أفكار وآراء

الملكية الفكرية والذكاء الاصطناعي

في خضم التحولات التقنية المُتسارعة التي يشهدها العالم أصبح الذّكاء الاصطناعيّ عنصرًا فاعلًا كأحد العوامل المؤثرة في إنتاج المعرفة، وداعمًا رئيسًا للإبداع والابتكار متجاوزًا دوره التقليدي كأداة تقنية. ومع هذا التحول التقني المتسارع تتزايد التساؤلات حول مدى قدرة الأطر التشريعية والتنظيمية النافذة للملكية الفكرية على التكيّف مع واقع جديد لم يعد فيه الإبداع حكرًا على الإنسان وحده.

ففي ظل التدفق الهائل للمحتوى الرقمي وتسارع توليد الاختراعات وظهور العلامات التجارية الرقمية تواجه التشريعات والأطر التنظيمية النافذة بعض التحديات؛ إذ صيغت في سياق أنّ الإبداع البشري بوصفه مصدر الملكية الفكرية، وليس بوصفه ناتجًا عن أنظمة أو أدوات ذّكاء اصطناعيّ.

على الصعيد الدولي شهدت السنوات الأخيرة حراكًا تشريعيًا لإعادة ضبط العلاقة بين الذّكاء الاصطناعيّ والملكية الفكرية. فقد أقرّ الاتحاد الأوروبي قانون الذّكاء الاصطناعيّ (AI Act) عام 2024، واضعًا إطارًا تشريعيًا وتنظيميًا شاملاً يركز على الشفافية والمساءلة، لا سيما فيما يتعلق باستخدام البيانات المحمية بحقوق المؤلف في تدريب النماذج الذكية.

كما عزز التوجيه الأوروبي لحقوق المؤلف في السوق الرقمية رقم 790 /2019 الصادر في 2019 حماية المحتوى في البيئة الرقمية من خلال إقرار استثناءات منظمة للتنقيب في النصوص والبيانات، ولا سيما لأغراض البحث العلمي وفقًا للمادة رقم (3) من التوجيه الأوروبي إلى جانب السماح بالتنقيب لأغراض أخرى بما فيها التجارية مع إتاحة حق الاستثناء لأصحاب الحقوق صراحةً وفقًا للمادة (4) من التوجيه ذاته، وهو ما يعكس مقاربة تشريعية تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الابتكار التقني، خاصة في مجال الذّكاء الاصطناعيّ وحماية حقوق المؤلف في السوق الرقمية.

وتؤكد المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO,2020) أن الذّكاء الاصطناعيّ يعيد صياغة بيئة استخدام العلامات التجارية من خلال تدخله في عملية الشراء ذاتها بما يحدّ من نطاق الاختيار البشري، ويثير تساؤلات حول مدى ملاءمة مفاهيم قانونية تقليدية -كالمستهلك العادي والالتباس والمسؤولية- لواقع تقني جديد تقوده أدوات الذّكاء الاصطناعيّ.

أما في المملكة المتحدة فقد عالج قانون حقوق الطبع والتصاميم وبراءات الاختراع الصادر في 1988 موضوع الأعمال المُنتجة بالحاسوب؛ حيث نصّت المادة 9(3) على إسناد صفة المؤلف إلى الشخص الذي قام بالترتيبات اللازمة لإنشاء العمل في محاولة مبكرة لمعالجة الإشكاليات المرتبطة بالإنتاج غير البشري للمصنفات. ويُستأنس بهذا النص عند مناقشة الأعمال المنتَجة بالذّكاء الاصطناعيّ، غير أن الجدل لا يزال قائمًا حول مدى كفايته للتعامل مع أدوات الذّكاء الاصطناعيّ التي تنتج محتوى دون تدخل بشري مباشر.

وفي الولايات المتحدة اتخذ مكتب حقوق الطبع والنشر، ولا سيما في إرشاداته وقراراته الصادرة في 2023 موقفًا أكثر تحفظًا؛ إذ أكد أن حماية حقوق المؤلف تقتصر على الأعمال التي تتضمن مساهمة بشرية جوهرية رافضًا تسجيل المصنفات التي أُنتجت بالكامل بواسطة الذّكاء الاصطناعيّ، وهو توجه يعكس تمسكًا تقليديًا بمفهوم المؤلف في مواجهة مخاوف التوسع غير المنضبط في نطاق الحماية.

