الشوباشي و"القصة العربية القديمة"
مرفأ قراءة...
السبت / 25 / شعبان / 1447 هـ - 21:12 - السبت 14 فبراير 2026 21:12
(1)
منذ الإنسان الأول، كان الخيال طريقًا للمعرفة، ومادة لنسج الأساطير التي أنتجها الإنسان، لتفسير وفهم واقعه المسكون بالغموض والخوف، ومنها خرجت كل المعارف الأولى والتي ما زال بعضها راسخًا في الوجدان البشري كالأحلام والسحر والدين والفن والأدب. وبطبيعة الحال فالثقافة العربية لها نصيبها في هذا التراث الإنساني المرتبط بعصور الشفاهة، وظلت آثاره ماثلة حتى فيما بعد التدوين. ونجدها في فنون الأدب العربي بصور وأشكال مختلفة. لكن ظروفا خاصة، دينية وسياسية، جعلت من الثقافة العربية، بوتقة كبرى تحوى ثقافات عديدة، وتنصهر فيها.
وترتب على ذلك أن الثقافة العربية، كانت على قدر كبير من التعدد والثراء والتعقيد. هذا التركيب الخاص للثقافة العربية، طبعها برؤية موسوعية، سمحت للمثقف العربي بالتنقل بين الفنون، والعلوم، والموضوعات، وطرائق التعبير المختلفة.
وقد استجاب المنتج الثقافي في عصور التدوين إلى هذه الرؤية، فنزعت مدوناتهم إلى الأشكال المفتوحة في إطار العمل الواحد. فالجمع بين النثر والشعر، والهزل في سياق الجد، وغير ذلك، كان مقبولاً تحت شعار (الإلمام من كل خبر بطرف) وكان مقصدًا في سياق التكامل وعدم التعارض بين الفنون والآداب والعلوم المختلفة.
ويحفظ لنا التاريخ، الكثير من المخطوطات التي حظيت محتوياتها بهذه النزعة الموسوعية فيما خلفه القدماء من آثار. فهذا النهج المستطرد غير المقيد بشكل ولا موضوع، نجده في كثير من كتب القدماء، حتى تلك التي تتوجه إلى موضوع بعينه، فلا تترد في الانحراف عنه، بغرض التنوع ولزوم الإمتاع والمؤانسة لاجتذاب القراء على اختلاف مشاربهم ومآربهم.
(2)
وجدير بالذكر في هذا السياق، أنهم كانوا يتناوبون لفظتي: القصص والأخبار كمرادفين لنفس المعنى. إذ كانت الأخبار هي حكايات تزعم أنها قد وقعت، وأن أبطالها -من الرجال والنساء- قد عاشوا في الحقيقة، وقد يكونون من جمهور الناس غير المعروفين، ومن ثم فوظيفة القاص هي الإخبار عما تناثر حولهم من آثار وقصص وطرائف. وقد يكونون من مشاهير العرب، كالملوك والوزراء والقضاة والفقهاء ورجالات العلم والأدب والعشاق.
من هذا المنظور السياقي الحضاري الثقافي قدم الرائد الفولكلوري والناقد الموسوعي محمد مفيد الشوباشي كتابه المبكر «القصة العربية القديمة» الذي صدر للمرة الأولى في أواسط القرن العشرين ضمن إصدارات سلسلة (المكتبة الثقافية) التي كانت تصدر بمصر آنذاك.
«القصة العربية القديمة»؛ من الدراسات المبكرة التي عُنيت باكتشاف وتوصيف بعض التراث القصصي عند العرب، وإلقاء أضواء كاشفة على تنوعه وثرائه وقيمته الفنية والإنسانية؛ وهذا الكتاب يعد -مع بضعة كتبٍ أخرى- على رأس الكتب التي رادت هذا الطريق، ومهدته لمن جاء بعد من الدارسين والباحثين للإمعان في السير والكشف والتحليل، وإثارة الأسئلة.. إلخ.
مؤلف الكتاب هو أحد أعلام الدراسة الأدبية والنقدية، وأحد الذين أولوا التراث القصصي العربي عناية كبيرة، فضلا على نشاطه النقدي، وترجماته وله مؤلفات قيمة في حاجة إلى إعادة بعث ونشر، لعلها تظهر في القريب.
(3)
لم يكن هناك من شيء يذكر قبل هذا الكتاب تعرض لأشكال القص في التراث العربي ونماذج منها، باستثناء كتابي فاروق خورشيد «في الرواية العربية ـ عصر التجميع» و«في الأصول الأولى للرواية العربية»، و«قصة الحيوان في التراث العربي» لعبد المجيد عابدين، ودراسة الدكتورة سهير القلماوي الرائدة عن «ألف ليلة وليلة».
وقد ظلت أشكال القص في تراثنا العربي (الرسمي منه والشعبي.. المدون والشفاهي) مهمشة، وبعيدة عن صدارة وأولويات الباحثين والدارسين العرب، منذ بواكير النهضة الحديثة لحساب الشعر، فن العرب الأول، وقد رصد الدكتور جابر عصفور هذه الظاهرة وردها إلى جذورها التاريخية والاجتماعية والثقافية.
