عدتُ للتو من الصين: نحن لا نفوز
الأربعاء / 22 / شعبان / 1447 هـ - 21:44 - الأربعاء 11 فبراير 2026 21:44
قبل أسابيع قليلة في نيويورك، كنت أجلس على طاولة عشاء نظمت لمناقشة التجارة الأمريكية، حين تحول الحديث بسرعة إلى الصين. خبراء متمرسون وذوو مؤهلات عالية انقسموا إلى موقفين متعاكسين: بعضهم أيد مواقف الرئيس ترامب الصلبة والهجومية، فيما دفع آخرون نحو نهج أقل صدامية وأكثر تقليدية.
أنا لست خبيرا في التجارة، لكنني استثمرت في الصين لسنوات، وكنت قد عدت قريبا من زيارة استمرت أسبوعا هناك. وفي النهاية، بعدما جمعت شجاعتي، قلت إن أيا من النهجين لن ينجح. فالصين ببساطة شديدة القوة كمنافس ـ فضلا عن كونها مركزا تصنيعيا حاسما ـ بحيث لا يمكن ترويضها عبر الدبلوماسية أو عبر انعطافة هجومية في السياسات. الحل الحقيقي الوحيد هو أن نرتب بيتنا من الداخل، وأن نهزم الصين في لعبتها نفسها.
والحاجة إلى ذلك لا تكف عن التزايد، لأن اضطراب السنة الأولى لعودة ترامب إلى الحكم قد أعاد أمريكا خطوات إلى الوراء. وإلى جانب التصنيع، باتت الصين تهدد تفوق الولايات المتحدة في طيف من القطاعات سريعة النمو، من بينها الذكاء الاصطناعي وتطوير الأدوية. وبينما حاول تقليص إنفاقنا على وظائف حكومية مهمة مثل البحث الأساسي، جعلت الصين من هذه المجالات أولويات وطنية.
كان تقدم الصين في الذكاء الاصطناعي مذهلا. ورغم أنها ما تزال متأخرة عن الولايات المتحدة في رقائق أشباه الموصلات الأكثر تطورا، فإن لديها وفرة من عنصر حاسم آخر لنجاح الذكاء الاصطناعي: الطاقة. فهي تمتلك قدرة توليد تفوقنا بأكثر من الضعف، وبعض مراكز بياناتها يدفع نصف ما تدفعه مراكزنا مقابل الكهرباء.
وقد ساعدها ذلك على تطوير منتجات مثل «مانوس» بسرعة استثنائية. وهو «وكيل» ذكاء اصطناعي يضاهي أداؤه أداء «تشات جي بي تي»، وقد بيع لشركة «ميتا» بأكثر من ملياري دولار بعد وقت قصير من زيارتي.
والرأسمال البشري عنصر أساسي في نجاح الصين. لقد التقيت عددا لا يحصى من رواد الأعمال الشباب، بطاقة وذكاء لا يقلان عن نظرائهم في وادي السيليكون، ومن بينهم ملياردير ما يزال ينام في مكتبه.
رغم كل تهويل ترامب بشأن الرسوم الجمركية، فإننا لا نربح هذه الحرب التجارية. فالعملاق الآسيوي يواصل اندفاعه بوصفه أكبر مصدر في العالم، وقد سجل فائضه التجاري رقما قياسيا بلغ 1.2 تريليون دولار العام الماضي. وهذه الزيادة الإجمالية توحي بأن كثيرا من السلع الصينية يمر ببساطة عبر دول وسيطة قبل أن يصل إلى الشواطئ الأمريكية. برسوم أو من دونها، الجميع يحتاج إلى البضائع الصينية.
خذ السيارات مثالا. خلال رحلتي، زرت شركة «شاومي»، وهي مصنع للهواتف الذكية والإلكترونيات أعلن دخوله مجال المركبات الكهربائية قبل خمس سنوات فقط. وفي منشأة مترامية تكاد تخلو من البشر، كانت كائنات ميكانيكية ضخمة، تشبه ديناصورات روبوتية، تدفع ألواح الألمنيوم إلى مواضعها بسهولة فيما تتحرك السيارات على خط الإنتاج. وفي الردهة، كانت هناك سيارة رياضية صفراء يمكن بسهولة أن تخطئ وتعتقدها سيارة «بورشه».
وزرت أيضا شركة للروبوتات، حيث كانت أشياء تبدو كألعاب أطفال بلاستيكية تركض على الأرض، عارضة تقدم الشركة نحو بناء روبوتات بشرية الهيئة يمكنها أن تحل محل البشر في بعض المهام. (في عام 2024، ركبت الصين ما يقرب من تسعة أضعاف عدد الروبوتات الصناعية التي ركبتها الولايات المتحدة).
