«عين الطائر» تستعيد مسارات القصة القصيرة في سلطنة عمان وتؤسس لأرشفة البدايات
متابعة ـ فيصل بن سعيد العلوي - تصوير: خليفة الحراصي
الأربعاء / 22 / شعبان / 1447 هـ - 19:27 - الأربعاء 11 فبراير 2026 19:27
بقراءات نقدية رافقت ثلاثة رواد وناقشت الذاكرة وتحوّلات اللغة -
عقد النادي الثقافي مساء أمس أولى جلسات الاحتفاء بالقصة القصيرة في سلطنة عمان مستضيفا ثلاثة من رواد هذا الفن ممن أسهموا في ترسيخ حضوره الإبداعي ضمن برنامج 'العيش على الحافة ـ عين الطائر على القصة القصيرة في سلطنة عمان' والذي يهدف إلى إحياء هذا الجنس الأدبي وتوثيق مساراته وفتح فضاءات الحوار والتحليل حول منجزه السردي، بمشاركة القاصين سعود البلوشي وحمد رشيد آل جمعة وعبدالحكيم عبدالله، وبحضور نقدي تمثّل في الدكتور محمد الشحات والدكتورة فوزية الفهدية والباحث أحمد الحجري، فيما أدار الجلسة الإعلامي والكاتب سليمان المعمري.
وفي الكلمة الافتتاحية أوضح الدكتور محمد علي البلوشي أن إدراج القصة القصيرة في صدارة برنامج النادي الثقافي لعام 2026 يأتي امتدادا لما أُعلن في ختام الموسم الثقافي الماضي، مستندا إلى ثلاثة مسارات رئيسة؛ إعادة تسليط الضوء على المناخات التأسيسية للبدايات الحديثة للقصة القصيرة في سلطنة عمان كجزء من الذاكرة الأدبية التي لا تزال بعيدة عن معرفة كثير من الكتّاب الجدد، ومعالجة غياب الأمسية القصصية عن المنابر الثقافية رغم حضورها في النشر والإصدارات بما يمنحها فضاء حيّا للتلقي والتفاعل، ثم التوجّه إلى التوثيق المنهجي لمسارات القصة القصيرة منذ إرهاصاتها الأولى حتى تجاربها الراهنة عبر تتبّع الخيوط الإبداعية المشتركة والثيمات الجامعة بين الكتّاب بدلا من التصنيفات الجيلية، وصولا إلى مشروع إصدار مختارات وسلاسل كتب ترافقها قراءات نقدية تعرّف بسياقات النصوص ومناخاتها، بما يرسّخ أرشيفا معرفيا يواكب تطوّر القصة القصيرة في سلطنة عمان ويحفظ ذاكرتها السردية.
___________
عرض موجز
بعد ذلك قدم القاص والإعلامي سليمان المعمري عريف الجلسة عرض موجز لمسار القصة القصيرة في عُمان، أشار فيها إلى أن الانطلاقة التوثيقية تُؤرَّخ غالبا بعام 1981 مع صدور مجموعة 'سور المنايا' لأحمد بلال بحّار، التي تبعتها إصدارات لكتّاب عدة، بينما يرى بعض الدارسين أن النضج الفني الأوضح تجلّى منتصف الثمانينيات مع مجموعات لاحقة أسهمت في ترسيخ ملامح الشكل والرؤية واللغة... ثم تطرّق إلى ما عُرف لاحقا بـ'جيل الجامعة' في تسعينيات القرن الماضي، وهو جيل ارتبط زمنيا بمرحلة جامعة السلطان قابوس، مع الإشارة إلى أسماء برزت في الفترة نفسها وإن لم تكن دارسة فيها، قبل أن تتوالى الأسماء في مطلع الألفية الجديدة وما بعدها، في سياق متصل ومتجدد يعكس حيوية المشهد السردي العُماني وتنوّعه بين المحلي والإنساني، والواقعي والرمزي، مع تفاعل ملحوظ مع منجز القصة العالمية.
