أفكار وآراء

الوساطة العمانية وإعادة هندسة الصراع الأمريكي ـ الإيراني

في الأزمات السياسية الإقليمية الكبرى، تبرز الدبلوماسية العُمانية كفاعل رئيس يحقق التوازن ويضبط أداء أطراف الصراع، خاصة في اللحظات الحاسمة التي تتعقّد فيها القضايا وتضيق فيها خيارات التسوية.

الدور العُماني المقدَّر دوليًا وإقليميًا في الصراع الحالي الأمريكي ـ الإيراني، ليس نتاج ظرف طارئ، وتشكّل عبر مدى زمني طويل من الممارسة الدبلوماسية المتّزنة التي قامت على بناء الثقة مع مختلف الفاعلين الإقليميين والدوليين، وجعلت عُمان حاضرة بقوة في ملفات إقليمية ودولية تتسم بدرجة عالية من التعقيد والحساسية.

على هذا الأساس، يمكن قراءة الوساطة العُمانية التي انطلقت الجمعة الماضية في مسقط بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بوصفها تجسيدًا لنهج راسخ في السياسة الخارجية العُمانية، يبرز حضوره مجددًا مع عودة التوتر والتهديدات العلنية المتبادلة بين الدولتين. وكان لافتًا أن نقل المفاوضات من تركيا إلى عُمان تمّ بناءً على طلب إيراني، في خطوة تعكس مستوى الثقة الذي تحظى به الدبلوماسية العُمانية في إدارة الملفات الحساسة.

الصراع الأمريكي ـ الإيراني الراهن يأتي في سياق إقليمي ودولي بالغ التشابك والحساسية، إذ لم يعد مرتبطًا بملف واحد أو مسار تفاوضي محدد، بل أصبح نتاجًا لتداخل اعتبارات القوة والنفوذ، ومحاولات فرض أنماط من الهيمنة السياسية، في ظل نظام دولي يشهد تحولات متسارعة وتراجعًا في القدرة على التوصل إلى تسويات مستقرة، سواء عبر دول وسيطة أو من خلال المنظمات الدولية المعنية.

وقد أدى هذا التداخل إلى انتقال الصراع من مستوى الخلافات القابلة للاحتواء إلى مستوى الأزمات المعقّدة والممتدة التي تتطلب إدارة دقيقة للمخاطر المصاحبة لها.

وخلال السنوات الماضية، تطوّر الصراع الأمريكي ـ الإيراني ليأخذ طابعًا مركّبًا يرتبط بتوازنات القوة وحدود الردع وأشكال الحضور الإقليمي. وقد فرض هذا الطابع نمطًا من المعالجة يقوم على إدارة الخلافات السياسية بما يحدّ من المخاطر المتراكمة ويقلّص احتمالات سوء التقدير. وفي هذا الإطار، تؤدي الوساطة العُمانية وظيفة تنظيمية تسهم في تهدئة الخطاب، وإدارة الحوار، وتوفير بيئة تسمح بإعادة تقييم المواقف بعيدًا عن ضغوط أطراف إقليمية أخرى لها مصلحة مباشرة في تفجير الصراع، وفي مقدمتها إسرائيل.

في هذا السياق، تكتسب الوساطة العُمانية بعدًا عمليًا إضافيًا، يتمثل في قدرتها على ضبط اندفاع الخطاب السياسي الأمريكي في لحظة اتسمت بتصاعد لهجة التهديد الصادرة عن الرئيس دونالد ترامب تجاه إيران خلال الأسبوع الماضي. فإعادة فتح مسار تفاوضي، حتى في حدوده الأولية، تُنتج أثرًا مباشرًا على سلوك القرار السياسي، وتحدّ من قابلية تحويل الخطاب التصعيدي إلى سياسات فعلية، بما يقلّص احتمالات الذهاب إلى خيارات يصعب التحكم في تداعياتها الإقليمية.

يمكن إذن فهم الوساطة العُمانية بوصفها أداة لتنظيم مسارات الصراع وخفض كلفته الإقليمية، انطلاقًا من إدراك واعٍ بأن أي تصعيد واسع بين واشنطن وطهران ستكون له تداعيات تتجاوز طرفي الصراع لتطول أمن الخليج واستقرار المنطقة، وهو ما يفسّر الحرص المستمر على إبقاء مسارات التواصل السياسي قائمة، والعمل على منع تحوّل الصراع إلى مواجهة عسكرية يخسر فيها الجميع.

ويتضح الدور العُماني بصورة أكبر عند النظر إليه في سياقه التاريخي. فالوساطة الحالية تستند إلى رصيد تراكمي تشكّل على مدى سنوات من الأدوار التي اضطلعت بها سلطنة عمان في نزع فتيل التوتر في ملفات شديدة الحساسية. ولا يُنسى في هذا السياق الدور المحوري الذي قامت به عُمان في تهيئة القنوات التي مهّدت للمفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأعوام 2013-2015، وهي المفاوضات التي انتهت بالتوصل إلى الاتفاق النووي. غير أن هذا الاتفاق أُلغي لاحقًا خلال الفترة الرئاسية الأولى لدونالد ترامب، وفي سياق تحوّل في الموقف الأمريكي تجاه إيران، الأمر الذي أعاد إنتاج حالة من التوتر وعدم اليقين على المستوى الإقليمي.

