ثقافة

الأدب بين المراجعات الصحفية الخفيفة والدراسات الرصينة

تحقيق: حسن عبد الموجود

 

وائل فاروق: تقييمات النصوص على منصات القراءة تتشابه مع تقييمات المطاعم -
*لنا عبد الرحمن: لم تعد المجلة النقدية المنبر الوحيد القادر على منح الشرعية والتأثير -
*محمود عبد الشكور: منصات التقييم تقدم موجزاً سريعاً يسد حاجة قارئ متعجل - 
*محمد شعير: النقد الصحفي مدخل أو جسر يقود القراء للبحث عن جماليات أخرى - 
*ليلى عبد الله: الجوائز همَّشت دور النقاد فصار طموحهم أن يحكِّموا في الجوائز - 


مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، ظهرت وسائل لتقييم الأدب، مثل الريفيوهات السريعة والتقييم بـ'النجوم' وصارت الصحافة الثقافية في غالبيتها تميل إلى نشر المقالات الخفيفة حول الكتب، وتوارت الدراسات الأكاديمية الرصينة ومجلاتها، ولجأ النقاد تحت ضغط التغيُّر المستمر في سوق الأدب وحاجتهم إلى مكافآت النشر السريع إلى تخفيف جهامة مقالاتهم، وهو ما يطرح أسئلة حول الظاهرة.


أسأل الناقد المصري الدكتور وائل فاروق: هل تعاني الحركة الثقافية العربية من أزمة نقد؟
يقول: بمجرد أن طرحت سؤالك تبادر إلى ذهني أسماء العشرات من النقاد العرب اللامعين الفاعلين في الفضاء العام، وأعرف أن هناك عدة آلاف آخرين في الجامعات لا يقلون موهبة وكفاءة ودأبًا عمن سبقهم من أجيال النقاد الكبار.


يرى وائل أن غياب الناقد المؤهل أو عدم قدرته على ملاحقة ما يُنشر من إبداع، وراء لا يقفان وراء إحساسنا بأن النقد يعيش أزمة، فالنقد الأدبي في العالم كله لم يعد يشغل المكانة الثقافية نفسها التي كان يحتلُّها في زمن بارت، ودريدا، وليوتار، وإيجلتون، وغيرهم
ويؤصل وائل لحركة النقد العربي على مدار عقود قائلاً: 'منذ النصف الثاني من القرن العشرين كان النقد الأدبي يتميَّز بأنه نقد نظري بامتياز؛ البنيوية، التفكيكية، السيميائيات، الأنثروبولوجيا... كانت القراءة النقدية لرواية ما تعني إدراجها ضمن أنظمة فكرية كبرى. وقد تراجعت مكانة النقد عندما فقد دوره في صياغة ما ينتجه المبدعون من 'معنى' في نظرية جمالية تجيب على أسئلة الإنسان والواقع الكبرى، وسقطت 'النظرية المفسِّرة' مع السرديات الكبرى، وقبلها بزمن طويل سقطت أحكام القيمة، فماذا بقي للناقد؟'.


بحسب وائل كان الناقد في المذاهب النقدية التقليدية يبحث عن قصدية المبدع، أي غايته من كتابة النص وموقفه من الحياة ورؤيته لها، من منطلق أنه يعبر عن الواقع وعن اتجاهات المجتمع، وكان الناقد في المناهج الحداثية بشكل عام لا سيما في 'النقد البنيوي' يبحث عن القصدية ولكنها ليست قصدية المبدع، وإنما قصدية البناء الشكلي، إذ أن الشكل هو الذي يقصد، أما المبدع فهو غائب، أو 'ميت' بتعبير رولان بارت؛ أما الناقد 'ما بعد الحداثي' فلم يكن يبحث عن قصدية المبدع أو النص وإنما كان يعمل على ضمان تعدد القصديات حيث المتلقي هو الذي يحدد 'القصدية' إن وُجِدت، فوجود القصدية يتوقف على تصور المتلقي للشكل وعلى تفاعله معه. هكذا لا يقوم النقد على دراسة بناء العمل الفني وإنما على الرغبات والأهواء التي يثيرها في المتلقي، هنا يتقاطع مسار النقد مع التحولات المعرفية العميقة للعصر الرقمي، فلقد حلت قيمة الانتشار محل قيمة العمق، وأصبحت قيمة العمل الأدبي تحدد كميًا بعدد إشارات الإعجاب وعدد المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي، فاختفت سلطة الناقد وحل محلها التقييم الجماعي المنتشر للقرَّاء عبر الإنترنت'.