___________
تجربة حمد رشيد
بعدها ألقى القاص حمد بن رشيد آل جمعة قصة 'حلم العناق'، وهي القصة الفائزة بالجائزة الأولى في مسابقة 'صوت العرب' على مستوى الوطن العربي عام 1989، قبل أن ينتقل عريف الجلسة القاص سليمان المعمري إلى حوار مباشر معه استهله بالإشارة إلى أن جمال القصة لا يلتقط دائما عبر السماع وحده، غير أن هذه القصة تحديدا مثّلت واحدة من أوائل النصوص العُمانية التي تفاعلت مبكرا مع قضية إنسانية عربية كبرى هي القضية الفلسطينية، متسائلا عن المناخ الثقافي والأدبي في سلطنة عمان خلال ثمانينيات القرن الماضي، وهي المرحلة التي كتب فيها آل جمعة نصوصه الأولى وصولا إلى صدور مجموعته 'زغاريد الصهيل' عام 1990.
وأجاب حمد بن رشيد آل جمعة بأن بداياته جاءت من موقع الهواية لا الاحتراف، غير أن حصوله على مراكز أولى في مسابقات داخل النادي الثقافي وعلى مستوى دول الخليج والوطن العربي منح تجربته دافعا معنويا كبيرا للاستمرار في الكتابة، مؤكدا أن الكتابة القصصية في تلك المرحلة لم تكن قائمة على تصور مهني مكتمل بقدر ما كانت اندفاعا شغوفا نحو التعبير، وأن عدم إصدار مجموعة قصصية ثانية منذ مجموعته الأولى، أوضح أنه يمتلك ما يقارب مائة قصة قصيرة ما زالت مخطوطة وقد اختار من بينها عشرين قصة فقط لتصدر في 'زغاريد الصهيل'، مشيرا إلى مشاركته في كتاب عربي ضم عددا من القاصين العرب، إلى جانب انشغاله حاليا بكتابة سيرته الذاتية التي يعمل على إنجازها أملا في صدورها قريبا.
ولفت 'المعمري' إلى ملاحظة نقدية رصدها طاهر مكي حول ترك مساحات واسعة للقارئ كي يؤوّل النص، متسائلا عن كيفية ضبط المسافة بين ما يريد الكاتب قوله وما يلتقطه المتلقي، ليجيب 'حمد رشيد' بأن فن القصة يقوم على التلميح لا التصريح، وأنه يحرص على النهايات المفتوحة التي تمنح القارئ فرصة التفسير، مع تجنّب الحشو اللغوي لأن القصة القصيرة لا تحتمل الإسهاب الذي قد تتسع له الرواية.
وفي سياق الحديث عن حضور البيئة العُمانية في نصوصه استعاد سليمان المعمري إشارة الناقد يوسف الشاروني إلى أن أقاصيص 'حمد رشيد' بأنها تنقل عبق عُمان في تفاصيلها الاجتماعية واليومية، متسائلا عن أثر البيئة في تشكيل تجربته، فأكد القاص أن الإنسان ابن بيئته وأن للمحيط الاجتماعي دورا محفزا في الكتابة، وأن كثيرا من القصص التي تناولت المجتمع المحلي لم تُدرج في الطباعة آنذاك، لأن السياق العام في تلك الفترة كان مشغولا بالقضايا القومية الكبرى، مع تأكيده في الوقت ذاته أنه كتب أيضا عن محطات تاريخية عُمانية مثل كفاح العُمانيين ضد البرتغاليين في قصة 'عزان' التي نالت بدورها جائزة أولى في احدى المسابقات.
بعدها تحدّث الباحث والقاص أحمد الحجري عن تجربة حمد بن رشيد آل جمعة، مستحضرا حضوره كأحد الأصوات المؤسسة لفن القصة القصيرة في سلطنة عمان خلال عقد الثمانينيات، ممن نشروا نصوصهم في الصحافة المحلية ونالوا جوائز أدبية داخل البلاد وخارجها، مع الإشارة إلى ما كتبه الناقد المصري الدكتور الطاهر أحمد مكي حول ميله إلى القالب الموجز والأسلوب المكثف، وما أورده يوسف الشاروني في كتاب 'الأدب العماني الحديث' عن استنشاق قصصه لعبق سلطنة عمان في تفاصيلها الاجتماعية واليومية، إضافة إلى توصيف الشاعر مبارك العامري له ضمن فرسان القصة القلائل في الساحة الأدبية.
