كيف يتحول قطاع الفضاء في سلطنة عمان إلى محرك استثماري وتنموي؟
الاثنين / 20 / شعبان / 1447 هـ - 18:55 - الاثنين 9 فبراير 2026 18:55
عمار الفهدي: أهمية تتبع المؤشرات الاقتصادية لقياس نمو واستدامة القطاع.
محمد العلوي: السياسات الوطنية للفضاء بوابة الاستثمار وبناء قطاع اقتصادي مستدام.
حمد الشكيلي: نركز على بناء بيئة فضائية يقودها القطاع الخاص بدعم حكومي منظم.
صالح العامري: الاتصالات تتصدر القطاعات الفضائية الأعلى عائدًا والأقل مخاطرة.
تتسارع اليوم الاستثمارات العالمية في اقتصاد الفضاء، الذي بات يُعد من أبرز القطاعات الدافعة للنمو الاقتصادي والتحول الرقمي، في ظل اتساع استخداماته التجارية والتكنولوجية، وتشير تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن اقتصاد الفضاء مرشح للوصول إلى نحو 1.8 تريليون دولار بحلول عام 2035، مدفوعًا بتوسع خدمات الاتصالات، والاستشعار عن بُعد، وتطبيقات البيانات الفضائية.
وتنتهج سلطنة عُمان خططًا طموحة لتطوير هذا القطاع، من خلال السياسة الوطنية للفضاء 2023–2033 التي أطلقتها وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، بهدف بناء منظومة فضائية متكاملة تسهم في دعم التنويع الاقتصادي وتعزيز مكانة سلطنة عُمان كمركز إقليمي للخدمات والتطبيقات الفضائية، وقد سجّل قطاع الفضاء في سلطنة عُمان نموًا بنحو 200% في حجم الاستثمارات، ما أسهم في مضاعفة عدد الشركات العاملة في هذا المجال وخلق فرص عمل جديدة.
وأطلقت الوزارة برنامج المسرعات الفضائية لدعم 10 شركات ناشئة وطنية في تطوير حلول وخدمات فضائية مبتكرة، بما يعزز من جاذبية القطاع للاستثمار ويفتح آفاقًا جديدة أمام الشركات المحلية للدخول في سلاسل القيمة الفضائية.
وأجرت 'عُمان' استطلاعًا صحفيًا مع عدد من الخبراء والمختصين، لاستطلاع آرائهم حول الأبعاد الاقتصادية لقطاع الفضاء، ومدى قدرته على دعم التنويع الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص عمل نوعية.
وقال حمد بن ناصر الشكيلي، مدير دائرة مشاريع برنامج الفضاء بوزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، إن القطاع الخاص، خاصة الشركات الناشئة، يُعد أحد المحركات الرئيسة لتطوير قطاع الفضاء، لما تمتلكه من قدرة على الابتكار وتطوير منتجات وخدمات جديدة تسهم في بناء منظومة فضائية متكاملة، وتعمل وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، ممثلةً بالبرنامج الوطني للفضاء، على تهيئة بيئة محفّزة وداعمة للشركات الناشئة عبر حزمة من المبادرات والبرامج المتخصصة.
وتابع بقوله: ومن أبرز هذه المبادرات برنامج مسرعة عُمان للفضاء، الذي أطلقته الوزارة خلال عام 2025، واستطاع احتضان عشر شركات ناشئة، نجحت سبعٌ منها في طرح منتجاتها في السوق، بما يلبي الاحتياجات المحلية والإقليمية، مع قابلية التوسع مستقبلًا، ويعكس هذا البرنامج التوجه نحو تحويل الابتكار الفضائي إلى فرص اقتصادية حقيقية.
قانون الفضاء العُماني
وأضاف الشكيلي: كما تحرص الوزارة على تمكين الشركات الوطنية من الانفتاح على الأسواق الإقليمية والعالمية، من خلال إشراكها في الفعاليات المتخصصة، حيث شهد مؤتمر الشرق الأوسط للفضاء مشاركة أكثر من 15 شركة عُمانية ضمن معرض مصاحب، أتاح لها فرص التواصل مع أكثر من 500 مشارك يمثلون ما يزيد على 30 دولة، بما يسهم في بناء شراكات استراتيجية واستقطاب استثمارات محتملة.
وعلى صعيد الحوافز، جاءت السياسة الوطنية والبرنامج التنفيذي لقطاع الفضاء العُماني لترسيخ دور القطاع الخاص كعنصر فاعل وشريك أساسي إلى جانب الحكومة، حيث تركز السياسة على إتاحة الفرص الاستثمارية مع توفير بيئة تنظيمية واضحة ومحفزة.
