أفكار وآراء

سؤال يقين.. واختبار الدولة

 

هل كانت اليقين، طالبة الصف الثاني عشر، تتخيّل أن تقف في قاعة ممتلئة وتطرح أسئلتها حول المستقبل أمام عُمان كلها: مسؤولين ومواطنين وصنّاع قرار؟ الأرجح أنها، مثل كثيرين، كانت تتصور أن السؤال الكبير مكانه في رأس صاحبه، لا في مكان عام وأمام كاميرات الصحافة. أن تقول ما يدور في خاطرها، بلا تلعثم ولا تراجع، ثم تسمع تصفيقا في القاعة.. تلك لحظة قد تبدو في ظاهرها صغيرة ولكنها تكشف شيئا أعمق بكثير من برنامج ملتقى «معًا نتقدم» أو جدول جلساته. لحظة تقول إن السؤال لم يعد مخيفا أو ثقيلا على المجال العام، وإن الجيل الجديد بدأ يتعامل مع الدولة باعتبارها قابلة للحوار وليست بعيدة أو مغلقة عليه وعلى أسئلته. 

رغم أسئلة اليقين والصورة التي استطاعت أن ترسمها اليوم، سيبقى من يقرأ الملتقى بوصفه منصة تنفيس لا أكثر هدفه الأساسي امتصاص غضب الناس واحتقانهم تجاه تعقيد الخدمات، أو هو مساحة لتفريغ الشعور بأن الوعود الحكومية أكبر من قدرة الواقع على تنفيذها. لكنّ هذا الاعتراض ما زال مفهوما، وربما له ما يغذيه في تجارب المشهد العربي عندما ننظر لها في سياق متكامل، حيث تحولت «اللقاءات العامة» إلى شكل من إدارة الانطباع أكثر من إدارة الأسئلة. لكن مشكلتي الشخصية مع هذا الاعتراض وما شابهه أنه يحاكم الملتقى بوظيفته الأسوأ، ويغفل عن وظيفة أخرى ـ أكثر أهمية من غيرها ـ وهي إعادة بناء لغة الحوار بين الأجيال، وبين المواطن والمؤسسة، والمواطن والمسؤول. 

لا تتآكل الثقة بين الأجيال فجأة، يحدث ذلك ببطء. وهذا البطء ـ مع الأسف، يكرس الأمر ويعمقه خلافا للأشياء التي تحدث فجأة. يحدث التآكل عبر لغة يومية تملك القدرة على المباعدة بين الأجيال. يميل جيل الآباء إلى الاعتقاد أنه «يعرف أكثر» لأنه عاش أكثر. فيما يميل جيل الأبناء إلى الاعتقاد أنه «يرى أكثر» لأنه يعيش زمنا أسرع وأكثر تعقيدا رغم ذلك يظن أنه قادر على التكيف معه كما يعتقد على أقل تقدير. وتتشكل الفجوة بين هذين الاعتقادين. كل طرف يتحدث في مساحة لغوية تخصه، ثم يتفاجأ أن الطرف الآخر لا يستطيع أن يلتقط منها المعنى. والفجوة هنا ليست خلاف في القيم بقدر ما هي خلاف على مستوى اللغة التي نفسر بها الواقع. وهنا يجد سوء الفهم مساحة يستطيع أن يتضخم فيها، فتصبح حدة النبرة أعلى وأهم من الحجة. وتدخل المؤسسات في وسط هذا كله فتُتهم بأنها بعيدة، وأنها لا تسمع، وأنها تتخذ قراراتها في عالم منفصل لا علاقة له بحياة الناس.. فتحدث قطيعة في الثقة والمعرفة بينها وبين الناس. 

ما يفعله ملتقى «معا نتقدم»، كما أراه وكما حضرت دوراته، أنه يفتح نافذة على الأسئلة وعلى الحوار.. أسئلة تتراوح بين طموحات فردية وبين قضايا استراتيجية عميقة. وعندما تسمع وسط هذا المشهد سؤالا من طالبة مدرسة مشغولة بالمستقبل ـ مستقبل عُمان ومكانها هي في هذا المستقبل ـ يعني أن جيلا كاملا بدأ يجرّب لغة جديدة مع الدولة، لغة لا تقوم على التذمر ولا على الاستعراض، بل على سؤال محدد وواضح: «أين نقف الآن؟ وإلى أين نمضي؟» وعلى من يمثل الحكومة أن يتحدث بعمق ومسؤولية حتى لو كان السؤال من طالبة مدرسة. 

وهذه الأسئلة الواضحة والمحددة تزعج من اعتادوا اختزال الملتقى في كونه «مناسبة» سنوية؛ لأنها أسئلة بعيدة عن الاستعراض ورفع الصوت واستجداء التصفيق عبر الطرح الشعبوي.. لكنها أسئلة تبحث عن معنى يمكن من خلاله فهم عقل الدولة ومسارها ويمكن عبرها، أيضا، فهم نوعية الأسئلة التي تشغل الأجيال القادمة. 

وحين تكون الأسئلة نابعة من تجربة أو تحد شخصي ـ كما رأينا في الكثير من أسئلة اليوم الأول ـ فإنها تغيّر ميزان القوة في القاعة. فلا يتحدث المسؤول إلى جمهور عام، عليه هنا أن يكون دقيقا فهو يتحدث إلى أشخاص لهم قصص، ومخاوف، وتوقعات، وأحيانا خيبات صغيرة لكنها تفسد حياتهم اليومية. وفي المقابل، لا يرى المواطن ُالمسؤولَ باعتباره صورة بعيدة لا يمكن أن تُرى في الحقيقة اليومية؛ إنما يرها في صورته الحقيقية بعيدا عن الصورة النمطية شخص يُسأل ويجيب أمام الناس مهما كان نوع السؤال. 