وتوقّف 'الحجري' عند قصة 'حلم العناق' الفائزة بالجائزة الأولى في مسابقة 'صوت العرب' عام 1989، متسائلا إن كان آل جمعة قد أدرك وهو يكتبها تحت تأثير الانتفاضة الفلسطينية الأولى قدرتها على استحضار مشاهد تتكرر بعد عقود، أم أن المأساة الفلسطينية بقيت ممتدة بلا انقطاع، ليستعرض مقاطع من النص تُبرز صورة الطفل الحالم بمعانقة أرضه، والأسلاك الشائكة وأنظمة الرصد والاندفاع نحو الهدف رغم إدراك الخطر، وصولا إلى لحظة العناق الأخيرة للأرض، لينتهي إلى أن جوهر المشهد ظل ثابتا فيما تبدّلت أدوات القتل وأساليبه، رابطا ذلك بقصص أخرى تناولت فلسطين برمزيات مختلفة مثل قصة 'عروبة' التي جسّدت ضياع الأرض واستباحتها، ومؤكدا أن هذا الحس القومي جاء متصلا بسياق ثقافي عُماني عميق ربط السرد بالقضية الفلسطينية عبر أجيال متعاقبة.
كما تناول 'الحجري' التقنيات السردية في تجربة آل جمعة، مشيرا إلى حضور الاسترجاع هاجسا فنيا في قصصه الواقعية والاجتماعية، وإلى تشكّل نصوصه في أحيان كثيرة على هيئة لوحات فنية أو لقطات فوتوغرافية تلتقط تفاصيل المكان العُماني، مع عناية واضحة بالوصف وبناء الشخصية وافتتاحيات مشبعة بلغة تصويرية، ونهايات تتراوح بين الإغلاق المتناغم مع الحدث أو الانفتاح على التأويل أو الغموض المثير للحيرة، إلى جانب لغة شاعرية شفيفة تستمد صورها من البيئة العُمانية، ليخلص إلى أن مجموعة 'زغاريد الصهيل' شكّلت لبنات فنية مبكرة لنضج القصة القصيرة في سلطنة عمان وأسهمت في تطور السرد عبر تنوّع موضوعاته وثيماته وتقنياته مع حفاظ اللغة على خيط الحكاية.
___________
تجربة سعود البلوشي
بعد ذلك انتقل سليمان المعمري إلى تقديم القاص سعود البلوشي الذي قرأ قصة 'أصوات البحر'، وتوقف 'المعمري' عند حضور البحر كقوة فاعلة داخل الحكاية، مستحضرا قراءة أحصت عشرات المفردات المرتبطة بالماء، ليتحدث 'القاص' بعدها عن البحر كفضاء مهيب شكّل في ذاكرة الإنسان مساحة خوف وغموض، بينما ارتبط في التاريخ العُماني بحركة الملاحة والوصول إلى آفاق بعيدة، موضحا أن الساحل يمثل الحافة الرابطة بين اليابسة والماء، وأن تحوّلات العصر جعلت الإنسان يقتحم هذه الحافة ويعيد تشكيلها عمرانيا، معتبرا أن البحر ظل مظلوما أدبيا قياسا بحجمه وتأثيره في التاريخ والهوية، وأن الكتابة عنه ليست جغرافيا أو تاريخا فحسب لكنها علاقة إنسانية عميقة تنعكس في اللغة والشخصيات وأجواء النص.
وعند سؤاله عن تأخر نشر المجموعة رغم جاهزيتها منذ نهاية التسعينيات، أرجع 'البلوشي' ذلك إلى الانشغالات الوظيفية وضغط العمل في الحقل التعليمي الذي حال دون جمع النصوص وإصدارها في وقت مبكر، مشيرا إلى أنه اضطر إلى سرقة الوقت لاحقا حتى تمكّن من نشرها، كما أكد وجود مشروع قصصي جديد قيد الإعداد، وعند التطرق إلى مسألة الشك في جدوى القصة أشار إلى أن قناعات الكاتب قد تتبدل مع الزمن بين الانشغال المهني والعودة إلى الكتابة، موضحا أن اختيار الضمائر وطرائق السرد يتحدد بطبيعة الحكاية وما يريد النص قوله، وأن شخصياته تنبع غالبا من ذاكرة الطفولة والقرى والحارات الأولى حيث تشكّلت رؤيته للعلاقات الإنسانية وأحلام الناس وانكساراتهم، مؤكدا أن هؤلاء البسطاء هم الأبطال الحقيقيون في عالمه السردي.
بعدها تناولت الدكتورة فوزية الفهدية تجربة سعود البلوشي في ورقتها المعنونة 'الصوت والصمت في مجموعة أصوات البحر'، مشيرة إلى أن نصوص المجموعة كُتبت على امتداد تسع سنوات بين 1989 و1998، وهو امتداد زمني يفسّر عمق النزعة التأملية وكثافة الأسئلة المضمَّنة في البنية السردية.
