أفكار وآراء

كيف نقرأ الاستراتيجية الإيرانية في التفاوض؟

شدّني ما ذكره «هنري كيسنجر» في كتابه «النظام العالمي» « World Order» عن الفرس وبلاد فارس ـ وفق ترجمة وإشارة الأكاديمي السعودي عبدالله الأسمري في حسابه في منصة «أكس» ـ الذي قال فيه: «بنت بلاد فارس خبرتها في إدارة شتّى الأقاليم ومواجهة مختلف التحديات السياسية على منظومة دبلوماسية معقدة، ركائزها الصبر وطول النفس، والتحليل الفطن للوقائع الجيوسياسية، والتلاعب النفسي بالخصوم»؛ إذ وصف «كيسنجر» بوضوح المنهجية الفارسية في التعامل مع الخصوم، ومع التحديات الداخلية والخارجية. 

لعلّ ذلك يتّسق أيضا مع ما قرأته في كتاب «بريطانيا والخليج» لمؤلفه «جون ب كيلي» وترجمة محمد أمين عبدالله، وهو مجلد حافل بالمشاهدات التاريخية ومجرياتها المتعلقة بمنطقة الخليج العربي وبلاد فارس، ودولها، وحكّامها، وصراعاتها الداخلية والخارجية، ومن ضمن ما شدّ انتباهي أيضا طبيعة العلاقة التي جمعت بلاد فارس بالدول العربية من جانب وبريطانيا من جانب آخر، وكانت عُمان محورا رئيسا في كثير من تلك العلاقات؛ ففي أكثر من مشهد تاريخي، يتأكد أن عُمان تمتلك خاصية دبلوماسية راسخة منذ القدم، بدا ذلك جليا في عهد السيد سعيد بن سلطان ـ كما تشير الأحداث الموثّقة في كتاب «الخليج وبريطانيا» ـ الذي واجه في زمنه تحديات سياسية داخلية وخارجية عديدة رغم اتساع الإقليم والإمبراطورية التي كان يحكمها؛ حيث عاشت عُمان في تلك الحقبة حالة شدّ وجذب مع الأطراف الخارجية، وفي الوقت نفسه مارست دبلوماسية قوية وفاعلة جعلت منها دولة ذات تأثير إقليمي قوي برزت فيه الملامح الدبلوماسية والسياسية مع قوى كبيرة مثل الفارسية والعثمانية والبريطانية. 

إذا عدنا إلى بلاد فارس والحنكة السياسية التي تمتلكها، نجد أنها حنكة ضاربة في القدم؛ فما نشاهده اليوم من قدرات إيرانية على النفس الطويل، والمبادرة الدبلوماسية والسياسية الخارجية، ومحاولة تجنّب الانخراط في مستنقع الحروب، يعكس إدراكا عميقا بأن أيّ حرب -إن وقعت- لن تكون قصيرة ولن تكون بسيطة. 

لذلك تستثمر إيران جهودها السياسية بعناية. من اللافت أيضا القرار الإيراني الحازم بأن تكون المفاوضات في العاصمة العُمانية مسقط، وهذا ما يعيدنا إلى ما ذكرناه آنفا من أن بلاد فارس -تاريخيا- تدرك جيدا أن عُمان تملك مفاتيح وقدرات دبلوماسية مهمة، كما أنها تثق بها؛ إذ إن عُمان، إذا وعدت أو التزمت، تمضي في مسارها الدبلوماسي بثبات، ولا تخون عهدا ولا تتنكّر لالتزامات متفق عليها، وهذا ما أثبته التاريخ وتجاربه. 

لهذا نرى أن هذا التيار الدبلوماسي ما يزال مستمرا في هذه الأجواء الساخنة، لا سيما مع وتيرة الحديث المتصاعدة عن احتمال اندلاع حرب قادمة. 

ما نعرفه الآن عن السلوك الدبلوماسي والتفاوضي الإيراني إزاء الأزمة الحالية ـ التي توشك أن تتحول إلى معركة إقليمية واسعة ـ يؤكد إلى حدٍّ كبير مطابقة الأوصاف التي أوردها «هنري كيسنجر» عن بلاد فارس والفرس، وقدرتهم على التعامل مع المشكلات الخارجية وفق إستراتيجية يحبّذ بعضنا أن يُطلق عليها أحيانا «إستراتيجية الفستق»، والتي تقوم على النفس السياسي الطويل الممتص للصدمات والاستفزازات، ومواجهة الالتواءات الدبلوماسية، والتركيز على المسارات غير المباشرة التي تسعى إلى الوصول إلى مخارج أكثر انتصارا لهم. 