هكذا بحسب ما يتوصل إليه وائل لم يعد سؤال النقد: ماذا يعني النص بل بماذا جعلني أشعر؟ لقد تحول الأدب من موضوع للتفسير ولاستكناه المعنى إلى موضوع للاستهلاك العاطفي، ففي عصر ما بعد الحقيقة والتزوير العميق تبدو المراجعة الشخصية أكثر «صدقًا» من أي نظرية، ما أدى بنا إلى أن تتشابه تقييمات النصوص الإبداعية على منصات القراءة مع تقييمات المطاعم، فالقراءة لم تعد نشاطًا تكوينيًا فكريًا وإنما تجربة ترفيهية عاطفية لملء الوقت. ولا يعفي هذا النقد من مسؤوليته عن تراجع مكانته، لأنه استبدل النظرية بلغة تقنية معقدة شديدة التخصص عاجزة عن مغادرة أسوار الأكاديميا.


تحولات فكرية
إذن لماذا تراجع دور المجلات النقدية المتخصصة الكبرى ولم يعد هناك إحساس بأهميتها رغم مداومة بعضها على الصدور؟
ترى الناقدة اللبنانية لنا عبد الرحمن أنه لا يمكن فصل ما يحدث للمجلات النقدية المتخصصة عن مجمل التحولات الفكرية والإعلامية والاجتماعية التي نعيشها اليوم. فالتراجع الذي يُشار إليه غالبًا لا يعود إلى ضعف في المحتوى بقدر ما يرتبط بتغيُّر موقع النقد نفسه داخل المشهد الثقافي. هذه المجلات لم تُنشأ أصلًا لتخاطب القارئ العادي، بل لتكون مرجعًا للنقد الثقافي، وحاضنة لنقاشات معمّقة تتوجَّه إلى المثقف والباحث، غير أن هذا القارئ ذاته لم يعد جزءًا من دائرة ثقافية واحدة متجانسة، بل بات ينتمي إلى دوائر متعددة، وأجيال مختلفة، لكل منها منطقها وأدواتها ومنصاتها.


تؤكد لنا عبد الرحمن أنه مع ظهور الجوائز الأدبية وتكاثرها، تشكَّلت مراكز اهتمام جديدة، وأُعيد توزيع الضوء والسلطة الرمزية داخل الحقل الثقافي، فلم تعد المجلة النقدية هي المنبر الوحيد القادر على منح الشرعية أو التأثير، أضف إلى ذلك أن المثقف اليوم يمتلك عددًا هائلًا من المنابر الرقمية، من مواقع ومنصات تواصل وصفحات شخصية، مقارنة بزمن كانت فيه النوافذ محدودة والقراءة فعلًا نخبويًا بطيئًا. تغيَّر إيقاع التلقي، وتحوَّل الاهتمام نحو النص السريع، ما كسر مركزية المجلة، حتى وإن حافظت على جديتها.


أما تراجع سطوة النقاد، بحسب لنا عبد الرحمن، فيرتبط بتفكك المرجعيات الثقافية الكبرى، وبزوال صورة الناقد بوصفه سلطة نهائية. اليوم، تتجاور الدراسة الجادة مع مراجعات القراء، ويتداخل الصوت المعرفي مع الخوارزميات ومنطق الانتشار. ومع ذلك، لا يعني هذا نهاية النقد، بل انتقاله من سلطة مركزية إلى ممارسة معرفية مطالبة بإعادة تعريف علاقتها بالقارئ والمنصات الجديدة. وربما نحن في هذه المرحلة، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى حركة نقدية واعية تسير بالتوازي مع فيض الإصدارات الهائل، لتفكك هذا المشهد الذي يختلط فيه الغث بالثمين.