وانطلقت 'الفهدية' من عنوان المجموعة 'أصوات البحر' كعتبة دلالية مركزية يحضر فيها البحر محورا للمعنى، إذ تتقاطع عنده ثنائيات الحياة والموت والقلق والنجاة والحنين واليأس، مع تكرار لفظ البحر ومفردات الماء والساحل والشاطئ بما يمنح الخطاب السردي تماسكا واضحا، ورأت أن العنوان يحيل في عمقه إلى أصوات الشخصيات المهمشة وقلقها الوجودي، حيث لا تكون الأصوات مسموعة دائما بل داخلية تتجلى عبر السرد ويتحوّل البحر إلى وسيط تعبيري عمّا هو مكبوت أو مسكوت عنه.
وتوقّفت عند تقنيات الكتابة مشيرة إلى ثلاث زوايا رئيسة في بناء النصوص؛ الوصف الذي يكشف العوالم النفسية والاجتماعية للشخصيات، والمكان الذي ينطلق منه السرد ويعود إليه بتنوّعاته بين البحر والبيت والطريق والمستشفى والمزارع والساحل، والحوار الذي جاء مزيجا من الفصحى واللهجة العامية بما يعزّز واقعية بعض المشاهد.
وقدّمت 'الفهدية' رؤية عامة للمجموعة كمشروع سردي متماسك يعيد التفكير في علاقة الإنسان بالمكان والذاكرة والحكاية، مع اعتماد واضح على الاقتصاد اللغوي والكثافة الدلالية، فالقصص لا تقوم على الحدث وحده بقدر ما تقوم على الإحساس والأثر والصوت، وهو ما يمنح السرد طابع الخبرة المعيشة أكثر من الحكي التقليدي، مع حضور ثنائية الصوت والصمت آلية مركزية في إنتاج المعنى، حيث يغدو الصمت حاملا للقلق والتاريخ غير المروي وتظهر الأصوات متجاورة داخل فضاء مشدود بالغياب دون حوار صريح.
___________
تجربة عبدالحكيم عبدالله
ثم انتقل الحديث إلى تجربة القاص عبدالحكيم عبدالله مع الإشارة إلى أن كتابته تنطلق من مشهد واضح المعالم يتكئ على التفاصيل لبناء التوتر الداخلي، مع ميل ظاهر إلى الاقتصاد والتركيز والابتعاد عن الاستعراض، وذُكر أنه بدأ كتابة القصة أواخر الثمانينيات وتوزعت نصوصه في الملاحق الثقافية والدوريات، مقابل بطء ملحوظ في النشر ارتبط بحساسية عالية تجاه الصياغة والتنقيح، مع صدور مجموعتيه 'مِساس' عام 2006 و'استراق' عام 2013.
وقرأ عبدالحكيم عبدالله قصة 'المقهى'، أعقبها حوار توقّف عند التباعد الزمني بين البدايات وصدور المجموعات، فأوضح أن المسألة لا تتصل بوسواس حرفي بقدر ما ترتبط بأسلوب خاص وشخصيات تحتاج إلى اكتمال عناصرها قبل النشر، مع تأكيد استمراره في الكتابة ووجود نصوص لم تدخل ضمن المجموعتين.
وانتقل النقاش إلى مسألة الوضوح والغموض في السرد، حيث أكد ميله إلى النص الواضح الذي يتيح متابعة الحدث ومسار الشخصية دون التباس، مع عناية دقيقة باللغة والمفردة وإعادة الصياغة والمراجعة، مع إبقاء مساحة التأويل مفتوحة للمتلقي رغم انطلاقه من المعنى المقصود للكلمة منذ البداية... كما طُرحت مسألة اختيار العناوين، فأشار إلى عناية كبيرة بها إذ قد تولد مع الفكرة الأولى أو بعد اكتمال النص، وغالبا يضع عنوانا مبدئيا لتنظيم المسودات ثم يستقر عليه إذا وجده مناسبا، مع ميل واضح إلى العناوين المباشرة غير الملتبسة.
واختُتم الحديث عند عنايته بالصورة البصرية داخل القصة، حيث أكد حرصه على تقديم تفاصيل المكان والملامح بدقة تتيح للقارئ معايشة المشهد، مع اعتبار وضوح السرد جزءا أساسيا من متعة التلقي وأن القصة تُكتب ابتداء لمن يقرأها.
