واقع العالم بعد القطيعة مع النظام الذي تقوده أمريكا
ترجمة: قاسم مكي
الأربعاء / 22 / شعبان / 1447 هـ - 21:48 - الأربعاء 11 فبراير 2026 21:48
في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، الشهر الماضي، سمعنا دونالد ترامب وهو يلقي خطابا مطولا ومفككا وهائما (بلا هدف محدد) ومصطبغا بمزيجه المعهود من الشكوى المستديمة وجنون العظمة.
كما سمعنا مارك كارني -صيرفي البنوك المركزية (سابقا) ورئيس وزراء كندا الحالي- وهو يلقي خطابا بارعا عن نهاية النظام القديم وخيارات «القوى المتوسطة»، حيث كان هذا الخطاب الأخير الحدث الأكبر.
بدأ كارني خطابه بالاستشهاد بمقال لفاتسلاف هافيل، الكاتب والمنشق وأول رئيس لتشيكوسلوفاكيا «ما بعد الشيوعية»، (يقصد كارني بالقوى المتوسطة البلدان التي لها وزن اقتصادي وسياسي، مثل بلده كندا، ولكن بدون هيمنة القوى العظمى. والمقال الذي يشير إليه مارتن وولف واستشهد به كارني كتبه فاستلاف في أكتوبر 1978 تحت عنوان «قوة من لا قوة لهم» - المترجم).
بحسب كارني، جادل هافيل في مقاله المذكور بأن الشيوعية حافظت على استمراريتها «عبر مشاركة الناس العاديين في طقوس يعلمون فيما بينهم وبين أنفسهم أنها زائفة»، وعلى نحو شبيه، جادل رئيس وزراء كندا بأننا «تجنبنا إلى حد كبير شجب الفجوة بين الخطاب والواقع، فيما ندعوه النظام العالمي المرتكز على قواعد».
لكن في عالم اليوم الذي يحول فيه الاعتماد المتبادل إلى سلاح، يضيف كارني: «لا يمكنك أن تعيش داخل أكذوبة المنافع المتبادلة عبر التكامل عندما يصبح التكامل مصدرا لخضوعك» ويعتقد أن يومنا هذا يشير إلى «قطيعة مع النظام الحالي، وليس إلى انتقال تدريجي منه»، وهو محِق في ذلك.
أصر كارني على أن النظام القديم ليس لن يعود فقط، بل «يجب ألا نحزن عليه؛ فالحنين إلى الماضي ليس استراتيجية».
واستطرد قائلا: «نحن نؤمن أننا يمكننا من الأنقاض بناء شيء أفضل وأقوى وأكثر عدالة». هذه الجملة أمل، لكنها أيضا ليست استراتيجية. وينبغي للمحلل الرصين أن يسأل كيف وإلى أي حد يمكن أن تكون استراتيجية.
إذا لزمنا تحويل الأمل إلى واقع يجب أن ندرك أن المماثلة التي رسمها بين الأكاذيب التي كانت وراء استدامة الشيوعية وتلك التي تضفي الشرعية على النظام العالمي القديم مضللة.
الأكاذيب الأولى كانت صريحة؛ فالأنظمة القديمة في شرق أوروبا فشلت على كل صعيد قياسا بأوروبا الغربية. لكن الأكاذيب الثانية كانت أفضل حتى من أنصاف الحقائق. فتسوية النزاعات داخل الاتفاقية العامة للرسوم الجمركية والتجارة (الجات) ومنظمة التجارة العالمية -على سبيل المثال- كثيرا ما تكون فعالة حتى ضد الولايات المتحدة.
وكما ذكر كارني نفسه «لقد أعانت الهيمنة الأمريكية خصوصا على تقديم سلع عامة (منتجات وخدمات يمكن لكل بلد أن يفيد منها- المترجم) كالممرات المائية المفتوحة والنظام المالي المستقر والأمن الجماعي ودعم أطر حل النزاعات»، فالنظام الليبرالي أبعد من أن يكون مجرد اختلاق.
وما هو أهم إلى حد بعيد، أن الحقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية شهدت عموما نجاحات ضخمة وغير مسبوقة؛ لم تكن هنالك حرب مباشرة بين القوى العظمى منذ الحرب الكورية في أوائل الخمسينيات. وكان انتشار الازدهار وتحسن الأوضاع الصحية في معظم أجزاء العالم بلا سابقة. كما قدم فتح اقتصاد العالم للتجارة والاستثمار مساهمة حيوية، وأي شخص عاقل في الصين أو الهند سيسلّم بذلك.