أكل العيش
الكاتب والناقد المصري محمود عبد الشكور يعد واحداً من المتابعين الجيدين وغزيري الإنتاج، حيث يكتب مراجعاتٍ بانتظام حول الأعمال الإبداعية العربية الصادرة حديثاً، ومراجعاته تقع في منطقة وسطى بين اللغة الصحفية السهلة وإمكانيات النقد الرصين، وهو لديه تفسير آخر غير تفسير لنا عبد الرحمن لتراجع دور المجلات النقدية المتخصصة، إذ يربطه بأمرين: الأول عام وهو تراجع التعليم والثقافة عموماً، وتراجع الاهتمام بهما لأسباب أكل العيش ومستلزمات الحياة، ولأسباب معرفية حضارية، والثاتي خاص وهو طبيعة تلك المجلات التي لم تتطور، ولم تبتكر، ولم تبسط موادها المتخصصة، كما أنها تفتقد جاذبية الشكل، والدعاية اللازمة.


أسأله: هل انتهت سطوة النقد؟
يجيب: 'تراجعت لكنها لم تنتهِ، بدليل حضور النقاد في الندوات، وفي الجوائز، وفي مقدمات الكتب، وفي الاستعانة برأيهم على الأغلفة، ولكن النقد جزء من كل، وقد تأثر بالتأكيد بالحالة الثقافية العامة'.
هل تأثر النقد إذن بمنصات التقييم الخفيفة مثل جودريدز؟
يقول: 'لا أعتقد أنه قد تأثر، ولا يوجد بديل لذلك النقد الرصين، ومن يطلبه سيجده، ولكن منصات التقييم ليست بديلاً عنه، وإنما تقدم موجزاً مختصراً وسريعاً يسد حاجة قارئ متعجل، وهي موجودة في العالم كله، وشائعة حتى في دول متقدمة ثقافياً كما في أوروبا وأمريكا، وهي لم تلغِ دور النقد الرصين أبداً.


هل ترى دور الصحافة سلبياً؟
يجيب: 'بالعكس دورها إيجابي، لأنها تقدم ما تستطيعه، وما تحتمله صفحات الأدب والثقافة ومراجعات الكتب، والشيء القليل أفضل من اللاشيء، ومن أراد الاستزادة فليبحث عن مجلات متخصصة. إنني أشجع النقاد المتخصصين على الكتابة في الصحف، وأفعل ذلك وصولاً إلى مزيد من القراء، وهي ليست بدعة لأن كبار نقادنا من طه حسين إلى محمد مندور ولويس عوض كانوا يكتبون في الصحف، وقد عرفناهم من خلال كتبهم، ومن خلال مقالاتهم الصحفية أيضاً'.


لا تعارض
ما زلنا مع الصحافة، والسؤال الآن هل هناك تعارض بين النقد الصحفي والأكاديمي؟ وهل يضطر النقاد لمجاراتها لضمان التواجد أو للحصول على مكافآت النشر؟
الكاتب الصحفي المصري محمد شعير يرى أنه لا تعارض بين النقد الصحفي والنقد الأكاديمي، فهما يكملان بعضهما طوال الوقت، ولكل منهما منابر نشر خاصة به، ومتلقون مختلفون، وكبار النقاد العالميون يوازنون بين الاثنين. الراحل إدوارد سعيد على سبيل المثال كتب أعماله المهمة 'الاستشراق' و'الثقافة والإمبريالية' وغيرهما كنقد أكاديمي، لكنه كان أيضاً يكتب مقالات أسبوعية في جرائد عالمية وعربية يخاطب بها القارئ العادي، ويعلق: 'أعتقد أن النقد الصحفي ليس هو النقد الخفيف، يجب أن نفرق بينهما، هناك الريفيوهات الخفيفة، وهناك مقالات تقدم عبر لغة مختلفة الكتاب لأكبر قدر من القراء ولذلك هي مطلوبة وضرورية، وأشير هنا إلى أن جريدة 'أخبار الأدب' المصرية كانت تهتم بنوعي النقد، وتنشرهما جنباً إلى جنب'.


وأكمل: 'أيضاً غالي شكري، د. علي الراعي، د. عبد القادر القط، د. جابر عصفور كانت لهم مقالات أسبوعية تناسب القارئ العادي بخلاف كتبهم الأكاديمية الموجهة للباحثين، وقد يكون النقد الصحفي مدخلاً أو جسراً يقود القراء للبحث عن جماليات أخرى، لأن العمل العظيم له طبقات، يكشفها النقد بمناهج مختلفة، بمعنى أن عملاً واحداً لنجيب محفوظ قد تُكتَب عنه عشرات الدراسات، وهذا معناه أنه عمل قابل للتأويل والقراءة، لكن ذلك لا يلغي دور الصحافة'.