بعدها تناول الدكتور محمد الشحات في قراءة نقدية تجربة عبدالحكيم عبدالله في ورقة حملت عنوان 'عين ناقدي على عين طائر عبدالحكيم عبدالله'، استهلها بتمهيد تاريخي حول نشأة القصة القصيرة في السياق العربي، وانتقل بعدها إلى السياق العُماني متوقفا عند مرجع نقدي رآه أساسيا في استقراء تاريخ القصة القصيرة في سلطنة عمان وهو كتاب 'القصة القصيرة في عمان من عام 1970 حتى عام 2000 دراسة فنية موضوعية للراحل شبر الموسوي، مؤكدا أن بزوغ هذا الفن ارتبط بعوامل متعددة من بينها التعليم والابتعاث ونهضة الصحافة والانفتاح على التجارب العربية وتأسيس المؤسسات الثقافية، وهي روافد أسهمت في تشكّل الحراك السردي منذ السبعينيات.
وأشار إلى أن عدم صدور مجموعة قصصية لعبدالحكيم عبدالله في مراحل مبكرة أسهم في غيابه عن بعض الدراسات الأولى، غير أن نصوصه المتناثرة تؤكد حضوره ضمن سياق جيل الثمانينيات المرتبط بتجارب سبقت ورافقت هذا الحراك، مع ملاحظة ملامح تأثر طبيعي بمنجز السرد العربي في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي... وفي قراءته الفنية لتجربة عبدالحكيم عبدالله توقّف عند عدد من السمات البارزة، من بينها حضور 'عين الطائر' رؤية سردية تلتقط المشهد من أعلى وتمنح النص بعدا بصريا واضحا، والانشغال بعوالم المهمشين والعجائز والأصوات الصامتة، إضافة إلى تمثلات علاقة الإنسان بالسلطة في بعض النصوص، مع اعتماد واضح على المشهدية والوصف التفصيلي بما يجعل كثيرا من القصص أقرب إلى لوحات سردية أو لقطات سينمائية، ووجود منطقة وسطى في بعض النصوص بين القصة القصيرة وقصيدة النثر أو الخاطرة المكثفة، مؤكدا أن مجموعتي 'مِساس' و'استراق' تمثلان مظهرا من مظاهر النضج الفني داخل هذا الجيل وأن هذه البدايات أسهمت في وصول القصة العُمانية إلى موقعها الراهن.
___________
مداخلات الحضور
شهدت الجلسة عددا من المداخلات التي تمحورت في مجملها حول علاقة القصة القصيرة بالتراث وحدود حضور الرمزية والوعي الجمالي في النص السردي، حيث طُرح تساؤل مركزي عن قدرة القصة القصيرة في سلطنة عمان على حفظ الذاكرة الثقافية، ومدى انتقال التجارب الحديثة من تمثيل الموروث إلى مساءلته وتفكيك مسلّماته حين تعيق حرية الإبداع وإنتاج المعرفة، وتضمّنت المداخلات قراءات انطباعية عبّرت عن تقدير للمشهد الثقافي العُماني، مع ملاحظات نقدية على بعض النهايات السردية والدعوة إلى منح الشخصيات مساحة كرامة أوسع داخل النص، إلى جانب الإشادة بحضور التخييل وتقاطعه مع الواقع في عدد من التجارب القصصية، كما طُرحت أسئلة حول مسألة الوضوح والرمزية في الكتابة، ولا سيما توظيف الرمز أو التحويل الدلالي للشخصيات، وهو ما قاد إلى توضيحات أكدت أن ما يُفهم أحيانا رمزا قد يُكتب ابتداء بمعناه المباشر مع بقاء باب التأويل مفتوحا للقارئ، إضافة إلى الإشارة إلى نصوص قصصية وجدت طريقها إلى المعالجة الدرامية خارج الإطار المطبوع، وفي الردود النقدية اتجه النقاش إلى رؤية أوسع لمفهوم التراث كمنظومة متحركة تُعاد قراءتها عبر الأدب لا بنية جامدة تُستنسخ، مع التأكيد أن القصة القصيرة وسائر الأجناس الأدبية تمثل إحدى أدوات القوة الناعمة في المجتمع، وأن حضور الذاكرة الثقافية في النص السردي يندرج ضمن إعادة إنتاج معرفي لا استعادة حرفية للماضي، مع الإشارة إلى وجود مرجعيات مشتركة بين بعض التجارب السردية مع تباين واضح في التقنيات والأساليب.