الأمن الثقافي.. الطريق لتعزيز القوة الناعمة
الأربعاء / 22 / شعبان / 1447 هـ - 21:50 - الأربعاء 11 فبراير 2026 21:50
يُعد الأمن الثقافي أحد أبعاد الأمن الوطني، ويتحدد دوره في المحافظة على الثقافة المحلية والتصدي للغزو الثقافي الذي تواجهه المجتمعات والشعوب، ويعني في أبسط صوره ومعانيه الشعور الذاتي بالانتماء الوطني.
والمتأمل في عمق هذا المفهوم يتضح أن بداية ظهوره عربيًا بدأ في أوائل السبعينات من القرن الماضي، وتحديدًا عام 1973؛ إبّان مؤتمر وزراء الثقافة العرب، والذي نظمته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم- الألكسو تحت شعار «الأمن الثقافي»؛ ومع ذلك يُعدُّ من المفاهيم المعاصرة في المصطلحات الفكرية الذي يرتبط بالفهم الواضح للهُوية، ومدى قدرة المنظومة الثقافية للشعوب على مواجهة ما يعتريها من تحديات يفرضها الانفتاح العالمي.
إن الحديث عن ثقافة مجتمع ما يعني المحددات الثقافية، التي تُشكل ركائزها ومنطلقاتها، ومن أهمها: اللغة؛ إذ تعد من أهم وسائل الإنسان للتعبير عن ذاته، وهي ليست أداة تواصل وتجاسر مع الآخر فحسب، وإنما المرآة الأولى لإدراك الثقافة والمعرفة ووعي الشعوب، والوسيلة التي يتم من خلالها نقل المعارف والتقاليد، والممارسات الثقافية التي تميّز المجتمعات عن غيرها؛ ولهذا يتنافس الجميع على إبراز لغتهم، والاهتمام بها وحمايتها من الضعف.
ومن المحددات الأخرى: المخزون الثقافي المادي وغير المادي، والذي يعكس بلا شك تفرد دولة ما في آثارها المادية، وعناصرها الثقافية غير المادية، ومخطوطاتها الثقافية، ومعالمها الأثرية وغيرها عن الدول الأخرى.
كما تأتي الهوية الثقافية كأحد هذه المحددات؛ وهي تلك الجامعة لصنوف ثقافية متعددة منها: الأفكار، والعادات، والتاريخ وغيرها.
وإلى جانب المحددات الثلاثة المذكورة أعلاه، تأتي المؤسسات الثقافية كمحدد ثقافي مهم؛ إذ تعمل وفق إطار قانوني ومنهجي بُغية الحفاظ على الأنشطة الثقافية وما يرتبط بها.
وإذا ما أسقطنا هذه المحددات على سلطنة عُمان، سنجد حتمًا الحراك على المستويين الفردي والمؤسسي في إبراز الثقافة العُمانية الأصيلة، والحفاظ عليها، فالحراك الفردي ينعكس في التمسك بالعادات والتقاليد في الأيام الوطنية والمناسبات الاجتماعية.
أمّا على المستوى المؤسسي نجد حراكًا ملحوظًا في التعريف بالثقافة العُمانية محليًا وعالميًا؛ فإدراج (9) شخصيات عُمانية، وحصن جبرين كحدث تاريخي مهم في برنامج اليونسكو للذكرى الخمسينية أو المئوية للأحداث التاريخية المهمة والشخصيات العالمية المؤثرة، و(18) عنصرًا ثقافيًا في قوائم التراث الثقافي غير المادي، و(5) مواقع في قائمة التراث العالمي، ومخطوطتين في برنامج سجل ذاكرة العالم، وغيرها، جميعها إنجازات تُحرك المشهد الثقافي العُماني.
إن هذه الإنجازات تؤكد على حضور الثقافة العُمانية، وتشّكل في الوقت ذاته أداة معززة للدبلوماسية الثقافية والقوة الناعمة.
