ديناميكيات التجارة في دول مجلس التعاون
النفط كعامل زمني لا كمحرّك ثابت
الثلاثاء / 21 / شعبان / 1447 هـ - 13:50 - الثلاثاء 10 فبراير 2026 13:50
«عمان» - يُنظر إلى تقلب أسعار النفط باعتباره التحدي الرئيس لاقتصادات دول مجلس التعاون في حين يكمن التحدي الحقيقي في كيفية تغير أثر النفط على التجارة بمرور الزمن؛ فبينما يشكل النفط محركا قويا لتوسع التجارة على المدى القصير تظهر الأدلة أن هذا الدور يضعف تدريجيًا، بل قد يتحوّل إلى قيد على النمو التجاري في المدى المتوسط والطويل إذا لم يُدعم بإصلاحات هيكلية وتنويع اقتصادي حقيقي.
وتمثل دول مجلس التعاون حالة تحليلية فريدة تجمع بين اعتماد مرتفع على صادرات الطاقة ومساعٍ متواصلة لتنويع القاعدة الاقتصادية، وتتيح هذه الازدواجية فهماً أعمق لكيفية تفاعل أسعار النفط مع تدفقات التجارة والاستقرار الاقتصادي عبر الزمن، وهو ما تتناوله ورقة «ديناميكيات تدفقات التجارة في دول مجلس التعاون الخليجي: أسعار النفط والتحليلات الزمنية»، التي يستعرضها هذا المقال من منظور اقتصادي وتحليلي.
تؤكد الدراسات أن النفط يظل عنصرًا محوريًا في تشكيل الاقتصادات المحلية والعالمية؛ نظرًا لتأثير أسعاره المباشر في تكاليف الإنتاج وإيرادات الحكومات ومستويات التنافسية التجارية. وتنعكس هذه التأثيرات بشكل مختلف بين الدول المصدرة والمستوردة للنفط؛ ففي الدول المصدرة ومنها دول مجلس التعاون غالبًا ما تسهم فترات ارتفاع أسعار النفط في تعزيز القدرات المالية، وتوسيع النشاط التجاري في حين يمكن أن تؤدي التقلبات الحادة في الأسعار إلى إرباك التخطيط الاقتصادي وإضعاف مسارات النمو. كما تشير دراسات سابقة استعرضتها الورقة إلى أن العلاقة بين أسعار النفط والنمو الاقتصادي تتغير باختلاف دورات الأعمال ومستويات الأسعار، إلا أن البعد الزمني لتأثير صدمات أسعار النفط على تجارة دول مجلس التعاون لا يزال محدود التناول خاصةً فيما يتعلق بمدى استمرارية هذه الآثار بين المدى القصير والمتوسط والطويل.
وتاريخيًا اتسمت أسعار النفط بتقلبات عالية استجابةً لأزمات عالمية كبرى، مثل الأزمة المالية الآسيوية عام 1998، والأزمة المالية العالمية عام 2008، وجائحة كوفيد-19 خلال الفترة 2020–2021، وانعكست هذه الصدمات بشكل مباشر على نتائج التجارة في دول مجلس التعاون؛ إذ ترافقت فترات ارتفاع الأسعار مع توسع في الناتج المحلي الإجمالي والتجارة في حين قيدت فترات الانخفاض الحيز المالي والأرصدة الخارجية. ويبرز في هذا السياق الدور الاستراتيجي لدول مجلس التعاون بوصفها من كبار المصدّرين للطاقة وما يترتب على ذلك من أهمية لقضايا أمن الطاقة، وتنويع القاعدة التجارية.
وتشير الورقة إلى أن الاقتصادات الخليجية تمتلك نحو 30% من الاحتياطيات العالمية من النفط الخام ما يجعلها مرتبطة بشكل وثيق بدورات أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي عائدات النفط دورًا محوريًا في دعم النمو الاقتصادي، وتمويل الإنفاق الحكومي، وتعزيز تدفقات التجارة، إلا أن هذا الارتباط القوي يجعل هذه الاقتصادات أكثر عرضة للصدمات الخارجية. كما تُظهر البيانات التاريخية أن فترات ارتفاع أسعار النفط غالبًا ما تترافق مع توسع في النشاط التجاري في حين تؤدي الانخفاضات الحادة في الأسعار إلى تباطؤ النمو، وتراجع التبادلات التجارية بما يعكس اعتمادًا هيكليًا على دورات أسعار الطاقة.
ولتفسير هذه العلاقة اعتمدت الورقة على نموذج الجاذبية في التجارة الدولية الذي يربط تدفقات التجارة بالحجم الاقتصادي للدول والمسافة الجغرافية بينها مع توسيع نطاقه ليشمل متغيرات مرتبطة بأسواق الطاقة. وأشارت الدراسات التي استندت إليها الورقة إلى أن أسعار النفط لا تؤثر في حجم التجارة فحسب، بل تمتد آثارها إلى توزيعها الجغرافي؛ إذ تميل فترات ارتفاع الأسعار إلى تقليص نطاق التجارة، وتركيزها مع الشركاء الأقرب جغرافيًا في حين تتيح فترات انخفاض الأسعار اتساعها على نطاق عالمي أوسع.
