الاقتصادي؛ فقد ضرب وباء المواد الأفيونية بقوة أكبر المناطق المتعثرة اقتصاديًا، ولا سيما تلك الأكثر تعرضًا لمنافسة التصنيع الصيني منخفض الأجور. وفي هذه الأجزاء من البلاد، تخمّر السخط حتى التقطه ترامب واستثمر غضبه وامتطاه إلى البيت الأبيض في 2016. 

لقد كانت حرب العراق و«الركود العظيم» الذي تلا 2008 يُقوِّضان تدريجيًا شرعية المؤسسة السياسية، وهي حقيقة لم تعترف بها النخب السياسية على نحو كافٍ حتى اليوم. وكان احتفاء الديمقراطيين باقتصاد حقبة أوباما أشبه بخداعٍ نخبوي سابق، مثل ادعاءات إدارة بوش بشأن أسلحة الدمار الشامل العراقية. وقد مهدت هذه الأنماط من سياسة «ما بعد الحقيقة» الطريق لتلفيقاتٍ أكثر بذخًا في حركة ترامب و«ماغا»، بما في ذلك نظرية المؤامرة القائلة إن أوباما لم يولد في الولايات المتحدة، والاعتقاد واسع الانتشار بين الجمهوريين بأنه مسلم سرًا. 

ومع كل ادعاءاته المناهضة للمؤسسة، لم يكن ترامب يومًا من النوع الذي يمكن أن يضع حدًا لـ«عصر الفوضى» في الرأسمالية الأمريكية. وعلى مستوى السياسات، لم تُنجز إدارته الأولى الكثير. فقد أعادت تخفيضاته الضريبية عام 2017 تدوير «كتاب اللعبة» الجمهوري في حقبة ريغان، بينما كان خطابه المناهض للعولمة بشأن التجارة والهجرة في معظمه ضجيجًا. 

غير أن سياسات ترامب المناهضة للصين كانت ذات أثر فعلي؛ إذ بدأ ديمقراطيون من تيار الوسط-اليسار، وقد زلزلهم انتخابه، يتحولون نحو موقفٍ أكثر تصادمية في التجارة والأمن. وفي نهاية المطاف، اصطف كثير من صقور الصين داخل الحزب خلف بايدن، نائب أوباما السابق. 

لماذا فشلت «بايدنوميكس» 

خلقت أزمة 2008 فرصة لم تُستثمر لتحويل الرأسمالية الأمريكية. وكذلك فعلت الأزمة الاقتصادية التي فجّرها تفشي جائحة كوفيد-19. وكان السؤال: هل سيغتنم صانعو السياسات اللحظة هذه المرة؟ 

عندما ضرب الوباء في مارس 2020، تنصّل ترامب من القيادة، تاركًا للبيروقراطية الفيدرالية وحكومات الولايات تقرير سياسات الإغلاق. وفي ذلك العام، وقّع أيضًا قانونًا يقرّ نحو 2.2 تريليون دولار كمساعدات اقتصادية، كان قرابة 30% منها على هيئة تحويلات نقدية مباشرة. وعلى نحو غير مألوف، لم يسعَ ترامب إلى نيل قدر كبير من الفضل عن «عملية وارب سبيد»، وهو إنجاز حكومي مذهل بالفعل أنتج لقاحًا فعّالًا في زمن قياسي، ويُقدَّر أنه أنقذ ما بين 750 ألفًا و2.5 مليون حياة أمريكية، إضافة إلى ملايين أخرى حول العالم. 

في المراحل المبكرة من الجائحة كانت حملة بايدن الرئاسية تتعثر، في حين كانت حملة السيناتور بيرني ساندرز الذي يصف نفسه بأنه اشتراكي ديمقراطي تكتسب زخمًا. وتدخل قادة الحزب، فتوحد جناح كلينتون أوباما داخل الحزب الديمقراطي حول بايدن. وبعد أن فاز بايدن في الانتخابات العامة بنحو سبعة ملايين صوت، ردّ ترامب بمحاولة قلب النتيجة، بما في ذلك تشجيع أنصاره على اقتحام مبنى الكابيتول الأمريكي في 6 يناير 2021. وعلى الرغم من هذا الاعتداء على الديمقراطية الأمريكية، بقيت قبضته على الحزب الجمهوري قوية. 