ويجري حاليًا العمل على مسودة قانون الفضاء العُماني، الذي من شأنه تنظيم الأنشطة الفضائية وضمان توافقها مع الأطر الدولية، بما يعزز الثقة الاستثمارية.
إضافة إلى ذلك، تعمل الوزارة بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة، مثل وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، والهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة، وهيئة تنظيم الاتصالات، وهيئة الطيران المدني، على تقديم التسهيلات اللازمة للشركات، والاستجابة لاحتياجاتها، بما يدعم نمو قطاع الفضاء وتحويله إلى رافد اقتصادي واعد لسلطنة عُمان.
من ناحيته أكد عمار بن زكريا بن زاهر الفهدي، الرئيس التنفيذي لشركة 'فضاء المياه والجيولوجيا' المتخصصة في تقنيات الفضاء والاستشعار عن بُعد لموارد المياه والجيولوجيا، أن قطاع الفضاء في سلطنة عُمان يشهد تحولًا نوعيًا يؤهله ليكون أحد القطاعات الاستثمارية والتنموية الواعدة، لا سيما في مجالات الاستدامة المائية والأمن الغذائي والاقتصاد الرقمي.
وأوضح الفهدي، أن قطاع الفضاء في سلطنة عُمان لا يزال في مراحله الأولى، إلا أنه يحظى بدعم ورؤية واضحة، ما جعله يشهد إقبالًا متزايدًا من المستثمرين، وهو ما انعكس في القفزة اللافتة التي سجلها القطاع خلال المؤتمر الثاني للفضاء في الشرق الأوسط، حيث ارتفعت المؤشرات الاستثمارية بنحو 200% مقارنة بالتوقعات السابقة.
وأكد أن قطاع الفضاء يُعد من القطاعات العميقة التي تتطلب بناء منظومة متكاملة واستثمارات مالية كبيرة، مشيرًا إلى أن استقطاب الاستثمارات الأجنبية والإقليمية يُعد أحد المسارات الأساسية لتسريع نمو هذا القطاع وتعزيز قدرته التنافسية.
وتوقع الفهدي أن يشهد قطاع الفضاء في عُمان تحولًا متسارعًا خلال السنوات الخمس المقبلة، بما يسهم في دعم الاقتصاد الرقمي وتحقيق مستهدفات 'رؤية عُمان 2040'، لا سيما في مجالات الاستدامة المائية وتعزيز الأمن الغذائي.
وأكد الفهدي على أهمية تتبع المؤشرات الاقتصادية لقياس نمو واستدامة القطاع، وفي مقدمتها العائد المالي المتوقع، وحجم الوظائف التي سيوفرها، موضحًا أن دخول الشركات العالمية وتوسع الشركات المحلية سيقود إلى خلق فرص وظيفية نوعية بأعداد تفوق التوقعات، مع التركيز على تمكين الكوادر الوطنية ونقل المعرفة والخبرات التقنية إليها.
وأنهى الفهدي حديثه قائلًا: 'إن تكامل رأس المال المالي والبشري والتقني يُعد الركيزة الأساسية لنجاح قطاع الفضاء، خصوصًا في مجالات 'الداون ستريم' المرتبطة بتحليل بيانات الأقمار الصناعية، معربًا عن ثقته أن سلطنة عُمان ستصل بحلول عام 2030 إلى مراحل متقدمة تفوق التوقعات في هذا القطاع الحيوي'.
اتساع التطبيقات
من ناحيته أكد محمد بن سالم العلوي، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة 'آر إي آند تي' المتخصصة في قطاع الفضاء، أن السياسات الوطنية للفضاء تمثل حجر الأساس في بناء قطاع فضائي استثماري مستدام في سلطنة عُمان، لما لها من دور محوري في تنظيم القطاع، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتنمية المشاريع الوطنية القائمة على الابتكار والتقنيات المتقدمة.
وأعرج العلوي للحديث حول انعكاس السياسات الوطنية للفضاء على المؤشرات الاقتصادية الكلية، وقال إن وجود سياسات واضحة ومنظمة يُعد خطوة أولية واستراتيجية لتنظيم القطاع، وخلق بيئة جاذبة للاستثمار الخارجي، مشيرًا إلى أن المستثمرين الدوليين يبحثون بالدرجة الأولى عن أطر تشريعية واضحة تعكس رؤية وطنية مستقرة وطموحة.