مثل هذا الصبر الإستراتيجي، وطول النفس في إدارة الأزمات، يحتاجان إلى دراسة معمّقة وفهم تحليلي دقيق يمكن أن نستخلص منه مفاهيم مفيدة في السياسية ومعاركها الدبلوماسية سواء الخشنة منها والناعمة، وبموازاة هذه الدبلوماسية النشطة، هناك أيضا استعراض واضح للقوة العسكرية الإيرانية والتفاعل التضامني من حلفائها الكبار «الصين وروسيا» ودعمهم العسكري لها، وتماسك ملحوظ في بنيتها الدفاعية، لا سيما في منظومتها الصاروخية «البالستية» التي تثير قلق الكيان الصهيوني الإسرائيلي. كذلك أن استمرار إعلانها عدم رغبتها في امتلاك سلاح نووي يضعها في مساحة زمنية أطول لإزاحة الحجج الأمريكية والإسرائيلية، ويفيدها لإعادة التموضع العسكري، ورفع الجاهزية، وتحقيق مكاسب دبلوماسية محتملة، مثلما حدث سابقا إبان فترة إدارة «أوباما»، وهذا سيناريو يظل واردا في المرحلة المقبلة. 

وفق تصوري، ووفق ما يمكن أن نرصده من مؤشرات، فإن احتمالات نشوب الحرب تظل واردة ولكن بنسب ضئيلة؛ إذ إنها -حال حدثت- من غير المرجّح أن تأتي وفق إرادة أمريكية صميمة ومباشرة؛ فبحسب ما يتسرّب من تصريحات بعض المسؤولين الأمريكيين، وتحديدا العسكريين منهم؛ فإن أي مواجهة عسكرية واسعة -إن وقعت- يمكن أن تقود إلى جحيم إقليمي يهدد مستقبل الهيمنة الأمريكية في المنطقة ويزعزع مصالحها، ويعرّض مصالح حلفائها لمخاطر جسيمة، ومن الناحية العملية، تبدو هذه الحرب غير مفضّلة أمريكيا نظرا لتعقيد كلفتها العسكرية والاقتصادية. 

يعود ذلك إلى أن إيران ما زالت تمتلك ورقة عسكرية وازنة إلى جانب نفوذها الإقليمي المؤثر خصوصا من قبل نفوذها البحري وهيمنتها نظرا إلى التهديدات الإيرانية بإغلاق أحد أهم الممرات البحرية العالمية «مضيق هرمز» وتطور الأمر إلى أزمة عالمية اقتصادية خانقة، وبوجود حلفائها في اليمن والعراق ولبنان الذي يمكن وصفهم بأنهم شبكة حلفاء ترتبط بإيران عبر العلاقات العميقة والمتينة التي يصعب التفريط بها أو تفكيكها بسهولة رغم ما أصابها من إنهاك وضعف. 

تتكرر الإشارة إلى هذه الأوراق الإيرانية الرابحة صراحة في الخطاب العسكري الإيراني؛ فتؤكد القيادة أن أيّ حرب -إن بدأت- فلن تكون قصيرة أو محدودة، وإنما قابلة إلى أن تتحول إلى مواجهة مفتوحة ذات كلفة عالية على الجميع. 

في المقابل، تدرك معظم دول المنطقة، وخصوصا تلك التي ترتبط بتحالفات واتفاقيات إستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية حجم هذه المخاطر، وتنقل بدورها رسائل تحذير وقلق مستمرة إلى واشنطن، وعليه، فإن اندلاع الحرب -من منظور عملي- يبدو مستبعدا، وإن ظل احتمالها قائما تحت ضغط اللوبي الصهيوني المتمثل في الكيان الإسرائيلي الذي لا يكتفي بالتنسيق السياسي عن بُعد، ولكنه يمارس ضغوطا مباشرة على إدارة «ترامب»، ساعيا إلى فرض أولوياته وشروطه، ومؤثرا في دوائر القرار رغبة في تحقيق مصالحه الأنانية الظالمة وتوسيع هيمنته في المنطقة بحرية أكبر. 

مع تعدد هذه الاحتمالات، ما زلت أميلُ إلى الثقة بأن الدبلوماسية الإيرانية بما تملكه من مهارات تفاوضية وصبر إستراتيجي، يمكن أن تقود إلى انفراجة، وإن لم تكن دائمة فمؤقتة أو ممتدة زمنيا بما يجنّب المنطقة حربا ضروسا. 

كذلك في هذا السياق وتعقيداته غير واضحة المعالم وخفاياها السياسية والعسكرية، يبرز الدور الدبلوماسي العُماني بثقله التاريخي والمعاصر؛ ليؤكد حضوره المعتاد الذي عُرف عالميا بنشاطه المتوازن، وقدرته التفاوضية، ومهارته في تقريب وجهات النظر وإحلال السلام، ومن هنا يبقى الأمل قائما في أن تمضي الأمور نحو مسار أقل ضررا وأكثر استقرارا تجنّب المنطقة شر الحروب ومصائبها.