وسبقت ذلك وساطة عُمانية في الإفراج عن مواطنين أمريكيين كانوا محتجزين في إيران، وهي تجربة أسهمت في ترسيخ الثقة المتبادلة في قدرة عُمان على إدارة الملفات الحساسة بسرية واتزان. وعلى المستوى الإقليمي، حافظت سلطنة عمان على حضور دبلوماسي فاعل خلال الأزمة الخليجية، وأسهمت في جمع أطراف إقليمية متخاصمة على مائدة الحوار، ونجحت في خفض مستويات التصعيد وفتح مسارات سياسية لمعالجة القضايا العالقة.

ومن المؤكد أن الوساطة العُمانية لا تتحرك في فراغ، وتعمل ضمن بيئة إقليمية تتسم بتشابك غير مسبوق بين الملفات، حيث يصعب عزل الصراع الأمريكي–الإيراني عن قضايا الطاقة وأمن الملاحة والتوازنات العسكرية في الخليج، فضلًا عن تداعيات الأزمات الإقليمية المجاورة. ويجعل هذا التشابك من أي تصعيد غير محسوب عاملًا مضاعفًا للمخاطر، ويمنح الأدوار الدبلوماسية القادرة على الضبط قيمة استراتيجية تتجاوز نتائجها المباشرة. وفي هذا السياق، تؤدي الدبلوماسية العُمانية وظيفة استباقية تتمثل في تقليل احتمالات انتقال التوتر من مستواه السياسي إلى مستويات أكثر حدّة، عبر إدارة التفاوض بين الأطراف المعنية.

وتتمثل خصوصية الوساطة العُمانية في طبيعة المساحة التي تتحرك داخلها، وهي مساحة تتطلب قدرًا عاليًا من الهدوء والانضباط السياسي. وقد أتاح هذا الأسلوب لمسقط هامش حركة فعليًا في التعامل مع أطراف الصراع، بعيدًا عن ضغوط الخطاب العلني والتوظيف الإعلامي. ففي مثل هذه الملفات الحساسة، تصبح القدرة على العمل بصمت شرطًا أساسيًا لاستمرار التواصل، خاصة عندما تكون الأطراف المعنية خاضعة لحسابات سياسية داخلية وإقليمية معقّدة.

ويمكن فهم الوساطة العُمانية في الصراع الأمريكي–الإيراني بوصفها جهدًا يركّز على تثبيت التوازنات القائمة ومنع اهتزازها، انطلاقًا من إدراك لطبيعة الإقليم وما يفرضه من تداخل للمصالح وتشابك للمسارات، وتكشف التجربة أن إدارة الخلاف، حين تُمارس بقدر كافٍ من الانضباط السياسي، تسهم في تقليص احتمالات الانزلاق نحو مسارات أكثر كلفة على جميع الأطراف.

تتضح أهمية المقاربة العُمانية بصورة أكبر عند النظر إلى طبيعة المرحلة التي تمر بها المنطقة، وهي مرحلة تتسم بتراجع فاعلية الأطر الدولية التقليدية في إدارة النزاعات، وباتساع نطاق الأزمات وتشابكها على نحو يجعل التعامل معها أكثر تعقيدًا.

في هذا السياق، برزت الحاجة إلى أدوار دبلوماسية قادرة على العمل باستمرارية، وعلى مرافقة الخلافات السياسية دون دفعها إلى مسارات أكثر حدّة، وهو ما يفسّر الحضور المتكرر للدور العُماني في محطات التهدئة الإقليمية.

وينطلق هذا الدور من تصور أوسع للأمن الإقليمي، يقوم على ضبط الإيقاع السياسي للفاعلين الإقليميين، وإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، وتقليص التوتر وعدم الدخول في مسارات تصعيدية.

بالنظر إلى أن مسار الوساطة الأخيرة ما زال في طوره المفتوح، بعد اتفاق الطرفين على مواصلة الحوار، فإن الحكم على نتائجها لا يرتبط بما يُعلن عنها في المدى القريب، ولكن بما يمكن أن تُحدثه من أثر تراكمي في إبقاء الخلاف ضمن نطاق يمكن التحكم فيه. وبهذا المعنى، يمكن القول إن الوساطة العُمانية تكتسب بعدًا عمليًا إضافيًا، يتمثل في قدرتها على ضبط اندفاع الخطاب السياسي الأمريكي في وقت اتسم بتصاعد لهجة التهديد الصادرة عن الرئيس دونالد ترامب تجاه إيران خلال الأسبوع الماضي.

إن إعادة فتح مسار تفاوضي بين أمريكا وإيران، حتى في حدوده الأولية، سيكون له تأثير مباشر على سلوك الطرفين، ومن شأنه أن يخفض قابلية تحويل الخطاب التصعيدي إلى إجراءات عسكرية، ويقلّص احتمالات الذهاب إلى حرب يصعب التحكم في تداعياتها الإقليمية.