ما إن تسلمت إدارة بايدن السلطة حتى أعلنت أن الديمقراطيين استوعبوا دروس 2008، وأن العودة إلى التقشف لن تكون واردة. ففي 2020 ضخّ الاحتياطي الفيدرالي من الأموال في الاقتصاد مقدارًا جعل استجابته لما بعد 2008 تبدو وكأنها «بروفة» تمهيدية. أما بايدن فتعهد، من جهته، بفتح «صنبور» الإنفاق المالي على مصراعيه كذلك. 

سعت الإدارة إلى تمرير ثلاث مبادرات تشريعية كبرى: تمديد قصير الأجل لمساعدات الجائحة بقيمة 1.9 تريليون دولار؛ وحزمة بقيمة 2.3 تريليون دولار تركز على تحديث البنية الأساسية، ودعم الطاقة الخضراء، وتعزيز تصنيع أشباه الموصلات؛ ومشروع إنفاق اجتماعي بقيمة 1.8 تريليون دولار. وكانت الخطة أن يُموَّل تصاعد الإنفاق الاجتماعي عبر 3.8 تريليون دولار من الإيرادات الإضافية، في معظمها من خلال زيادات ضريبية على الشركات وذوي الدخول المرتفعة. 

وراء هذه الأجندة وقفت مجموعة من كبار المستشارين، بينهم مدير المجلس الاقتصادي الوطني براين ديس، ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان (المعاون السابق لهيلاري كلينتون)، وقد انتقدوا علنًا احتضان الحزب الديمقراطي السابق لليبرالية الجديدة. وبحسب رؤيتهم، فإن سياسات التجارة النيوليبرالية سمحت للصين بسرقة الملكية الفكرية، وفي الوقت نفسه بإغراق سوق المستهلك الأمريكي بسلع رخيصة. 

وقد أفرغ ذلك التصنيع المحلي من مضمونه، وعمّق اللامساواة، وقوّض الأمن القومي، وأشعل السخط الذي استثمره ترامب بمهارة. وفي المقابل، تركت سياسات رفع القيود التنظيمية أثرًا معاكسًا عبر تركيز القوة الاقتصادية، خصوصًا في قطاع التكنولوجيا، بما يستدعي إحياء تطبيق قوانين مكافحة الاحتكار. 

لكن ما حدث بعد ذلك سار وفق سيناريو مألوف. فقد عملت جماعات الضغط المؤسسية بصورة منهجية على إضعاف أجندة بايدن التشريعية. وتمكن الديمقراطيون من تمرير مساعدات الجائحة المؤقتة، لكن مشروع الإنفاق الاجتماعي انهار، كما جرى تقليص إصلاح الضرائب المقترح إلى حد فرض حد أدنى بنسبة 15% على ضريبة الشركات. وفي الأثناء، جرى توجيه نحو 500 مليار دولار على هيئة إعانات وحوافز ضريبية نحو تصنيع أشباه الموصلات والطاقة الخضراء، مع 500 مليار دولار أخرى لتحديثات البنية الأساسية. وقد جرى تبرير هذه الإجراءات كلها تقريبًا على أسس الأمن القومي، مع تصوير الصين بوصفها الخصم الأول للولايات المتحدة. وفي هذه النقطة، على الأقل، اتفق بايدن وترامب. 

ثم، في فبراير 2022، أطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غزوه الشامل لأوكرانيا. وخلال أشهر، تعهّد الكونجرس بتقديم 40 مليار دولار كمساعدات عسكرية. وسرعان ما تبعت ذلك مساعدات أخرى، بما في ذلك دعم حرب إسرائيل في غزة، وكالمعتاد استفاد المجمع العسكري-الصناعي الأمريكي. 

تزامن غزو روسيا لأوكرانيا مع قفزة في التضخم بلغت ذروتها عند 9.1% في منتصف 2022. وقد أدت قفزة أسعار المستهلكين إلى تقويض أجندة بايدن أكثر، رغم أن التضخم كان آنذاك ظاهرة عالمية، وأن السياسات الاقتصادية الأمريكية لم تكن السبب الأساسي له. وبما أن الخيارات كانت محدودة، أعادت الإدارة تأكيد التزامها باستقلالية البنك المركزي، ورد الاحتياطي الفيدرالي برفع حاد لأسعار الفائدة. وبعد استراحة قصيرة، عاد التقشف إلى الواجهة. 