وأضاف: إن هذه السياسات تسهم بشكل مباشر في تطوير المشاريع الوطنية، من خلال دعم إنشاء شركات ناشئة يقودها رواد أعمال عُمانيون، ما ينعكس على خلق فرص عمل، ودفع عجلة الاقتصاد، وتعزيز تدفقات رؤوس الأموال من وإلى سلطنة عُمان، فضلًا عن دعم الابتكار القائم على تقديم قيمة مضافة عالمية.
وأشار العلوي إلى أن قطاع الفضاء يتميز باتساع تطبيقاته، إذ لا تقتصر آثاره على الصناعات الفضائية فقط، وإنما تمتد إلى قطاعات أخرى متعددة، ما يعزز قيمته الاقتصادية على المدى الطويل.
وفي سؤاله حول الفجوة بين الطموح الاستراتيجي والجاهزية الاقتصادية لتنفيذ مشاريع فضائية مستدامة، أوضح العلوي أن الطموح عنصر أساسي في أي مشروع وطني، إلا أن الجاهزية الاقتصادية الحالية في سلطنة عُمان تشهد تطورًا ملحوظًا، مدعومة بنظام متكامل لتمويل الأفكار وتحويلها إلى منتجات، إلى جانب منصات رقمية ومبادرات وطنية تسهّل وصول رواد الأعمال إلى فرص الدعم والاستثمار.
وأكد أن مشاريع الفضاء في مراحلها الأولى ينبغي أن تنطلق من الحاجة الوطنية، مع تبنّي نظرة أوسع تستهدف الأسواق الخارجية، لا سيما في مجالات مثل تصنيع الصواريخ وتقنيات 'الأبستريم'، حيث تتركز قاعدة المستفيدين عالميًا خارج سلطنة عُمان، ما يجعلها فرصة مهمة لجذب الاستثمار الأجنبي.
وحول السيناريو الاقتصادي الأكثر واقعية لنمو قطاع الفضاء في سلطنة عُمان خلال السنوات المقبلة، رجّح العلوي خيار النمو التدريجي بدل القفزات الاستثمارية الضخمة، معتبرًا أن هذا النهج أكثر واقعية لقطاع ناشئ، ويقوم على بناء قاعدة صلبة من الخبرات الوطنية، واكتشاف القدرات البشرية والاستثمارية المتاحة، وتوظيفها بكفاءة.
ولفت العلوي إلى أن ضخ استثمارات كبيرة دون وجود مسارات واضحة قد يؤدي إلى هدر الموارد، في حين أن النمو التدريجي المبني على مشاريع واعدة وحاجات فعلية يسهم في تأسيس رؤية واضحة، تمهّد لاحقًا لاستثمارات كبرى قائمة على خطط مدروسة، تقود في نهايتها إلى اقتصاد فضائي مستدام.
وأكد العلوي على أن هذا التوجه ينسجم مع التوجيهات الحكومية التي تركز على النمو المرحلي وتعزيز دور القطاع الخاص، معربًا عن تفاؤله بمستقبل قطاع الفضاء في سلطنة عُمان خلال السنوات المقبلة.
من ناحيته أوضح صالح العامري، اختصاصي مبيعات في شركة تقنيات الاتصالات الفضائية 'عُمانسات'، أن المجالات الأعلى عائدًا والأقل مخاطرة في قطاع الفضاء في سلطنة عُمان في المرحلة الحالية هي الخدمات الفضائية التشغيلية مثل الاتصالات، خصوصًا تلك المرتبطة باحتياجات حكومية وتجارية واضحة، لأنها تعتمد على نماذج أعمال مجرّبة ولا تتطلب استثمارات تصنيع عالية.
وفي سؤاله حول كيف يمكن تصميم نماذج تمويل تقلل العبء على الخزينة العامة، أشار إلى أنه يتم عبر الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وجذب الاستثمار الخاص، وتبنّي نماذج تقاسم العوائد، بحيث تتركز مساهمة الحكومة في التمكين والتنظيم، بينما يقود القطاع الخاص التشغيل والكفاءة.
وأما فيما يتعلق بالمؤشرات الاقتصادية لقياس نجاح مشاريع الفضاء، أفاد العامري أنه لا يُقاس النجاح بالعائد المالي فقط، وإنما أيضًا بخلق فرص العمل، ونقل المعرفة، وتوطين التقنية، واستدامة الخدمات، إضافة إلى دور هذه المشاريع في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز السيادة التقنية.