بريد القراء

الأحبة لا يموتون حتى وإن دفنوا

 

من تجارب الحياة أرى صدق من قال إن 'الأحبة الذين نعرفهم، لا يموتون من قلوبنا حتى وإن دُفنت أجسادهم تحت الثرى.. هم رحلوا عنّا ولكن لم يرحلوا منّا'، تبقى ذكراهم الطيبة ومآثرهم الخيّرة سراجًا وضّاء ينير لنا طرقات العتمة في زمن لا بدّ لنا فيه من النظر جيدًا نحو المسارات التي نسلكها بعناية فائقة.


الموتى أشخاص رحلوا نحو عالم آخر، لكن سيرتهم العطرة لا تنفذ من الأماكن التي كانوا فيها، فكل عمل صالح نما، أصبح مع الأيام غرسًا يانعًا لا يمكن أن ينساه الناس بسهولة.. الذكريات هي ما تجمعنا بهم بعد هذا الرحيل، وليس من السهولة أن نمحو آثارًا بُنيت وشُيّدت بحب في الذاكرة، لهذا السبب نظل نشتاق إليهم، والوجد يأخذنا إلى حيث يتوسدون ثرى الأرض.
من المثير جدًا أن الذاكرة، رغم أنها معبّأة بالكثير من الأشياء، إلا أن هناك مساحة معيّنة نتركها عن قصد لكل من أثّر في حياتنا، نذكرهم بالخير وندعو لهم بالرحمة والمغفرة، فالراحلون هم وجوه غائبة لكنها لا تسقط من دفاتر الوفاء.


الطيبون، وإن كانت أرواحهم قد غادرتنا بدون وداع أو استئذان أو بدون رغبة منا، فلهم جميعًا نرفع أكفّ الدعاء ـ في كل وقت وحين ـ بأن يتغمد الله أرواحهم بالرحمة والغفران.. فكيف إذا كان الفقد يأتي من أقرب الناس إلينا؟.. وكيف ننساهم وهم جزء من الروح التي نعيش بها كل لحظة؟!
في الحقيقة، هناك شيء مهم لا بدّ من ذكره، والتذكير به أمر مهم للغاية، وهو إذا كان الموت يعد انفصالًا ما بين الروح والجسد، فإن هذا الانقطاع لا يمكن أن يكون حاجزًا عن تذكّر الأشياء الجميلة التي انفضّت من بين أيدينا وبقيت راسخة في الوجدان.. نتذكر الراحلين بشوق وإحساس بالفقد.


الواقع يعرّفنا الكثير من الحقائق الراسخة في هذا الوجود، ومنها أن القلائل من الناس لا يتذكرون ـ للأسف ـ من أحسن إليهم أو وقف معهم وساندهم، فهم مقتنعون بأن الحياة والموت لا يتوقفان على حدث معيّن أو أشخاص عابرين للحياة، لكن النكران جزء من الأنانية البشرية.
نعلم بأن الإنسان عاجز عن إيقاف أي قدر مكتوب عليه، لكن الذاكرة تظل معبّأة بالكثير من الأمور التي لا تُنسي الناس أوجاعهم وهمومهم، خاصة عند فقد الأحبة، وربما النسيان، وإن كان هو جزءًا أصيلًا من مرحلة مهمة يجب أن يُصاب بها البشر حتى لا يظلوا في مستنقع الوجع إلى ما لا نهاية، إلا أن ذكرى الأحبة فيض يتدفق مع الزمن كنهر جارٍ.


بالمقابل، هناك نظرة أخرى يقول أصحابها بأن الذي يموت لا يُذكر، ولقد توقفت طويلًا عند قول الروائي الروسي الكبير فيودور دوستويفسكي عندما يقول:
'لن يذكرك الناس كثيرًا بعد الموت، ما هي إلا أيام قلائل ثم تكون في عداد المنسيين، فكأنك لم تولد ولم توجد.. سوف يأتي ذكرك مرات قليلة من قبيل الصدفة، لكنك ستفنى نهائيًا مع قدوم أجيال جديدة إلى الحياة، إن الناس حينها لن تتذكر من أنت، ولن تتذكر مبادئك التي كنت تتمسك بها طوال الوقت، كما لن يذكروا إن كنت شهمًا نبيلًا أو شريرًا سيئًا'.. وفي كلا الحالتين أنت لن تستفيد من كلامهم شيئًا.. عش حياتك بالطريقة التي تراها أنت، بالطريقة التي تجعلك سعيدًا، فالعمر عمرك أنت، والأيام التي ستمضي لن تعود أبدًا!.. عش عمرك بما تراه مناسبًا'.


إن حجمنا الحقيقي في هذه الدنيا، وزمننا الذي نعيشه في هذا الكون، هو أصغر مما نتصور!!.. كما إن وجودنا في الأرض الواسعة ليس سوى ومضة مضيئة سرعان ما تنطفئ كغيرها من نجوم السماء اللامعة، ستُطوى وتنقضي أعمارنا في طرفة عين، ثم تتوالى السنين، وسيأتي بعدنا عشرات الأجيال من الأبناء، كل جيل سيودّع الدنيا على عجل بعكس ما نحن نتوقع، ومع هذا الغروب سيسلّم الراية للجيل الذي يليه قبل أن يحقق ربع أحلامه التي أفنى عمره بحثًا عن تحقيقها.


كثير من الناس تحدّثوا عن حقيقة الحياة، ولكن أحدهم يقول:
'بعد وقت معيّن سيسترد الله أمانته، وسنكون جميعًا مع أقاربنا وأصدقائنا تحت الأرض، وسيسكن بيوتنا أناس غرباء قد لا نعرفهم أو نتخيل وصولهم إليها، وربما يمتلك أملاكنا أشخاص آخرون، لن يتذكروا شيئًا عن ماضينا، فمن منا يخطر والد جده على باله مثلًا؟ قلائل منا يتذكر الراحلين من الأجداد'.
ويضيف: 'سنكون مجرد سطر أو خيط رفيع في ذاكرة بعض الناس، أسماؤنا وأشكالنا سيطويها النسيان كغيرها من الأشياء التي ينساها البشر بمجرد أن يقلبوا الصفحات عنها.. فلماذا نطيل التفكير بنظرة الناس إلينا، وبمستقبل أملاكنا وبيوتنا وأهلنا؟ كل هذا ليس له جدوى أو نفع بعد انقضاء الأجل!!'.


العقلاء والحكماء يسدون لنا الدروس العظيمة في تفاصيل الأحداث والزمن الذي يقضيه الإنسان في الحياة، فأحد العباقرة يقول:
'هناك بعد سنوات من الوهم، سنسقط كغيرنا في جبّ الواقع المرير، وسنرى الظلام والسكون أمرين يسببان لنا الكثير من الفزع، قد لا يكون لدينا وقت أو حيلة في فهم المصير الذي نحن فيه، لكن سيدرك غيرنا كم كانت الدنيا تافهة إلى أبعد مدى يمكن أن نتصوره أو نحلم به، وكم كانت أحلامنا بالاستزادة من الأيام مجرد فكرة سخيفة للغاية، وسنتمنى لو أمضينا أعمارنا كلها في عزائم الأمور وجمع الحسنات وعمل الصالحات!.. عندها يقول الإنسان: (يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي)، طالما لا يزال في العمر بقية، فلنعتبر ونتغير'.