في المحصلة، فشلت «بايدنوميكس» لأنها افتقرت إلى حركة اجتماعية جماهيرية تُبقيها حيّة، ولأن عناصرها الأكثر قابلية للبقاء سياسيًا كانت مربوطة بالأمن القومي أكثر مما كانت مرتبطة بتحول اجتماعي-اقتصادي، ونتيجة لذلك، فشل بايدن في استعادة ناخبي ترامب، بل خلق ناخبين جددًا له. 

لم تكن «قانون الرقائق والعلوم» ولا «قانون خفض التضخم» تفصيلًا هامشيًا. لكن السجل التاريخي للاعتماد على الحوافز الضريبية لدفع الاستثمار الخاص إلى صناعات أو جغرافيات بعينها كان ضعيفًا. والآن، كان يُفترض أن تُنجز هذه القوانين انتقالًا نحو الطاقة الخضراء. وفي المقابل، كانت حتى الإيماءات المتواضعة من بايدن باتجاه تفعيل قوانين مكافحة الاحتكار أو تشديد الرقابة المالية كافية لدفع شرائح من مجتمع الأعمال إلى الارتماء في أحضان ترامب وليذهب مصير الديمقراطية الليبرالية إلى الجحيم. 

وكما حدث في 2008، انتهت الاستجابة النقدية والمالية للأزمة التي أحدثتها الجائحة إلى تعزيز الاتجاهات الاقتصادية القائمة بدل كسرها. فقد قفزت أسعار الأصول مع تكاثر أدوات المضاربة الجديدة، من العملات المشفّرة إلى الرموز غير القابلة للاستبدال (NFTs). وارتفعت أسواق الأسهم بقوة، مدفوعة بتدفق مستثمرين أفراد، وتشير تقديرات إلى أن 10-15% من مدفوعات الإغاثة المرتبطة بالجائحة تدفقت إلى الأسهم الأمريكية، رافعة التقييمات بما يصل إلى 7%. 

وكان وصول «تشات جي بي تي» في 2022 علامة على نقطة انعطاف تكنولوجية أخرى. ومثل فورة الإنترنت في أواخر التسعينيات، ولّد الذكاء الاصطناعي موجة هائلة من التهويل، وإنفاقًا رأسماليًا ضخمًا، وتقييمات جامحة سبقت كثيرًا الطلب المُثبت أو الدليل الواضح على مكاسب إنتاجية. ومع ذلك، لم ينجح حتى الاستثمار الكثيف في بنية الذكاء الاصطناعي التحتية في عكس تراجع الاستثمار المنتج الذي استمر منذ الثمانينيات. 

ويبرز فشل «بايدنوميكس» أكثر حين نرى مدى سهولة تراجع ترامب عن سياساتها الجوهرية. فقد أُلغيت إعانات الطاقة الخضراء لصالح توسعٍ جديد في الوقود الأحفوري، فيما أُطلقت أسواق العملات المشفّرة من قيود النهج التنظيمي الحذر لإدارة بايدن. كما جرى تفكيك برامج حقبة الجائحة التي خفّضت فقر الأطفال بصورة ملموسة، وتعرّض الإنفاق الاجتماعي لتخفيضات قاسية ضمن «قانون ترامب: مشروعه الكبير الجميل الواحد». وها هي أجندة السياسات الأمريكية تعود، مرة أخرى، إلى الدوران حول تخفيضات ضريبية للأثرياء، ورفع أسعار الأصول، وازدراء المؤسسات الديمقراطية أي، ببساطة، المزيد من الشيء نفسه. 

القوة الأمريكية مستمرة.. في الوقت الراهن 

خلال العام الأول من الولاية الثانية لترامب، تصدّرت العناوين تقويضه للنظام الاقتصادي الدولي وحملته للترحيل الجماعي. أما المبادرات الداخلية المبكرة – مثل حملة إيلون ماسك التي استمرت أربعة أشهر لتفكيك البيروقراطية الفيدرالية عبر «وزارة كفاءة الحكومة» (DOGE) – فقد تلاشت سريعًا. وعلى النقيض، لا تُظهر حملة القمع العنيفة ضد الهجرة أي مؤشرات على التراجع؛ بل إنها تجاوزت المهاجرين غير النظاميين لتطول المقيمين بصورة قانونية، وحتى مواطنين أمريكيين مُجنَّسين. 

