مفاوضات مسقط ودبلوماسية الحوار
الثلاثاء / 21 / شعبان / 1447 هـ - 21:26 - الثلاثاء 10 فبراير 2026 21:26
تبذل بلادنا سلطنة عمان جهودا دبلوماسية كبيرة على صعيد الوصول إلى مقاربات سياسية بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية تنهي التوتر في المنطقة وإبعاد شبح الحرب؛ حيث إن التوصل إلى اتفاق عادل ومنصف سوف يؤدي إلى خفض التصعيد والانتقال إلى علاقات طبيعية بين طهران وواشنطن.
ولعل الإشارات الأولى للجولة الافتتاحية من المفاوضات التي عقدت يوم الجمعة الماضي أعطت انطباعا إيجابيا حول إمكانية الوصول إلى اتفاق.
ولعل المشكلة الأساسية لا تتعلق بتباين المواقف الأمريكية ـ الإيرانية، ولكن المشكلة هو الكيان الصهيوني الذي يضع شروطا تعجيزية بعيدا عن الموضوع الأساسي وهو الملف النووي الإيراني وقضية نسب التخصيب.
زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي المتطرف نتنياهو إلى الولايات المتحدة الأمريكية اليوم ولقاؤه مع الرئيس الأمريكي ترامب قد يفضي إلى سيناريو معقد في ظل مناخ من التصعيد؛ حيث وجود حاملات الطائرات الأمريكية في منطقة الخليج العربي.
وفي ظل أجواء وتصريحات سلبية تجاه إيران، تبدو الولايات المتحدة الأمريكية وهي تفاوض إيران وكأنها تعرض الأجندة الإسرائيلية، وهذا أمر يقلل من مصداقية الولايات المتحدة الأمريكية كدولة كبرى في العالم ينبغي أن تعمل على حل القضايا الخلافية، وتكريس مناخ من السلام والاستقرار في المنطقة والعالم. الرئيس الأمريكي ترامب، والإدارة في البيت الأبيض، لهم أهداف استراتيجية وهو تغيير النظام الحالي في إيران، ولعل المظاهرات الشعبية في إيران كانت تهدف إلى تحقيق ذلك الهدف، وهذا يعود إلى ضرورة تنفيذ المشروع الصهيوني العالمي، والذي سوف يمكن الكيان الصهيوني من بسط سيطرته على منطقة الشرق الأوسط، من خلال مواصلة التطبيع مع الدول العربية والإسلامية.
وحتى يتم تحقيق أهداف المشروع لابد من إزاحة النظام في إيران، والمسؤولون في إيران يدركون هذه الحقيقة.
إذن، الولايات المتحدة الأمريكية تتفاوض نيابة عن الكيان الإسرائيلي، من خلال إضافة قضايا لا تمت لجوهر المفاوضات بصلة؛ حيث إن التفاوض يدور حول إيجاد آليات للبرنامج النووي الإيراني فيما يخص مواد التخصيب مقابل رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران، وبشكل متدرج، على ضوء ما حدث في الاتفاق النووي عام ٢٠١٥ والذي كان للدبلوماسية العمانية دور محوري فيه، وتم إبعاد المنطقة عن اندلاع حرب كارثية. ومن هنا، فإن السيناريو نفسه يتكرر مع وجود إدارة أمريكية تنفذ أجندات انتخابية يصعب عليها الفكاك منها؛ حيث إن موضوع الصواريخ البالستية الإيرانية ليس له علاقة بالملف النووي الإيراني، وكذلك السياسات والعلاقات الإيرانية مع دول المنطقة؛ حيث إن هذا الموضوع الأخير يناقش بين دول المنطقة، وقد تحسنت العلاقات الإيرانية الخليجية في السنوات الأخيرة مع عودة العلاقات الإيرانية السعودية، وهو تطور إيجابي للسلام والاستقرار في المنطقة.
إدارة ترامب تغامر بمصالحها الاقتصادية المتشعبة مع الدول العربية والإسلامية من أجل الكيان الصهيوني، الذي استنزف دافع الضرائب الأمريكي، من خلال تقديم المليارات من المساعدات المالية، والعسكرية، والمعلومات؛ وهو أمر أصبح يثار داخل أوساط الرأي العام الأمريكي، خاصة بعد سقوط سردية الكيان الاسرائيلي، والإبادة الجماعية التي ارتكبها ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة على مدى عامين؛ حيث ارتكب الكيان الصهيوني مجازر يندى لها جبين الإنسانية.