وفي السياق الخليجي أدخلت دولة الإمارات العربية المتحدة تعديلات جوهرية على منظومة الملكية الفكرية شملت قانون حقوق المؤلف والحقوق المجاورة بموجب قانون اتحادي رقم (38) لسنة 2021، وقانون العلامات التجارية بموجب قانون اتحادي رقم (36) لسنة 2021 إلى جانب تنظيم حقوق الملكية الصناعية بموجب قانون اتحادي رقم (11) لسنة 2021 بما يعكس توجهًا تشريعيًا وتنظيميًا يواكب التحولات الرقمية والاقتصاد القائم على المعرفة والتقنية والابتكار.

في حين اتجهت المملكة العربية السعودية إلى تحديث منظومة الملكية الفكرية من خلال إنشاء الهيئة السعودية للملكية الفكرية بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (496) لسنة 2018؛ حيث صدر نظام حقوق المؤلف الجديد بموجب المرسوم الملكي رقم (م/41) الصادر عام 2023م بديلًا عن نظام حقوق المؤلف الصادر عام 2003، كما جرى تطوير تطبيق نظام براءات الاختراع والتصميمات التخطيطية للدارات المتكاملة والنماذج الصناعية لدول مجلس التعاون الخليجي الصادر عام 2014 على مستوى الإجراءات والإنفاذ إلى جانب تطبيق نظام العلامات التجارية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الصادر عام 2014.

وفي السياق المحلي أصدرت سلطنة عُمان المرسوم السلطاني رقم 33/2017 بشأن نظام العلامات التجارية لدول مجلس التعاون الذي يعزز الحماية الموحدة للعلامات، غير أنه لا يعالج التطورات المستجدة المرتبطة بالعلامات الرقمية أو الذّكاء الاصطناعيّ. وتُظهر القوانين والأطر التنظيمية النافذة في سلطنة عُمان متانة تشريعية، إلا أنها صيغت في سياق تشريعي سابق للتحولات التقنية المتسارعة، لا سيما في مجال الذّكاء الاصطناعيّ. إذ ينظم المرسوم السلطاني رقم 82/2000 براءات الاختراع محددًا شروطها من حيث الأصالة والخطوة الإبداعية والقابلية للتطبيق الصناعي مع افتراض ضمني بأن المخترع شخص طبيعي. كما ينظم المرسوم السلطاني رقم 67/2008 قانون الملكية الصناعية واضعًا إطارًا تشريعيًا وتنظيميًا لحماية المصنفات والعلامات التجارية، لكنه لا يتطرق صراحة إلى الإبداع الآلي أو استخدام الذّكاء الاصطناعيّ في إنتاج المحتوى.

في ضوء هذه المقارنات يتضح أن التحدي لا يكمن في غياب الحماية القانونية في سلطنة عُمان، بل في الحاجة إلى تحديث التشريعات والأطر التنظيمية النافذة أو تطوير آليات تفسيرها بما يواكب التحولات والطفرات التقنية المتسارعة، ولا سيما أدوات الذّكاء الاصطناعيّ. فإدخال مفاهيم مثل الإبداع الآلي، وتنظيم استخدام البيانات في تدريب أدوات الذّكاء الاصطناعيّ، وتحديد المسؤولية القانونية عن مخرجاتها أصبحت ضرورة لضمان توازن مستدام بين تشجيع الابتكار وحماية الحقوق. ومن هنا تبرز أهمية تبنّي أطر تشريعية وتنظيمية مرنة واستشرافية تضع سلطنة عُمان في موقع متقدم إقليميًا وعالميًا ضمن الاقتصاد القائم على المعرفة والتقنية والابتكار، وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية القانونية عن مخرجات الذكاء الاصطناعي في سياق الملكية الفكرية: المبرمج، أم المستخدم، أم شركة التصنيع؟