جرى تنفيذ جانب كبير من ذلك عبر أوامر تنفيذية بعناوين صاخبة من قبيل «حماية الشعب الأمريكي ضد الغزو»، بما يعكس تفضيل ترامب للعرض على الجوهر. 

ومع سيله المتواصل من إعلانات الرسوم الجمركية، وادعاءاته امتلاك صلاحيات رئاسية استثنائية لفرض سياسات مشكوك في قانونيتها ـ وغالبًا ما تكون غير قانونية بشكل صارخ ـ بات واضحًا أن لولاية ترامب الثانية أهدافًا مختلفة تمامًا عن ولايته الأولى. 

لكن ماذا يعني ذلك إذا نُظر إليه في سياق القوس الطويل للهيمنة الاقتصادية الأمريكية؟ إن أفضل نقطة مرجعية هي ثمانينيات القرن الماضي، التي مثّلت تحوّلًا جذريًا في علاقة الولايات المتحدة بالاقتصاد العالمي. 

في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، كانت الولايات المتحدة مثل معظم القوى المهيمنة قبلها مُصدّرًا صافيًا لرأس المال والسلع، ناشرةً الثقافة والقيم الأمريكية معهما؛ غير أنه بعد «صدمة أسعار الفائدة» التي هندسها رئيس الاحتياطي الفيدرالي بول فولكر بين 1979 و1982، دخل الاقتصاد الأمريكي طورًا جديدًا - يمكن تسميته «هيمنة 2.0» - ليصبح أول قوة مهيمنة تتحول إلى مستوردٍ صافٍ. 

تراجعت الصناعة التحويلية داخليًا، لكن الاستهلاك الشخصي قفز بصورة هائلة، مدفوعًا بتضخمٍ مستمر في الديون العامة والخاصة. 

من الصعب العثور على سوابق تاريخية واضحة لهذا النوع من الهيمنة الممولة بالديون. بلغت وول ستريت مستويات جديدة من السيادة العالمية، وبقي الدولار في موقع العرش، فيما رسّخت سندات الخزانة الأمريكية مكانتها بوصفها أصل الاحتياط الأول عالميًا، وتحول سوق المستهلك الأمريكي إلى الوجهة الأساسية للمصدرين حول العالم، ولا سيما الصين. 

إنها ترتيبات أثبتت قدرًا مدهشًا من المتانة. لم تُسقطها حرب بوش الكارثية في العراق؛ ولم تفعل ذلك الأزمة المالية لعام 2008؛ ولم يفعل ذلك انتخاب ترامب في 2016. وحتى ولايته الثانية، على ما أحدثته من اضطراب، لم تفعل ذلك حتى الآن. 

تفويض الهيمنة إلى الخارج 

يركّز النقد الترامبي للنظام الذي تكرّس بعد 1980 تركيزًا شبه كامل على التجارة. صحيح أن هوس ترامب بـ«الربح» أو «الخسارة» في الميزان التجاري الثنائي يعكس فهمًا هشًا للاقتصاد الكلي، لكنه ليس مخطئًا حين يصرّ على أن التجارة العالمية تُنتج رابحين وخاسرين. وكثير من «الخاسرين نسبيًا» خلال العقود الأخيرة يعيشون في الولايات المتحدة، وأصبحوا اليوم جزءًا صلبًا من قاعدته الانتخابية. 

لكن هل يستطيع نظام ترامب الفوضوي في الرسوم الجمركية إعادة تشكيل النظام الاقتصادي الدولي، وإلى أي غاية؟ بينما يرى كثير من المعلّقين أنه يهدم النظام الاقتصادي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، يمكن فهم نظامه الجمركي على نحوٍ أدق بوصفه محاولة لتسليح سوق المستهلك الأمريكي الذي تشكّل بعد 1980 لاستخراج تنازلات و«انتصارات» رمزية. وكما قال نِك جونسون من جامعة شيكاغو على نحو وجيه: «يمكن تفسير حرب ترامب التجارية على نحو أفضل لا بوصفها مسعى اقتصاديًا، بل حربًا ثقافية» تهدف إلى استعادة شعور مفقود بالفخر الوطني. 

