أفكار وآراء

لا تراهنوا على خلع الدولار عن عرشه

بول بلوستين - ترجمة قاسم مكي

 

تَتَعالَى التحذيراتُ مجدّدا بشأن المخاطر التي تواجه الهيمنة العالمية للدولار. سبب هذا التوجُّس ليس سرًا عظيمًا؛ ففي فترته الرئاسية الثانية شرع دونالد ترامب في تحطيم المؤسسات والمعايير التي تشكل الأساس الداعم للقوة الاقتصادية والمالية الأمريكية. ومؤخرًا جدًا كثَّف هجومَه على استقلال بنك الاحتياطي الفيدرالي وتهديداتِه المزاجية بفرض رسوم جمركية على الحلفاء. 

يعتقد مثيرو المخاوف أن سطوة الدولار في أسوأ منعطف لها. فتراجع الثقة في نظام الحكم (طريقة إدارة الدولة) بالولايات المتحدة يقود إلى التخلص من الأصول المقوَّمة بالدولار، خصوصا أوراق الخزانة والسندات الأمريكية. وربما يظهر نظامُ عملةٍ جديدٌ في آخر المطاف. 

رغم ما يبدو من معقولية في مثل هذه السيناريوهات إلا أنها قائمة على تصوّر خاطئ؛ فمكانة الدولار ترتكز على قواعد أكثر رسوخًا من القول المأثور «بعدم وجود بديل» والذي يشير إلى نقائص المنافسَين الرئيسيين للعملة الأمريكية وهما اليورو والرينمينبي الصيني. فالدولار ليس متجذرًا في النظام المالي العالمي فقط، بل تجذُّرُه أعمق من التصور السائد. 

في الواقع، أي أحد لديه معرفة محدودة بهيمنة الدولار يدرك أنه يلعب دورًا أكبر من حجمه في المعاملات الدولية؛ فأكثر من نصف احتياطيات العملات الأجنبية التي تحتفظ بها البنوك المركزية حول العالم (56% في آخر إحصاء) يتكون من أوراق الخزانة الأمريكية والأصول الدولارية الأخرى. ويشكل الدولار حصة مماثلة من التجارة العابرة للحدود والقروض المصرفية العالمية وإصدار السندات. 

إلى ذلك، في أسواق الصرف الأجنبي يُستخدم الدولار فيما يقارب 90% من التداولات. فإذا أراد أحدهم على سبيل المثال استبدال عملة الرينجيت الماليزية بعملة البيزو التْشيلية سيبيع الرينجيت مقابل الدولار ثم يستبدل الدولار بالبيزو لأن التداول المباشر بين العملتين غير الأمريكيتين ضئيل جدا أو لا يكاد يذكر. 

لكن هذه المقاييس لهيمنة الدولار رغم إبهارها لا تتعدى السطح. لتكوين فكرة أكثر عمقا لديمومة الدولار يجب النظر في آليات عمل السوق الواسعة لمقايضات العملات الأجنبية. (حسب موسوعة انفستوبيديا، مقايضةُ العملة الأجنبية اتفاقٌ بين طرفين أجنبيين على مبادلة مدفوعاتِ فائدةِ قرضٍ بإحدى العملات بمدفوعات فائدة بعملة أخرى. والهدف منها هو تمكين كلا الطرفين من الحصول على التمويل بالعملة الأجنبية التي يحتاجها «بتكلفة ومخاطر أقل» مما لو اقترض التمويل مباشرة من السوق الأجنبية ( المترجم.) 

الأطراف المشاركة في هذه السوق هي البنوك العالمية وشركات الأوراق المالية والشركات متعددة الجنسية وشركات التأمين وصناديق التقاعد. إنها أكبر الكيانات الخاصة في النظام المالي. وعملياتها التي تحيط بالكرة الأرضية تتطلب انتقال مبالغ هائلة من المال عبر الحدود وبشكل ثابت. إنها تستخدم السوق للتحوط ضد تقلبات العملة بتداول «زوج» من العملات كالدولار والين الياباني مثلا مرتين. في المرة الأولى ببيع الدولار مقابل الين عند سعر الصرف الراهن ثم استعادته في وقت لاحق عن طريق المقايضة وعند سعر متفق عليه. 