مال وفير
كيف يرى الروائيون تلك الظاهرة؟
تقول الكاتبة العمانية ليلى عبد الله إن القارئ هو رأس مال الكاتب لاسيما في عالمنا العربي التعيس، فماذا الذي يحصل عليه الكاتب أو الكاتبة بعد جهد سنوات على كتابة ما؟ هل يحصل على مال وفير مقابل حقوق عمله ككاتب؟ الإجابة لا.


وهي ترى أيضاً أن الجوائز قلصت وهمشت دور النقاد، فصار طموح أكثرهم أن يكون محكِّما في جائزة ما تمنحه اسماً ومكانة، وتعلق: 'نحن لم نعد في زمن نقاد كبار يرفعون أسماء أو يطرحونها أرضاً، لم نعد في زمن إحسان عباس ورجاء النقاش وغيرهما، ممن كان لهم الفضل قديماً في تعريفنا بأسماء ظلت راسخة في تاريخ الكتابة الإبداعية'.
لا تنسى ليلى عبد الله هنا أن تلفت إلى ظاهرة خطيرة أخرى، وهي أن بعض القراء صاروا اليوم من النخبة، لهم جمهور يهتم بتوصياتهم، ويقودهم غرورهم أحياناً إلى نسف كتَّاب معينين وفق ذائقة شخصية، فمعظم هؤلاء القراء يسقطون أيضاً في فخ الانطباعات الشخصية، وخبراتهم تتراكم من منابع ليست أصيلة بقدر ما هي نتيجة تراكمات لقراءات بسيطة.


ميزان المصطلحات
ماذا إذن عن رأي الشعراء؟
تقول الشاعرة السورية إيفين حمو: 'يسعدني ما يكتبه القارئ لأنه كتبه بعفويته وفطرته دون تزيين أو تزييف أو رتوشات مجاملة، فهي أصدق، وطبعاً كلاهما مهمٌّ بلا شك، لكنني أميل إلى تقديم مراجعة القارئ على قراءة الناقد، فالقارئ يتلقى النص ببساطته الأولى، بعفويته الصافية، على قدر ما يلامس روحه ويهزُّ وجدانه. أحيانًا أجد في تفاعله مرآةً لما كان يختلج في داخلي لحظة الكتابة، كأن النص لم يكن لي وحدي، إنما كان تعبيرًا عما يسكنه هو أيضاً. ويسعدني أكثر حين أرى أن الروح التي أطلقتها في قصائدي عادت إليَّ نابضةً عبر إحساس قارئٍ ما، لا عبر ميزان المصطلحات النقدية'.


وتضيف: 'أنا أكتب لذاتي أولاً، لأن الكتابة عندي فعلُ صدقٍ قبل أن تكون خطاباً موجهاً، ثم أكتب للقراء، الذين يمنحون النص حياته الثانية، ويحوِّلونه من حبرٍ على ورق إلى تجربةٍ حيَّة، أمّا النقاد، فأكتب لهم أخيراً، لا تقليلًا من شأنهم، بل لأنهم يتعاملون مع النص بوصفه مادةً للتحليل والتفكيك، بينما أريده قبل ذلك أن يكون نبضاً. لا أنكر ثقل القراءة النقدية وقيمتها، فهي تضيف أبعاداً وتكشف طبقات خفية، لكن تأثيرها عليَّ يظلُّ أقل من تأثير قارئٍ بسيطٍ وجد نفسه في سطرٍ أو صورة، فالنقاد يختلفون في الرؤى، وتتباين مقارباتهم وأدواتهم، ولكلٍّ منهم زاويته وأسلوبه، أما القارئ، فيحمل قلبه إلى النص بلا وسائط، ولذلك يكون حكمه، في كثير من الأحيان، أكثر صدقاً وأقرب إلى جوهر الكتابة نفسها'.
انتهى كلام المشاركين في التحقيق لكن الأسئلة لم تنتهِ بعد.