ومع أن رسوم ترامب تخلّف آثارًا اقتصادية حقيقية، فإن المخاوف من أنها ستقود إلى انهيار اقتصادي كانت مبالغًا فيها دائمًا. والسؤال الأهم هو: هل سيحافظ سوق المستهلك الأمريكي على أولويته العالمية بعد حروب ترامب التجارية، أم ستتجه اقتصادات أخرى وخصوصًا الصين إلى تعزيز الاستهلاك المحلي بدرجة أكبر؟ 

في الواقع، يميل ترامب إلى التلاعب بالنظام القائم وربما تدميره في الداخل والخارج أكثر بكثير مما يميل إلى استبداله بنظام جديد. وهذه المهمة تقع على عاتق قوى غير أمريكية، وعلى إدارات أمريكية مقبلة. وهي تتطلب التعامل مع دور الولايات المتحدة في التمويل العالمي بقدر ما تتطلب التعامل مع التجارة. وحتى الآن، تركت إدارة ترامب الثانية، شأنها شأن إدارة بايدن قبلها، البنية المعمارية للمال العالمي دون مساس. 

المقلق أن هجوم ترامب المتواصل على المؤسسات السياسية الأمريكية بما في ذلك مساعيه لإخضاع الجيش لسلطته الشخصية لم يفعل الكثير لردع المستثمرين الأثرياء، الأمريكيين والأجانب، عن توجيه رؤوس أموالهم إلى الأسواق الأمريكية بدلًا من استثمارات منتجة في أماكن أخرى. 

ومن الصعب تخيّل نتيجة أكثر انحرافًا: حاجات العالم هائلة، ومع ذلك يشكو مديرو الثروات الخاصة من أن «رأس مال أكثر مما ينبغي» يطارد «صفقات أقل مما ينبغي». وهكذا يدعمون الاقتصاد الأمريكي، فيما يواصل ترامب هجومه على سيادة القانون. 

وهذا يفتح احتمال الدخول في طور جديد من الهيمنة الأمريكية لنسمه «هيمنة 3.0» تُغذيه المشاركة المستمرة لمستثمرين غير أمريكيين وحكومات أجنبية؛ فالقوى المهيمنة، بطبيعتها، اعتمدت دائمًا على الاستيعاب والاحتواء. لكن ما يظل غامضًا هو: ما الذي يجري احتواؤه بالضبط، ومن الذي يحتويه، وعلى أي شروط، فيما يواصل المال العالمي تمويل التفوق الأمريكي رغم نزوات ترامب الخطرة. 

ما الذي قد يلزم، إذن، لإطلاق تحول تاريخي حقيقي؟ انهيارٌ جديد في الأسواق أو ركود عالمي قد يضعف ترامب وحلفاءه غير اليبراليين، بما يفتح نافذة سياسية أمام حزب ديمقراطي أكثر مصداقية وطموحًا. كما أن طارئًا كوكبيًا ناجمًا عن المناخ قد يفرض قطيعة حاسمة مع النظام القائم. 

وعبر التاريخ الطويل للرأسمالية الأمريكية، وقعت التحولات الكبرى حين نجحت الحكومة الفيدرالية في التقدّم على رأس المال بدل أن تلهث خلفه. غير أن مصير الهيمنة الأمريكية قد يعتمد هذه المرة على قرارات تُتخذ في الخارج بقدر ما يعتمد على خيارات تُتخذ في الداخل. وفي الأثناء، تبدو أزمة المواد الأفيونية شأنها شأن وباء الأفيون في الصين إبان حكم تشينغ أقلّ كونها نذير تحول، وأكثر كونها عَرَضًا لأزمة أعمق لم تُحل بعد. 

 جوناثان ليفي، أستاذ التاريخ في «معهد العلوم السياسية»، وهو مؤلف كتاب Ages of American Capitalism: A History of the United States (راندوم هاوس، 2021) وكتاب The Real Economy: History and Theory (برينستون، 2025). 

 خدمة بروجيكت سنديكيت 

 تمت ترجمة المقال باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي