احتفاء بالشخصيات العمانية المؤثرة عالميًا
السبت / 25 / شعبان / 1447 هـ - 22:16 - السبت 14 فبراير 2026 22:16
ترتكز المجتمعات على تراثها الثقافي باعتباره ذاكرة تقدِّم صورة متكاملة لحضارة الدول ومراحل تطورها الثقافي (الفكري، والمعماري، والتاريخي)، وغيرها من مجالات ذلك التطوُّر الذي يكشف الإنجازات، والعلوم، والآداب التي أسَّست تلك الحضارة من مكتبات ومحفوظات ووثائق حمتها المتاحف ودور العلم.
إن هذه الذاكرة لا تعبِّر عن إمكانات أفراد المجتمع في الماضي فقط؛ بل تقدِّم نفسها بوصفها شواهد للأجيال في الحاضر والمستقبل؛ لتحفيز إبداعهم وتعزيز دوافعهم لبناء الأوطان.
إن حفظ ذاكرة الشعوب وصون خصائصها المميَّزة يُسهم في ترسيخ مفاهيم التواصل الحضاري بين الأمم، وتنويع مصادر التنمية الإنسانية القائمة على صون التراث الثقافي وحماية مكتسباته، الأمر الذي سيعزِّز قدرات المجتمعات على إيجاد سبل التعاون والتشارك والحوار البنَّاء؛ فالتراث الثقافي بكل مجالاته المادية وغير المادية يمثِّل قوة ناعمة يُعتمد عليها لتأسيس تلك العلاقات من ناحية وفتح آفاق التعاون في كافة القطاعات من ناحية أخرى.
لقد حافظت المجتمعات على تراثها الذي يمثِّل ذاكرتها الإنسانية، ويصون مكتسباتها الفكرية والمعمارية والطبيعية؛ حيث قدَّمت في ذلك للعالم أمهات الكتب والمصادر؛ فحفظتها بالتحقيق والترميم وإعادة النشر، وحرُصت على تراثها المعماري من خلال عمليات الترميم والصيانة المستمرة، وغير ذلك من الإجراءات المتواصلة التي أتاحت صون هذا التراث وحفظه شاهدا على حضارتها عبر الأزمان المختلفة، وأمانة تقدمها لأجيال المستقبل.
من هذا المنطلق أسَّست منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في العام 1992م، برنامج ذاكرة العالم الذي يهدف إلى توثيق الذاكرة الجماعية للشعوب، وعمل على تخصيص سجل توثيقي كمشروع دولي يهدف إلى تيسير حفظ التراث الوثائقي العالمي عبر مجموعة من التقنيات، بحيث تكون هذه الذاكرة سهلة التداول ومنظمة وفق تشريعات واضحة، تضمن حقوق الملكية الفكرية، كما يعمل على تعزيز الوعي العالمي بأهمية التراث الثقافي الوثائقي وتشجيع حفظه وإنتاجه وصونه.
إن أهمية هذا السجل العالمي تكمن في اعتبار، أن التراث الوثائقي جزء (من تراث العالم شأنه شأن المواقع ذات القيمة العالمية الفائقة التي أُدرجت في قائمة اليونسكو للتراث العالمي) – حسب وثيقة البرنامج -، فقيمة المواد المدرجة في السجل تتجاوز حدود الأزمنة والأمكنة لتكون شواهد حضارية ونماذج عالمية قادرة على كشف مكامن التراث الثقافي وهُويات الشعوب من ناحية، وما بذلته من جهود في سبيل حمايتها وصون مكتسباتها من ناحية أخرى.
فسجل ذاكرة العالم يحمل على عاتقه الدفع إلى صون التراث الوثائقي بأنواعه ومجالاته المتعددة، وتنمية الوعي بتلك الأهمية التي يمثلها محتوى ذلك التراث والسعي إلى تداوله بطرائق تضمن حمايته وصونه، فتداول المحتوى الثقافي الوثائقي يحتاج إلى ضمانات تشريعية ومدونات آداب وأخلاقيات تحفظ قيمة ذلك المحتوى باعتباره سجلا حضاريا إنسانيا، يوثِّق ويسجِّل التراث الفكري المجتمعي والإنتاج الثقافي العالمي.
ولقد حرصت عُمان على المشاركة الفاعلة في تقديم ملفات مجموعة من المخطوطات والوثائق للإدراج في سجل ذاكرة العالم؛ حيث نجحت في إدراج مخطوطة معدن الأسرار في علم البحار للخضوري في العام 2017، ومخطوطة النونية الكبرى لأحمد بن ماجد في العام 2025، إضافة إلى تلك الشخصيات العمانية المؤثرة عالميا التي أُدرجت ضمن قائمة اليونسكو وهي قائمة تشمل مجموعة من الشخصيات العمانية التي حقَّقت إنجازات حضارية وفكرية وقدمت للبشرية علوما وآداب عدة.
تُعَّد عُمان من بين الدول التي تحظى بمشاركة فاعلة ومستمرة في تقديم ملفات الشخصيات العمانية؛ حيث بذلت المؤسسات المعنية جهودا كبيرة في سبيل ذلك، وقد بدأت بإدراج شخصية الخليل بن أحمد الفراهيدي في العام 2005، وتوالت تلك الشخصيات في السنوات التي تلتها حتى أُدرج الشاعر عبد الله بن علي الخليلي، واللغوي محمد الأزدي (المبرد) في العام 2025، لتصل الشخصيات التي أُدرجت تسع شخصيات ضمن برنامج اليونسكو لإحياء الذكري المئوية أو الخمسينية للأحداث التاريخية المهمة والشخصيات المؤثرة عالميا.
إن هذا الإدراج لا ينظر إليه اليوم باعتباره حدثًا عاديًا أو عابرًا، بل قيمة تاريخية وحضارية مهمة، تنطلق من جوهر الهُوية الوطنية إلى العالمية، وفق معطيات تقود الفكر العالمي المنفتح نحو الاستفادة من تاريخ الأمم وفكرها وتراثها الثقافي عموما، ليكون قيمة إنسانية معبِّرة عن ماضي الأمم وما قدمته للبشرية من علوم وما يمكن أن تقدمه من إضافة جوهرية على ما يُقدَّم في مجالات العلوم الحديثة؛ من خلال إعادة قراءة هذه الإنتاجات وتحليلها ومقاربتها وفق المنهجيات الحديثة.
ولأن الشخصيات العمانية المؤثرة عالميا لها تلك الأهمية وذلك الحضور الفاعل، خُصص يوم العاشر من فبراير يوما سنويا للاحتفاء بذكرى هذه الشخصيات، تعزيزا لمكانتها من ناحية، وتذكيرا للأجيال بتلك المكانة والجهود التي تقدمها في خدمة البشرية، ولهذا فإن هذا الاحتفاء يجب أن يكون على مستوى تلك المكانة وذلك الاستذكار من حيث إمكانات تناول تلك الشخصيات بالدراسة والتحليل وإعادة الإنتاج وفق تقنيات حديثة تتناسب مع متطلبات العصر.
إن الشخصيات العمانية المؤثرة عالميا، لا تمثِّل الماضي ولا تهدف إلى التوثيق الصامت، بقدر ما تُعنى بإبراز المكانة الفكرية والعلمية والأدبية التي ترمز إليها، لذا فإن إدراجها يُعد بداية لتأسيس جسر تواصل بين الدولة ودول العالم، استنادًا إلى ما بذلته تلك الشخصيات من جهود قيّمة في سبيل خدمة الإنسانية، إضافة إلى أن كشفها للعالم يقدِّم فرصا عدة لاستثمار هذه الجهود وهذا الإنتاج في مشروعات فكرية تربط بينها وبين جهود الأمم الأخرى في العالم.
لقد اعتنت عُمان بتوثيق مصادر العلوم الفكرية والأدبية، وهذا الإدراج يمثِّل واحدا من تلك الجهود الكثيرة، ولذلك فإن الاحتفاء بالشخصيات العمانية المؤثرة عالميا، يقتضي الاشتغال على إنتاجاتها، ليس فقط بالدراسة والتحليل، بل أيضا العمل على توظيفها في الفنون المختلفة خاصة السينما والدراما والمسرح، وكذلك الإنتاجات الفنية البصرية المختلفة التي تمثِّل اليوم قناة مهمة للإبداع والابتكار الشبابي، إضافة إلى توظيفها في السياحة الثقافية التي تقتضي العناية بعلاقاتها المكانية مولدًا وأسلوب حياة؛ فتوثيق هذه الشخصيات ليس توثيقا إجرائيا بقدر ما هو بداية للاستفادة من إنتاجها وإعادة توظيفه على المستويات الثقافية والمعرفية.
إن الاحتفاء بالإدراج المعرفي والثقافي في قوائم اليونسكو سواء أكان في سجل ذاكرة العالم، أو في سجل الشخصيات المؤثرة عالميا، له أهمية كبرى في صون التراث الثقافي الفكري والعلمي والإبداعي، ويمثِّل إضافة قيمة لتقديمه إلى الأجيال، غير أن تلك الجهود المبذولة في إعداد الملفات ضمن المبادئ التوجيهية والمواصفات التي تحددها اليونسكو والنجاح في إدراجها وفق الضوابط المختلفة، يجب أن لا تتوقف عند حد الإدراج، بل تحتاج منَّا جميعا العمل والمشاركة والتعاون في الاستفادة من هذه الشخصيات في كافة المجالات المعرفية والتقنية.
عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة مجلس الدولة