أصبحت مواجهة التيارات الثقافية الغربية الهدّامة التي باتت تنتشر انتشارًا ذريعًا أمرًا لا مناص منه، لاسيما في ظل وجود محفزات لها مثل: العولمة الثقافية، والتي تعد أخطر مهددات الأمن الثقافي لانفتاحها على ثقافات العالم، وهذا يعني محاولة تغييب الهُوية الثقافية للمجتمعات العربية والإسلامية، وإلى جانب العولمة الثقافية تأتي الثروة المعلوماتية والتكنولوجية كمهدد آخر يدق ناقوس الخطر في التأثير الثقافي للشعوب؛ حيث قدرتها على إذابة الفوارق في الزمان والمكان بين الثقافات، وأصبح الحصول على المعرفة من شتى بقاع العالم متاحًا ودون تعقيد.
يحقق الأمن الثقافي فوائد جمة على المستويين الفردي والمجتمعي، فعلى المستوى الفردي يسهم في إيجاد فرد مدرك للكثير من المعارف والمهارات الواردة من ثقافة الشعوب الأخرى، وقادر على المشاركة الإيجابية، والتصدي للتغيرات الثقافية الدخيلة، ومحافظ على المقومات الثقافية، أمًا على المستوى المجتمعي فإنه يُسهم في حماية العادات والتقاليد، وتعزيز الاستهلاك المستدام الداعم للمنتجات المحلية، ويعزز من دور المؤسسات الثقافية والتعليمية في بناء الوعي لدى الناشئة والشباب من خلال المناهج الدراسية، والأنشطة العلمية والترفيهية، والمبادرات، ومشاريع البحث والابتكار، وتوظيف التكنولوجيا وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ولضمان الحفاظ على الموروثات الثقافية للمجتمعات العربية فكان لزامًا العمل على ضرورة توافر الأمن الثقافي وتعزيز الوعي به، ومن هنا يأتي دور المجتمع بأفراده ومؤسساته المختلفة، ومنها: الأسرة؛ إذ تشكل أهم مؤسسات المجتمع تأثيرًا على الأبناء، من خلال تربيتهم وتعزيز شعور الولاء والانتماء للوطن، وحماية عقولهم من الافتراس الثقافي. وتأتي المدارس أيضًا مكملة لها في إكساب الطلبة المعارف والمهارات والقيم التي تُسهم في تنمية وعيهم بالأمن الثقافي، وحس المسؤولية تجاه الفرد والمجتمع، وذلك من خلال بناء شخصية المتعلم وتمكينه على المشاركة الإيجابية والتفكير النقدي والتسلح بمهارات المستقبل، والقدرة على التعامل مع القضايا التي يواجهها.
ولا شك بأن دور المدرسة في تنمية الوعي بالأمن الثقافي يتعزز من خلال المناهج الدراسية على اختلاف المراحل الدراسية، وتنفيذ برامج ثقافية كالمعارض والمهرجانات العلمية والثقافية.
وبالإضافة إلى ذلك، يظهر دور والجامعات، المتاحف والمراكز البحثية والثقافية، ومراكز الشباب، والجمعيات والأندية الثقافية وغيرها في إيجاد منظومة متكاملة تتناول الثقافة في أبعاد مختلفة وتُسهم بدور ريادي في تعزيز الوعي بالأمن الثقافي، والنهوض بالصناعات الثقافية الإبداعية، وترسم سيناريوهات ثقافية مستقبلية من شأنها الحفاظ على الهُوية الثقافية واستدامتها.
وتأسيسًا لما سبق؛ فالأمن الثقافي في إطاره العام يمثل إحدى الركائز التي تسهم في بناء المجتمع وتماسكِه، وعلى الدول أن تبذل جهودًا حثيثة في فهم مفهومِه الواسع وتطبيق أبعادِه.
إن التركيز على المعرفة بالأمن الثقافي، وتعزيز حس المسؤولية الاجتماعية، وتبادل الأفكار، وتعزيز الفنون، ومبادئ الحوار البناء والتفاهم المشترك وغيرها من الجوانب الثقافية المختلفة بين الدول، ما هي إلا ترجمة فعلية لتحقيق الدبلوماسية الثقافية أو القوة الناعمة؛ والتي يتجلى دورها في تعزيز الأمن الثقافي من خلال الاعتزاز بالثقافة المحلية وإبرازها على المستوى العالمي.
د. هدى بنت مبارك الدايري - كاتبة وباحثة عمانية