ويمكننا القول إن كتاب محمد مفيد الشوباشي «القصة العربية القديمة» يندرج ضمن محاولات التأسيس التي كانت تسعى إلى اكتشاف الصلة أو البحث عن أواصر بين الأشكال القصصية المستحدثة (الرواية والقصة القصيرة) وأشكال القص المتنوعة في التراث العربي.
في هذا الإطار، يأتي كتاب محمد مفيد الشوباشي الذي لم يفصله عن كتاب فاروق خورشيد سوى خمس سنوات فقط، يكمل ما بدأه خورشيد ويضيف إليه إشارات إلى نصوص وألوان وأشكال أخرى من القصة العربية؛ وقد عالج كتاب الشوباشي سؤالا استهلاليا أجاب عنه في فصله الأول وهو: هل عرف العرب فن القصة؟ معرجا بعد ذلك على إيراد نماذج من هذه القصة التي أكد بالبحث والاستقصاء حضورها المتميز في التراث العربي، سواء في قصائد الشعر الجاهلي والشعر العذري، أو في نصوصه النثرية التي اشتملت على القصة في تنويعاتها 'الخبر'، 'الحكاية'، 'الرواية'، المقامات، القصص الشعبي.
(4)
وفي إيراده تلك النماذج التي دلَّل بها على وجود فن القصة في التراث العربي، بأشكال وألوان مختلفة ومتباينة كان الشوباشي يعمد إلى ثلاث آليات مترابطة في المعالجة؛ وهي على الترتيب:
التوثيق التاريخي والتأصيل الفني، تحليل النصوص (نثرية وشعرية) بالوقوف عند عناصر البنائية، وأخيرا آلية المقارنة التي كان يعقدها بين النصوص التي يحللها ونظيراتها في الأدب العربي نفسه أو في الآداب العالمية الأخرى..
ومن سؤال: هل عرف العرب القصة؟ والإجابة عنه بالإيجاب، يقف الشوباشي مليا أمام 'القصة الحديثة الأولى' في التراث الأدبي العالمي؛ ليؤسس مفاهيمه التحليلية، ويرسخ الملامح العامة لفن القصة التي في ضوئها سيقدم معالجاته النصية في الكتاب.
يستهل الشوباشي رحلته تاريخيا مع نماذج من القصة العربية القديمة؛ باستعراض قصص العرب الأولى (قصة كليب، حرب البسوس، قصة عنترة العبسي، وما دار في فلك هذه القصص)، مرورا بقصة البراق وقصة مضاض، ثم يتوقف أمام قصص الحب العذري (قصة قيس ولبنى، وقصة بشر وهند، وقصة ديك الجن، نماذج)، وأخيرًا تنتهي الرحلة الشائقة الممتعة باستعراض القصص الشعبية (قصص ألف ليلة وليلة نموذجًا).
(5)
وأخيرًا تأتي الخاتمة الموجزة التي أشار فيها إلى توقفه عند عددٍ غير قليل من الكتب المقتبسة من القصص العربية القديمة، 'ونضيف إليها قصصاً كثيرة عربية قديمة جدّدها فريد أبو حديد وسعيد العريان وغيرهما'.
وفي الحقيقة، فإن إشارة الشوباشي هنا إلى استلهام عدد من الأعمال السردية المعاصرة لأشكال من تراث القص والتدوين العربي القديم هي إشارة مهمة، إذا اعتبرنا -أو أخذنا في الاعتبار- آراء حفنة معتبرة من دارسي الأدب والنقد العربي الحديث الذين يرون في هذا المسار فتحا وأفقا جديدا في البحث عن خصوصية للرواية العربية، فلا شك أن 'هذه القصص عملت -إلى حد ما- على وصل أدبنا الحديث بأصله العربي'.
وهو يؤكد أننا إذا كنا قد أفدنا الشيء الكثير من فنون القصة الأوروبية الحديثة، فإن 'هذه الفنون القصصية مستمدة من جذور عربية كما ذكرنا، وإن اتخذت اليوم، بعد تطورها الطويل، طابعها الحضاري المعاصر، فلا عيب في تأثرنا بها، فهي تراثنا قبل أن تكون تراث غيرنا من الأمم'. ومن ثم فهو يطالب 'أدباءنا ومفکرینا اليوم، ألا يفكروا في الانعزال عن العالم وحضارته؛ ليبنوا لهم صرحاً حضارياً خاصاً بهم مبتدئين من البداية، فهذا مستحيل، ولكنهم سيحققون المجد الأكبر إذا أضافوا قيماً جديدة إلى صرح الحضارة العالمية، مستعينين بتراث الأمم الفكري، على أن يبدأوا بالاستعانة، قبل كل شيء، بالتراث العربي العظيم'، منوها في الأسطر الأخيرة من كتابه بالإشارة إلى الطبيعة النوعية الخاصة للقصص القرآني 'فهذه القصص منزلة، وهي جديرة بأن يفرد لها الباحثون كتباً خاصة'، وهو ما تحقق تاليا في بحوث ودراسات كثيرة...