قد يقول قائل: لكن هل يكفي الحوار؟ بالطبع لا يكفي. لا أحد يطلب من ملتقى مثل «معًا نتقدم» أن يحلّ كل المشكلات والتعقيدات التي تواجه الناس أو أن تتحول الطموحات إلى واقع في صباح الغد. وهناك خلط شائع بين «الحوار كحل نهائي» و«الحوار كشرط أولي». صحيح أن الحوار لا يرصف الطرق ولا يبني المدارس ولا يشغل المشاريع، لكنه، أيضا، يقوم بدور لا يقل أهمية حين يصنع المساحة التي تصبح فيها السياسات قابلة للفهم والنقد والتعديل، ويصبح فيها المواطن أكثر استعدادا لتحمل المسؤولية حين يفهم منطق القرار ويشعر أنه شريك في تفسيره. والجيل الذي يشعر أن الدولة تسمع له، يقل عنده الميل إلى الانسحاب أو السخرية، ويزداد عنده الميل إلى المشاركة. لهذا السبب أجد أن رؤية ملتقى «معًا نتقدم» من زاوية أنه مساحة لـ«امتصاص الاحتقان» يختزل السياسة في أكثر صورها سطحية. 

وهذا الأمر يوصلني إلى نقطة تشغلني على المستوى الشخصي أكثر من أي نقاش حول جدوى الملتقى وهي: «عزلة المسؤول». أسمع هذه العبارة في كل مكان وكأنها حقيقة ثابتة لا جدال فيها: المسؤول بعيد لا يعرف ما يحدث، ولا يسمع من أحد أو لأحد، ويعيش في برج عاجي وينظر إلينا من عل. شخصيا لست مقتنعا بأن هذه العزلة ـ في عُمان على الأقل ـ قدر عام. الدولة، بطبيعتها، مليئة بقنوات المعرفة مثل الاجتماعات، والتقارير، والزيارات، والمؤسسات التمثيلية، والصحافة اليومية وأعيش في الكثير من هذه القنوات يوميا على مستوى المؤسسة الإعلامية أو غيرها من المؤسسات التي أحضرها بحكم عملي. لكن الأهم من كل هذا أن ننظر إلى مثال القيادة نفسها. 

في بلد مثل عُمان، لا يمكن أن يستقيم الحكم على فكرة «الانقطاع» وفي التاريخ تجارب كثيرة يمكن أن تعطينا تفصيلا أكبر وأعمق. لهذا تبدو لي لقاءات حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- بالمواطنين، وحواراته مع مؤسسات الدولة، وتواصله مع مختلف الفئات، رسالة عملية وواضحة تقول إن رأس الهرم في الدولة يلتقي ويسمع ويقرأ، ويعيد رسم صورته عن المجتمع بشكل مستمر. صور جلالة السلطان المعظم وهو يقرأ جريدة عُمان وإلى جواره النشرة الخاصة وهو في إجازته تؤكد متابعة المتابعة الدقيقة واليومية لكل صغيرة وكبيرة.. وهذا يعطي انطباعا عن أسلوب الحكم للحكومة كلها.. فإذا كان ذلك ممكنا في القمة، فهو أولى أن يكون ممكنا ـ بل واجبا ـ عند من هم دونها: الوزير، والوكيل، والمدير العام، ومن بيدهم الجانب التنفيذي. 

ولذلك، إذا وُجدت عزلة لمسؤول، فهي اختيار شخصي وليست «حقيقة مفروضة» ومثل هذه الندرة لا يمكن أن تستمر؛ لأنها تضعف المسؤول ولا تملك أن تحميه ولا تحمي قراراته التي تصنع في غرف الصدى لحظة اصطدامها بالواقع. 

ليس هدف الملتقى، كما أفهم وأرى على الأقل، تجميل العلاقة بين الحكومة والمجتمع، رغم أن الحكومة من حقها أن تفعل ذلك، لكنه، يستغل الفرصة لتكسير التصورات المسبقة بين الطرفين. يرى المواطن، عبر مساحة الملتقى، أن المسؤول يمكن أن يسمع ويجيب. والمسؤول يرى أن الشباب لا ينطلقون من أسئلة وأطروحات انفعالية أو هجومية وأن الكثير الكثير من أسئلتهم تأتي من وعي وتجربة وحس بالمسؤولية. 

يبقى معيار واحد يهمني شخصيا وأنا أتابع «معًا نتقدم» منذ دوراته الماضية وهو، أن يخرج الناس من القاعة وهم يشعرون أن السؤال كان طبيعيا، وأن الإجابة كانت على قدر السؤال، حتى وإن لم تكن كاملة، والسياسة لا يمكن أن تُقاس بقدرتها على بناء إجابات كاملة. السياسة الناجحة هي التي تستطيع الاستمرار تحت ضغط الأسئلة؛ لأنها متى ما اختارت الصمت فإنها اختارت أن تصنع فجوة بينها وبين الأجيال وبينها وبين المواطن والمؤسسة، وبين الطموح والواقع. 

ربما لم تكن اليقين تتصور أنها ستسأل أمام الجميع أو أن يختارها مدير الجلسة من بين المئات الذين كانت أحجامهم تخفي حجمها الصغير.. لكن مجرد أن تسأل ـ وأن تُستقبل أسئلتها بذلك القدر من الاحترام ـ هو رسالة لكل جيلها مفادها أن المستقبل ليس موضوعا سريا يُناقش في الأبراج العاجية، إنه مساحة يمكن للجميع الدخول إليها بالسؤال. وهذا، في حد ذاته، بداية جيدة. وهو أهم معيار من معايير نجاح «معا نتقدم». 

 عاصم الشيدي كاتب ورئيس تحرير جريدة عمان