وبعد زيارة، وصف الرئيس التنفيذي لشركة «فورد»، جيم فارلي، الصيف الماضي تكنولوجيا السيارات داخل المركبات في الصين بأنها «تفوق بكثير» نظيراتها الأمريكية، واعتبر ما يراه من تقدم صيني «أكثر ما أذلني تواضعا في حياتي». وبالمصادفة ـ أو ربما ليس كذلك ـ أوقفت «فورد» أخيرا إنتاج شاحنتها الكهربائية «إف-150»، وسجلت خسارة محاسبية ضخمة بلغت 19.5 مليار دولار على جهودها في المركبات الكهربائية.
ثم هناك تطوير الأدوية. قبل سنوات قليلة فقط، كانت الصين لا تزال ترخص كثيرا من أدويتها من شركات خارجية. أما الآن، فهي ترخص أدوية لدول أخرى أكثر مما ترخصه منها، وقد تجاوزت الولايات المتحدة في عدد التجارب السريرية.
وبالطبع، ما تزال الصين تواجه تحديات. فتبعات فقاعة عقارية لا تزال في طور الانكماش تواصل إرسال موجاتها الارتدادية. وبسبب ذلك جزئيا، لم يفتح المستهلكون محافظهم بعد. ومع تباطؤ النمو، ارتفعت بطالة الشباب إلى ما يقارب 20 بالمائة (ثم تراجعت قليلا فقط). كما انخفض الاستثمار.
هذا يفضي إلى حقيقة مفادها أن هناك اقتصادين في الصين: اقتصادا محليا بطيئا ومتعثرا، وكيانا جبارا يهيمن على التصنيع العالمي، ويحقق في الوقت نفسه تقدما استثنائيا في مجالات سريعة النمو وموجهة بالتكنولوجيا ظلت طويلا بقيادة أمريكية.
وقد حققت الصين هذا النجاح جزئيا عبر نموذجها من الرأسمالية الموجهة من الدولة. فعندما أدركت الحكومة أنها تخسر سباق الذكاء الاصطناعي، أوضحت أن اللحاق بالركب أولوية وطنية، ثم دعمت ذلك بالمال، وتخفيف القيود التنظيمية، وتطوير قدرات هائلة لتوليد الكهرباء. ويمكننا أن نرى النتائج.
وسيكون التنافس مع الصين صعبا حتى في أفضل الظروف. ومن الواضح أننا بحاجة إلى إعادة التفكير في سياستنا الصناعية ـ أي في الطريقة التي يمكننا بها توظيف موارد الحكومة لدعم الصناعات ذات الأهمية الاستراتيجية، وهو ما يمثل نسختنا الخاصة من الرأسمالية الموجهة من الدولة. لكن، وللأسف، فإن سياسات إدارة ترامب المتخبطة تخلق ظروفا سيئة حقا.
للبدء، نحتاج إلى عكس مسار التخفيضات التي أجراها ترامب على الاستثمارات في العلوم وغيرها من المجالات.
ورغم أنني متشكك إلى حد كبير في قدرة حكومة ديمقراطية على اختيار «الرابحين»، فإننا لم نعد نملك رفاهية إبقاء واشنطن على الهامش. وعلى وجه الخصوص، ينبغي أن نركز على صناعات المستقبل، وكثير منها مرتبط بالتكنولوجيا، وأن نخفف من تركيز ترامب على التصنيع التقليدي القائم على ثني المعادن. فعلى سبيل المثال، وبفضل قانون «الرقائق والعلوم» الذي أقر في عهد الرئيس جو بايدن، تبنى حاليا مصانع ضخمة لأشباه الموصلات في أريزونا وغيرها.
إن إعادة توجيه دور الحكومة تتجاوز مسألة الإنفاق. فنحن نفتقر إلى المعادن الأساسية لا لأنها نادرة، بل لأن الحصول على تصاريح لمناجم جديدة ومنشآت للمعالجة بالغ الصعوبة. ويمكننا بالتأكيد أن نجد سبيلا لتطوير قدراتنا التعدينية من دون المساس بالمعايير البيئية المعقولة. وما ينبغي أن يتعلمه ترامب ـ كما ينبغي للجميع ـ هو أننا لن نهزم الصين بفرض الرسوم الجمركية، ولا بمحاولة التفاوض على اتفاقات تجارية يرجح أن تنتهكها الصين. (ومن المهم هنا التأكيد أن السياسة الصناعية الرشيدة لا تعني امتلاك حصص في الشركات أو المطالبة بعوائد مالية، كما تفعل إدارة ترامب).
إن التفوق على الصين يجب أن يبدأ من الداخل، عبر ترتيب بيتنا الاقتصادي نحن، وهو تحد يفترض أيضا أن يدفع ترامب إلى إعادة النظر في طيف واسع من سياساته.
ستيفن راتنر كاتب رأي مساهم في نيويورك تايمز، شغل منصب مستشار لوزير الخزانة في إدارة أوباما.
خدمة نيويورك تايمز
تمت الترجمة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي