لماذا يحتاج الغرب إلى المهاجرين؟
ترجمة: بدر بن خميس الظّفري
الاثنين / 20 / شعبان / 1447 هـ - 21:32 - الاثنين 9 فبراير 2026 21:32
أنا رئيس وزراء إسبانيا، وسأشرح في هذا المقال لماذا يحتاج الغرب إلى المهاجرين؟ تخيل أنك قائد لدولة تواجه معضلة تتمثل في وجود نحو نصف مليون شخص يعيشون في بلدك، وهم عنصر أساسي في الحياة اليومية للجميع. يعتنون بكبار السن، ويعملون في الشركات الصغيرة والكبيرة، ويجنون المحاصيل التي تصل إلى موائدنا. وهم أيضا جزء من مجتمعك؛ يمشون في الحدائق في عطلات نهاية الأسبوع، ويذهبون إلى المطاعم، ويلعبون في فرق كرة القدم المحلية للهواة.
غير أن أمرا واحدا يميز هؤلاء عن بقية السكان، وهو أنهم لا يملكون الوثائق القانونية التي تسمح لهم بالإقامة؛ وبسبب ذلك لا يتمتعون بالحقوق نفسها التي يتمتع بها المواطنون، ولا يستطيعون أداء الواجبات ذاتها؛ فلا يمكنهم الالتحاق بالتعليم العالي، أو دفع الضرائب، أو الإسهام في نظام الضمان الاجتماعي، فماذا ينبغي أن نفعل بهم؟
اختار بعض قادة الدول ملاحقة هؤلاء المهاجرين وترحيلهم عبر عمليات تفتقر إلى الشرعية، وتميل إلى القسوة.
أما حكومتي فقد اختارت مسارا سريعا وبسيطا لتسوية أوضاعهم القانونية؛ ففي الشهر الماضي أصدرت حكومتي مرسوما يجعل ما يصل إلى نصف مليون مهاجر بلا وثائق في إسبانيا مؤهلين للحصول على تصاريح إقامة مؤقتة بشروط محددة قابلة للتجديد بعد عام.
وقد قمنا بذلك لسببين: الأول -وهو الأهم- أخلاقي؛ فقد كانت إسبانيا يوما ما بلدا للمهاجرين. انتقل أجدادنا وآباؤنا وأبناؤنا إلى أمريكا وأجزاء أخرى من أوروبا بحثا عن مستقبل أفضل خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وكذلك بعد الأزمة المالية في عام 2008. واليوم انعكست الصورة؛ فاقتصادنا يزدهر، والأجانب يقصدون إسبانيا.
ومن واجبنا أن نصبح المجتمع المرحِب المتسامح الذي كان أقاربنا يأملون أن يجدوه وراء الحدود.
أما السبب الثاني فهو عملي بحت؛ فالغرب يحتاج إلى هؤلاء الناس؛ ففي الوقت الحالي لا تسجل معظم دوله نموا سكانيا متصاعدا. وإذا لم تعتمد على الهجرة فإنها ستواجه تراجعا ديموغرافيا حادا يمنعها من الحفاظ على اقتصاداتها وخدماتها العامة. سيتباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي، وستتضرر أنظمة الرعاية الصحية العامة والتقاعد. ولن يكون الذكاء الاصطناعي ولا الروبوتات قادرة على تجنب هذه النتيجة في المدى القريب أو المتوسط. والخيار الوحيد لتفادي التراجع هو دمج المهاجرين بأكثر الطرق انتظاما وفعالية.
لن يكون الأمر سهلا. نحن ندرك ذلك؛ فالهجرة تجلب فرصا، لكنها تحمل أيضا تحديات كبيرة يجب الاعتراف بها ومواجهتها.
ومع ذلك من المهم إدراك أن معظم تلك التحديات لا ترتبط بأصول المهاجرين أو أعراقهم أو دياناتهم أو لغاتهم، بل تنبع من العوامل نفسها التي تؤثر في مواطنينا مثل الفقر، وعدم المساواة، والأسواق غير المنظَمة، والعوائق أمام التعليم والرعاية الصحية. وينبغي أن نركز جهودنا على معالجة هذه القضايا؛ لأنها التهديد الحقيقي لأسلوب حياتنا.
كثير من الحكومات اليوم لا يؤيد تسوية أوضاع المهاجرين، لكن عدد المؤيدين أكبر مما نظن؛ فقد بدأت المبادرة في إسبانيا كمشروع قاده المواطنون وأيدته أكثر من 900 منظمة غير حكومية بما فيها الكنيسة الكاثوليكية، وحظيت بدعم جمعيات رجال الأعمال والنقابات العمالية. والأهم أنها تحظى بتأييد شعبي؛ إذ يرى نحو ثلثي الإسبان أن الهجرة تمثل فرصة أو ضرورة لبلدنا وفق استطلاع حديث.
قد يقول قادة يتبعون نهج «ماغا» -وهو شعار ترامب (لنجعل أمريكا عظيمة مجددا)-: إن بلدنا لا يستطيع استيعاب هذا العدد من المهاجرين، وإن ذلك خطوة انتحارية، ودليل على انهيار الدولة، لكن لا تنخدعوا؛ فإسبانيا مزدهرة. فعلى مدى ثلاث سنوات متتالية حققنا أسرع نمو اقتصادي بين كبرى دول أوروبا، وأوجدنا ما يقرب من وظيفة من كل ثلاث وظائف جديدة في الاتحاد الأوروبي، وتراجعت البطالة إلى أقل من عشرة في المائة للمرة الأولى منذ نحو عقدين. كما ارتفعت القدرة الشرائية للعمال، وتراجعت معدلات الفقر وعدم المساواة إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2008. وهذه الرفاهية نتاج عمل المواطنين الإسبان، وجهود الاتحاد الأوروبي، ورؤية شاملة ترى في المهاجرين شركاء ضروريين.
ما نجح لدينا يمكن أن ينجح لدى الآخرين. لقد حان الوقت ليتحدث القادة بوضوح مع مواطنيهم حول المعضلة التي نواجهها جميعا. علينا كدول غربية أن نختار بين أن نصبح مجتمعات منغلقة وفقيرة أو مجتمعات منفتحة مزدهرة. التقدم أو الانكفاء؛ هذان هما الخياران أمامنا. وعندما أتحدث عن التقدم لا أعني المكاسب المادية فحسب، بل تطورنا الإنساني أيضا.
قد تنجذب الحكومات إلى خطاب اليمين المتطرف الذي يقدم العلاقات أنها صراع لا يتحقق فيه الربح إلا بخسارة الآخرين، فتنزلق نحو العزلة وشح الموارد وتغليب الأنانية والانكفاء على الذات. ويمكنها في المقابل أن تستثمر القوى ذاتها التي مكنت مجتمعاتنا من الازدهار عبر قرون رغم الصعوبات.
بالنسبة إلي؛ الخيار واضح. ومن أجل ازدهارنا وكرامتنا الإنسانية آمل أن يحذو كثيرون حذونا.
بيدرو سانشيز رئيس وزراء إسبانيا
الترجمة عن نيويورك تايمز