على سبيل المثال، الشركات اليابانية للتأمين على الحياة تستثمر محافظها المالية بكثافة في أوراق الخزانة الأمريكية والأصول الدولارية الأخرى. ولأن عليها التزامات بعملة الين تجاه حاملي وثائقها التأمينية تحتاج إلى حماية نفسها من التحركات في سعر صرف الين مقابل الدولار وتستخدم المقايضات في ذلك. (لمزيد من التوضيح، تستثمر هذه الشركات اليابانية أموالها بالدولار وتسدد التزاماتها بالين وإذا ارتفع سعر الدولار ستنخفض قيمة عائداتها في المستقبل. 

لذلك تعقد اتفاقية لتسليم عائداتها الدولارية إلى طرف آخر مقابل استلام عائدات باليَن عند سعر صرف متفق عليه. بمعنى أنها تؤمِّن عائدا ثابتا سواء ارتفع أو انخفض سعر عملة التزاماتها وهي الين مقابل عملة استثمارها وهي الدولار- المترجم.) 

تتم هذه الأنواع من المعاملات على نطاق واسع جدا؛ فوفقًا لبيانات من بنك التسويات الدولية، تتعدى قيمة المقايضات القائمة في الوقت الحالي 100 تريليون دولار. وحوالي 90% منها تشمل الدولار مما يعكس الطرق المتنوعة التي تُستخدم بها العملة الأمريكية. وسيكون التخلص من كل هذا النشاط والانتقال به إلى عملة أخرى باهظ التكلفة وبالغ الصعوبة. 

يجب أن يدحض هذا المزاعم بأن الدولار يواجه خطرَ فقدانِ موقعِه في قمة هرم العملات. فمهما بلغ ضجر العالم من الولايات المتحدة ستواجه مساعي التخلص من عملتها عوائقَ كبرى. 

هنالك نسخة بديلة وأضعف للنبوءة المتشائمة حول مصير الدولار وهي أن يظل العملة الرئيسية للعالم لكن مع تراجع مهم في دوره. وهذا من شأنه إضعاف الميزة الأهم التي تحصل عليها واشنطن من تفوق الدولار وهي قدرتها على استخدامه كسلاح عقابي. 

هذا التصور ليس صحيحا أيضا؛ فالعقوبات تنجح لأن البنوك حول العالم تحتاج إلى إمكانية التعامل بالدولار. 

والولايات المتحدة يمكنها التهديد بقطع علاقة أي بنك في أي مكان في العالم بالنظام الذي يرتكز على الدولار إذا دخل في معاملة مع طرف معاقَب. وطالما ظل الدولار العملة الأكثر استخداما في التجارة والتمويل الدوليين سيظل التهديد بالعقوبات وسيلة فعالة. 

الضيق من رعونة سياسات ترامب مبررة. فأوراق (سندات) الخزانة الأمريكية يمكن التخلص منها دفعة واحدة من جانب المستثمرين حول العالم والخائفين من اقتراض الحكومة الفيدرالية المتزايد باستمرار، ومن إذعان بنك الاحتياطي لرغباتها. مثل هذه الأزمة إذا حدثت ستكون أسوأ بسبب مركزية الدولار. لكن هذا لا يماثل خسارة الدولار لدوره المركزي. 

لن يفيد الانغماس في الأوهام بأن السلاح المالي لواشنطن قد يدمِّر نفسَه بنفسِه قريبًا. فالدولار سيظل العملة المهيمنة في العالم. 

 بول بلوستين باحث أول بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن ومؤلف كتاب « الدولار المُتوَّج: ماضي ومستقبل العملة المهيمنة في العالم» 

 الترجمة عن الفاينانشال تايمز