رمضان يطرق أبواب القلوب
الجمعة / 24 / شعبان / 1447 هـ - 19:14 - الجمعة 13 فبراير 2026 19:14
لم يتبقَّ على قدوم شهر رمضان المبارك إلا أيامٌ معدودات، كثيرٌ من العائلات بدأت منذ أيام في تجهيز نفسها لاستقبال الشهر الفضيل، لكن هناك عائلات أخرى حتى هذه اللحظة لا تزال تفكر مليًّا في كيفية الوفاء بالتزاماتها المادية واحتياجات أطفالها من المؤن وغيرها على مائدة الإفطار بعد انقضاء ساعات طويلة من الصيام، تنفيذًا لأمره سبحانه وتعالى وتقربًا منه عز وجل.
يقول الله تعالى في كتابه العزيز:
'يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ' صدق الله العظيم.
إذا كان شهر رمضان هو شهر العبادة والنفحات الإيمانية، والتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة، فإن رمضان في كل وقت وحين يطرق أبواب القلوب الرحيمة من أجل أن تشعر بمن يعيش حولها من 'المحتاجين والمتعففين' عن طلب المساعدة، لهذا يجب أن ننظر ونمعن في النظر لكثير من النقاط المهمة التي تحيط بنا، والواجب الإنساني والإيماني يحتم علينا مساعدة المحتاجين للمساعدة دون تفرقة أو تمييز، سواء كانوا من المواطنين أو المقيمين على هذه الأرض الطيبة، فربما تلحقنا دعوة صالحة منهم فتدخلنا الجنة التي وعد الله عباده الطائعين.
إن اللحمة الوطنية التي عُرف عنها المجتمع منذ الأزل، تجعلنا ندرك أهمية الإحساس بالآخرين، فالمجتمع العُماني يقوم على التواد والتراحم والتعاون فيما بينه وبين الآخرين، لهذا لن ينقطع الود ما بين العائلات بعضها عن بعض، بل سيزداد ألقًا ومحبةً وإخلاصًا وتوجهًا لله سبحانه، فكم من فرحة غامرة ندخلها في قلوب الناس الذين يحتاجون منا العون والمساندة وتقديم كل الدعم الذي يحتاجون إليه سواء في هذا الشهر الفضيل أو غيره من شهور الله.
ما أجملها من فرحة وبهجة ترتسم على وجوه الأطفال! عندما يجدون ما يحتاجون إليه خاصة في الشهر الفضيل، فكم من طفل صغير يشعرنا بجمال هذا الدين عندما يلتف مع إخوانه حول المائدة الرمضانية، بعض الأطفال يحاولون صوم نصف نهار، والبعض الآخر يجتهد حتى يُكمل اليوم كاملًا، فتجده سعيدًا بهذا الصيام مفتخرًا بما قام به من عمل صالح.
أيام قليلة، وينطلق قطار هذا الشهر العظيم الذي تتنزل فيه الرحمات وتفيض فيه البركات، وتمتلئ المساجد بالمصلين، وينتظم الناس في صلواتهم وعباداتهم وقراءتهم للقرآن وأداء النوافل وغيرها، فما أعظمه من شهر فضيل!.
ما أجمل أن نتأمل الآية القرآنية الكريمة!:
'شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ'.
لو تأمل المسلم كل كلمة من الآية القرآنية الماضية لوجد أن بها خيرًا كبيرًا، وفسحةً جعلها الله لكل الذين لا يستطيعون صيام أيام الشهر المبارك، وهذا التخفيف اختصه الله لبعض الفئات من الناس رحمةً منه وتسهيلًا عليهم، فرمضان ليس شهرًا عاديًا ثم تنقضي أيامه ولياليه، بل هو مدرسة متكاملة يتعلم الإنسان المسلم من خلالها الكثير من القيم والعادات التي يجب أن يتخذها مسلكًا له في الحياة، ليظفر بحب الله ورحمته.
هذا الشهر يشعرنا بجمال الحياة التي يعيشها المسلم في وطنه وبين أهله، فما أعظمه من شهر جعله الله للتعبد والتهجد، لقد اختص الله تعالى ثواب هذا الشهر الفضيل لنفسه، لهذا ميّزه دونًا عن غيره من شهور العام بهذه الميزة، لأن الصيام جُنّة، فيكفي أن يتقرب الإنسان إلى ربه سبحانه ساجدًا وقائمًا، يرفع أكف الضراعة بأن يتقبل منه صيامه وقيامه وأن يثيبه على كل أعمال الخير، ويدعوه بأن يسامحه ويغفر له كل ذنوبه التي اقترفها سهوًا وقصدًا.
الإسلام دين الخير للبشرية جمعاء، دين يمنح الإنسان قيمة إيمانية عظيمة، فيكفي أن تشعر بالراحة والسكينة وأنت قائم تصلي بين يديه سبحانه، وهناك من يدعو لك بالخير والصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة، فما أعظم العطاء عندما يكون خالصًا لوجه الله تعالى! ترجو منه أن يتقبل، وأن يمنحك الخير والأمن والسكينة، ويدفع عنك كل الشرور والمحن، وأن يعينك على عبادته لنيل مغفرته.