كما تؤكد الأدبيات أن هذا التباين يفرز فجوة واضحة بين الاقتصادات المصدّرة للطاقة والمستوردة لها، حيث تتحسن الموازين التجارية للدول المصدّرة خلال فترات ارتفاع الأسعار، مقابل تدهورها لدى الدول المستوردة. وتنطلق الورقة من ملاحظة أن الدراسات التي تناولت تجارة دول مجلس التعاون لا تزال محدودة، خصوصًا تلك التي تعتمد نماذج ديناميكية قادرة على تتبع التغيرات عبر الزمن، وفي هذا السياق تسعى الورقة إلى سد هذه الفجوة من خلال تحليل تدفقات التجارة الثنائية لدول المجلس مع شركائها التجاريين وبالاستناد إلى بيانات تمتد من عام 1990 إلى عام 2020، واستخدام نماذج قياسية ديناميكية تميّز بين الآثار قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل.
-ماذا تقول النتائج؟ النفط محفّز قصير الأجل ومقيّد طويل الأجل -
تكشف النتائج عن صورة متعددة الأبعاد لديناميكيات التجارة في دول مجلس التعاون، فمن جهة تُظهر البيانات أن تدفقات التجارة تتسم بدرجة عالية من الاستمرارية، حيث تؤثر العلاقات التجارية القائمة بشكل واضح في الأداء الحالي خاصة على المدى القصير، مما يعكس قوة الروابط التجارية بين الدول واعتماد الشركات والحكومات على شبكات توريد وأسواق مستقرة نسبيًا، غير أن هذه الاستمرارية لا تبقى على حالها مع مرور الوقت، فمع الانتقال إلى المدى المتوسط يبدأ تأثير العلاقات التجارية السابقة في التراجع قبل أن يتحول إلى تأثير سلبي على المدى الطويل، وتشير هذه النتيجة إلى أن الروابط التجارية التاريخية - رغم أهميتها على المدى القريب - لا تكفي وحدها لضمان استدامة التجارة، إذ تصبح العوامل الهيكلية الأعمق مثل الإنتاجية والتنويع الاقتصادي وجودة المؤسسات أكثر تأثيرًا على المدى البعيد.
وفيما يتعلق بأسعار النفط فتظهر النتائج أن تأثيرها يختلف باختلاف الأفق الزمني، فعلى المدى القصير تسهم ارتفاعات أسعار النفط في زيادة قوية في تدفقات التجارة نتيجة ارتفاع الإيرادات النفطية وزيادة الطلب خلال فترات الطفرات، عدا أن هذا الأثر الإيجابي لا يستمر ويتحول تأثير أسعار النفط إلى سلبي على المديين المتوسط والطويل بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج وتباطؤ الطلب العالمي أو توجه الشركاء التجاريين إلى بدائل أقل اعتمادًا على الطاقة.
ورغم هذا التحول، تبرز هنا نتيجة مهمة تتمثل في أن التفاعل بين أسعار النفط وتباطؤ التجارة يظل إيجابيًا وذا دلالة إحصائية، ويعني ذلك أن صدمات أسعار النفط حتى عندما يضعف تأثيرها المباشر تميل إلى دعم العلاقات التجارية القائمة بدلًا من إضعافها مما يعكس الدور الهيكلي المتجذر للنفط في اقتصادات دول مجلس التعاون مع الإشارة في الوقت نفسه إلى حدود هذا الدور على المدى الطويل.
أما المتغيرات التقليدية في نموذج الجاذبية، مثل المسافة الجغرافية ودخل الدولة الشريكة، فتعمل كما هو متوقع في المدى القصير، حيث تؤدي المسافة إلى تقليص حجم التجارة في حين يسهم ارتفاع الدخل في زيادة التبادل التجاري، إلا أن تأثير هذه العوامل يتراجع على المديين المتوسط والطويل مما يشير إلى أن العوامل الجغرافية والاقتصادية المباشرة تصبح أقل أهمية مع ترسخ الأنماط المؤسسية والهيكلية للتجارة.
وتخلص الورقة إلى أن استدامة التجارة في دول مجلس التعاون بعد تجاوز الصدمات الآنية المرتبطة بأسعار النفط ونمو الدخل، تتطلب إصلاحات هيكلية أعمق وجهود تكامل اقتصادي أكثر شمولًا تتجاوز الاعتماد التقليدي على قطاع الطاقة.
إدارة الزمن لا الصدمة فقط
ومن منظور السياسات الاقتصادية تحمل نتائج الورقة دلالات متعددة تختلف باختلاف الأفق الزمني، فعلى المدى القصير تشير النتائج إلى أهمية تركيز صانعي السياسات على الحد من تقلبات أسواق النفط نظرًا لتأثيرها القوي في تدفقات التجارة، حيث يمكن لأدوات مثل صناديق الاستقرار وآليات التحوط والسياسات المالية المعاكسة للدورات الاقتصادية أن تسهم في تقليل أثر الانخفاضات الحادة في أسعار النفط على النشاط التجاري، كما يمكن لبعض تدابير السياسة التجارية قصيرة الأجل، بما في ذلك التعديلات المؤقتة في الرسوم الجمركية أو الدعم الموجه أن تخفف من وطأة الصدمات الفورية على القطاعات الأكثر تأثرًا.