إن مفاوضات مسقط، تعد فرصة حقيقية للتوصل إلى اتفاق عادل ومنصف بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الاسلامية الإيرانية، خاصة وأن المنطقة ليست في حاجة إلى مزيد من التصعيد والحروب.
وإذا كان الرئيس الأمريكي ترامب سوف يستجيب لأهداف نتنياهو فإن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تقع في خطأ استراتيجي فادح، كما حدث لها في أفغانستان والعراق. وعلى ضوء ذلك، فإن الدبلوماسية تظل هي الأداة التي من خلالها يتم التوصل إلى حلول سياسية واقعية.
إن الجولة الثانية من المفاوضات سوف تكون حاسمة بين الطرفين الإيراني والأمريكي في ظل جهود عمانية كبيرة ومقدرة من العالمين العربي والإسلامي، ومن المجتمع الدولي؛ حيث يتطلع العالم إلى نهاية للتصعيد وعسكرة المنطقة، كما أن الكيان الاسرائيلي يعيش أوضاعا داخلية متناقضة، في ظل ارتفاع الأصوات لإنهاء حقبة نتنياهو السلبية، وفي ظل قضايا الفساد الموجهة إلى نتنياهو وحكومته المتطرفة.
من الحكمة والمصداقية أن لا تغامر دولة كبرى كالولايات المتحدة الأمريكية بمصالحها الكبيرة في المنطقة لإرضاء غرور المتغطرس نتنياهو. ومن الصعب فهم الإصرار الأمريكي لتنفيذ الأجندة الاسرائيلية، في ظل أجواء دولية تتطلع إلى وفاق سياسي، وعدم الانزلاق إلى حرب كارثية سوف تكون لها أبعاد خطيرة على المنطقة، وعلى الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى قضايا الطاقة والاقتصاد العالمي وسلاسل الامداد، وغلق الممرات البحرية.
ومن هنا، فإن هدف الكيان الصهيوني، وتحديدا نتنياهو، هو جرُّ واشنطن نحو التصعيد والحرب ضد إيران، وهو أمر يصعب فهمه. وإذا حدث فلن تكون هناك مفاجأة؛ حيث شنت الولايات المتحدة الأمريكية هجوما جويا ضد المواقع النووية، ولم يستطع أحد أن يجزم بأن تلك المواقع النووية قد دمرت بالكامل.
إن التصريحات المتناقضة للإدارة الأمريكية تضع الجهود الدبلوماسية في مأزق حقيقي؛ حيث لا يمر اليوم دون تصريحات أمريكية خاصة من الرئيس ترامب ووزير الخارجية تتباين بين التهديد وضرورة إعطاء الدبلوماسية فرصة، وهنا قمة التناقض؛ خاصة في ظل مفاوضات جادة يمكن أن تفضي إلى اتفاق في نهاية المطاف. المجتمع الدولي يساند الجهود العمانية التي تهدف إلى خفض التصعيد، والوصول إلى اتفاق عادل ومنصف بين طهران وواشنطن كما حدث عام ٢٠١٥، بحيث إن الاتفاق سوف يجنب العالم السيناريو الأسوأ، والذي سوف يشكل نتائج كارثية على الأمن والاستقرار، والاقتصاد والتجارة الدولية، ويخلق فوضى تسعى لها إسرائيل وصقور الإدارة الأمريكية؛ مما يجعل العالم يتطلع إلى انفراجة حقيقية تحققها الجولة الثانية من المفاوضات، والتي قد تجري الأسبوع القادم، على ضوء التكهنات والتقديرات الدبلوماسية.
وقد رأينا ما سببته الحروب من كوارث إنسانية، وتدمير البنية الأساسية؛ ولعل الأوضاع في ليبيا واليمن وسوريا والصومال والسودان نماذج لأوضاع مفزعة عانت منها تلك الشعوب، ولا تزال. ومن هنا، تظل جهود بلادنا العزيزة سلطنة عمان، بقيادة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- حاضرة لإيجاد الحلول، والتوصل إلى مقاربات سياسية بهدف الوصول إلى حل سياسي.
والجميع يأمل أن تنتهي مفاوضات مسقط بالتوصل إلى اتفاق نووي سوف يكون في صالح إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وينعكس على الأمن والاستقرار وترسيخ السلام في المنطقة والعالم.