أما بالنسبة لصعوبات التكيف مع هذه العولمة في بعض البلدان وتحديدا الولايات المتحدة فهذا يعود إلى الخيارات السياسية التي اتخذتها الفئات الأكثر ازدهارا. وكانت حمائية ترامب الفوضوية نتيجة لذلك، لكنها ستفشل في نجدة الناس الذين يفترض أن تساعدهم، فهي خدعة.
خلاصة القول، لقد كان التكامل بين البلدان مصدرا للازدهار وللضعف أيضا؛ لم يكن النظام العالمي أكذوبة، لكنه تحول إلى أكذوبة مع تفاعل ميركنتيلية الصين الصاعدة مع حمائية الولايات المتحدة المتقهقرة. والنتيجة هي اضطرار البلدان للتحوط (اتخاذ التدابير اللازمة لمرحلة ما بعد العولمة- المترجم)، لكن يجب ألا يغيب عن البال أن هذا التحوط سيكون باهظ التكلفة.
إذًا، ما الذي ينبغي علينا فعله لتقليل الخسائر التي سببتها القطيعة؟ يوصي كارني بعقد اتفاقيات بين القوى المتوسطة كبديل لعالم القلاع (القلعة الأمريكية بحمائيتها والقلعة الصينية بميركنتيليتها في العالم الجديد- المترجم)، حيث ترتكز مقاربة كارني على ما يدعوه ألكسندر ستوب رئيس فنلندا «الواقعية القائمة على القيم» فهو يقول «كندا ستتمسك من حيث المبدأ بالتزامها تجاه القيم الأساسية؛ من خلال الانخراط في النظام العالمي، على نطاق واسع وباستراتيجية، وبعيون مفتوحة».
لنفترض أن كل قوة متوسطة تتحرك في اتجاه مماثل؛ سيكون السؤال حينها: ما المجالات التي سيكون أداء هذه المقاربة فيها أفضل وما التي سيكون فيها أسوأ؟ وما الذي قد يكون مطلوبا من أجل حل المشاكل؟
التجارة والاستثمار هما أيسر المجالات التي يمكن الحفاظ على استمرارها. يترتب عن انهيار القواعد القديمة عدم يقين باهظ التكلفة خصوصا فيما يتصل بالتجارة مع الولايات المتحدة، لكن هذه الأخيرة شكلت 17% فقط من واردات العالم من السلع في عام 2024؛ حقا السوق الأمريكية كبيرة، لكنها ليست الوحيدة.
أما المال والتمويل فأكثر صعوبة؛ ستكون القوى المتوسطة عرضة للابتزاز بواسطة الولايات المتحدة حول استخدام الدولار والاعتماد على النظام المالي الأمريكي في غياب إصلاح جذري. واستخدام عملة الرينمينبي الصينية ليس حلا؛ فهو فقط يوجد هشاشة أخرى.
يشكل الأمن تحديا أكثر صعوبة؛ إذ لدى العالم ثلاث قوى عظمى نووية، وقوتان عسكريتان لها قدرات متكاملة (بريطانيا وفرنسا) وهنالك حدود لقدرة معظم القوى المتوسطة في توفير الأمن لنفسها ولشركائها.
في مواجهة بعض المهددات كالقرصنة على سبيل المثال قد تكون هذه القوى فعالة، لكنها لن تكون بهذا القدر من الفعالية في مواجهة مهددات أخرى، بل سيكون تقديم سلع عامة عالمية معينة أكثر صعوبة خصوصا جهود مكافحة التغير المناخي إذا عارضتها بشدة قوة عظمى أو أكثر، وفي هذا المجال ستكون هنالك حاجة للتعاون الدولي وربما فرض عقوبات ضد الولايات المتحدة.
كلما تأمل المرء أكثر فيما سيأتي، زادت أهمية الاتحاد الأوروبي وهو العدو الأكبر في نظر ترامب -كما يجادل زميلي مارتن ساندبو-.
ففي كل يوم يمر يوضع على عاتق الاتحاد الأوروبي عبء أعظم في كل المجالات، لكن ما يسعِد أنه ليس بدون أسلحة، فكما ذكر روبرت شابيرو (وكيل وزارة التجارة في عهد بيل كلنتون)، بأن النفوذ المالي لأوروبا على الولايات المتحدة كبير، ويجب عليها استخدامه.
الكاتب النمساوي ستيفان زفايج الذي انتحر في المنفي بالبرازيل عام 1942 ألف كتابا هناك تحت عنوان «عالم الأمس» وصف فيه العالم المفقود لأوروبا ما قبل الحرب العالمية الأولى. نحن أيضا نفقد عالما، وهو بدوره لم يكن مثاليا، لكنه أفضل كثيرا من ذلك العالم. هذه المرة على أوروبا أن تكون منقذة لا مقوِضة. وسيتوجب على بريطانيا أيضا الانخراط في الصراعات المقبلة.