وعلى المدى المتوسط تبرز أولوية التنويع الاقتصادي مع تراجع حساسية التجارة لتقلبات أسعار النفط، وتشير النتائج إلى أن القطاعات غير النفطية تبدأ في لعب دور أكبر في تشكيل أنماط التجارة مما يفتح المجال أمام استثمارات استراتيجية في مجالات الصناعة والخدمات والتكنولوجيا، ويسهم هذا المسار في تقليل الاعتماد على دورات النفط وتعزيز قدرة الاقتصادات على الصمود في مواجهة الصدمات الخارجية.
أما على المدى الطويل، فتؤكد الورقة أن الإصلاحات الهيكلية تمثل عنصرًا أساسيًا لضمان استدامة النمو التجاري، وتشمل هذه الإصلاحات التوسع في مصادر الطاقة المتجددة، وتطوير البنية الأساسية الرقمية، وتعزيز الصناعات القائمة على المعرفة وبالتوازي مع ذلك، يبرز دور تعميق الاتفاقيات التجارية الإقليمية وتحديث شبكات النقل والخدمات اللوجستية في خفض تكاليف التجارة وتعزيز التكامل الاقتصادي داخل المنطقة.
وتخلص المقارنة بين الآفاق الزمنية المختلفة أن السياسات الاقتصادية الأكثر فاعلية هي تلك التي تراعي البعد الزمني ولا تعتمد نهجًا موحدًا لجميع المراحل، فالتدخلات قصيرة الأجل تركز على تحقيق الاستقرار وإدارة التقلبات، في حين تسعى السياسات متوسطة الأجل إلى ترسيخ مسار التنويع، بينما تهدف الاستراتيجيات طويلة الأجل إلى بناء أسس نمو مستدام قائم على الابتكار والمرونة، ومن خلال مواءمة السياسات مع الديناميكيات الزمنية للتجارة، يمكن لدول مجلس التعاون إدارة الانتقال من الاعتماد على النفط إلى اقتصادات أكثر تنوعًا بشكل أكثر فاعلية.
الخلاصة: النفط والديناميكيات
الزمنية للتجارة
وعلى الرغم من أن الورقة تقدم أدلة قوية حول تطور تدفقات التجارة في دول مجلس التعاون عبر الزمن، فإنها تشير أيضًا إلى عدد من القيود، إذ يركز التحليل على إجمالي التجارة الثنائية مما قد يخفي الفروق بين القطاعات المختلفة خصوصًا أن قطاعات الطاقة والصناعة والخدمات لا تتأثر بالطريقة نفسها بصدمات أسعار النفط، كما تدعو إلى دراسة أثر التقنيات الناشئة والتحول نحو الطاقة المتجددة في إعادة تشكيل أنماط التجارة في دول مجلس التعاون، خاصة في ظل الاستثمارات المتزايدة في البنية الأساسية الرقمية والطاقة الخضراء وتحديث الخدمات اللوجستية، حيث يمكن أن تسهم الدراسات المقارنة بين دول المجلس ومناطق أخرى مصدرة للطاقة في تقديم رؤى أوسع حول العلاقة بين الاعتماد على النفط واستراتيجيات التنويع على المستوى العالمي.
وتؤكد الورقة أن العلاقة بين أسعار النفط وتجارة دول مجلس التعاون علاقة معقدة ومتغيرة عبر الزمن، فبينما يظل النفط عاملًا رئيسيًا في دعم التجارة على المدى القصير، تظهر الورقة أن تأثيره المباشر يتراجع بل وقد يتحول إلى تأثير معاكس على المدى الطويل، كما خلصت إلى أن التنويع الاقتصادي والإصلاحات الهيكلية لم يعودا مجرد خيارات لتحسين الأداء بل أصبحا ضرورة لضمان استدامة التجارة والنمو الاقتصادي، وبناءً على ذلك يتعين على صانعي السياسات تبني نهج مزدوج يقوم على إدارة صدمات النفط في الأجل القصير، بالتوازي مع الاستثمار المستمر في مسارات طويلة الأجل تعزز مرونة الاقتصادات واستدامتها.
أعدّ الورقة جمال الشيذاني، وعثمان غلسيفن، ولقمان زعيبت، وبهناز صابوري، وابتسام العبرية – قسم اقتصاد الموارد الطبيعية، بكلية العلوم الزراعية والبحرية، بجامعة السلطان قابوس.
عُرضت الورقة في المؤتمر السنوي الخامس لشبكة البحوث الإقليمية للبنوك المركزية في منطقة MENAAP، الذي استضافه البنك المركزي العُماني في مسقط خلال فبراير 2026.