ثقافة

فيلم "هامنيت" تراجيديا شكسبير الإنسانية وليس سيرته الذاتية

كثافة تعبيرية تغوص في عمق العاطفة وتتماهى مع الطبيعة

 

إنتاج ناجح للمخرجين الكبيرين ستيفن سبيلبيرغ وسام مينديس
هنالك أفلام تتشابك فيها طبقات المعنى والتأثير والتعبير إلى حد يغدو من الصعب الفصل بين كل طبقة وكل ثيمة وكل حدث بشكل منفصل لأنك تلمس ذلك النوع من التماسك والإلتحام العضوي الذي يجعل من الصعب التفريق بين لحمة الحكاية وسداها.
فما نزال نلتمس من الفن السابع أن يحقق لنا غاية تطمئن حواسّنا ووعينا وذائقتنا وتتمثل في القدرة على الإبهار، على قول الأشياء التي نعلمها وتجسيدها بشكل أخّاذ ومختلف وتلك هي واحدة من أهم الغايات المنشودة في هذا التراكم التعبيري والإبداعي.
في هذا الفيلم سوف نلتقي بالمخرجة كلوي زهاو (1982) في فيلمها الخامس وهي الحائزة على جائزة الاوسكار عن فيلمها الشهير نوميلاند – 2020 وهي مشاركة في كتابة السيناريو الى جانب كاتبة السيناريو البارعة ماغي أوفاريل وليحتشد لإنتاج فيلمها هذا عدد من المنتجين والمخرجين المرموقين في مقدمتهم المخرجان والمنتجان الكبيران ستيفن سبيلبيرغ وسام مينديس، وهذا التدخّل لوحده يمنح هذا الفيلم تزكية كبيرة.
ها نحن مع قصة مأخوذة عن المسرحي الكبير العابر للأزمنة والتواريخ وليام شكسبير وبمجرد هذا الإختيار لتلك الشخصية وذلك الزمن سوف يطرح أمامنا تساؤلات حول ما ستفعله المخرجة إزاء الموضوع التاريخي الأقرب إلى السيرة الذاتية فإذا هي تنقلب على جميع التوقعات وتعيدنا الى ولعها بالطبيعة وأسرارها والتفاعل الحسي والإنساني معها وصولا الى نوع من الإمعان فيما هو ورائي وغيبي وحتى خرافي وحلمي وهو ما سوف يتكرس من خلال شخصية أغنيس، صديقة ثم زوجة وليام شكسبير – تقوم بالدور الممثلة جيسي باكلي فهي التي من خلالها نتفاعل مع شخصية كأنها منصرفة عن الزمان وهائمة في المكان حتى إذا اقترنت بوليام شكسبير وأنجبت منه تبقى تلك اللمحة الحزينة واضحة في كل أفعالها ولهذا سوف تكون تراجيديا الموت تحصيل حاصل في المسار الفيلمي.
إنها دراما مربكة وشديدة الخصوصية، تشعر معها حتى منتصف الفيلم بثقل الإيقاع الفيلمي وشعور يتسرب بالملل، لكن النسيج الكامن وراء الأشياء والظواهر يتفاعل ببطء تزيده غموضا وترقبا قدرات التصوير المتميزة لمدير التصوير لوكاز زال و موسيقى ماكس ريشتر التي تنبض بعمق وتهمس في أذاننا ونحن نمضي في السرد الفيلمي المتشابك للنظام العائلي في تلك الحقبة.
من جهة أخرى، هنالك والد وليام الذي يصفعه حتى وهو رجل بالغ ويثير الهلع في داخل الأسرة في مقابل غربة اغنيس كونها تعيش مع زوجة ابيها واخوتها غير الاشقاء فإذا تعرفت على وليام – يقوم بالدور الممثل باول ميسكال تغير كل شيء، وها هما يلتقيان في عالمهما الخاص المتماهي مع الطبيعة فيما المرض يفتك بالتوأمين هامنيت وجوديث ثم اندفاع هامنيت لفداء شقيقته وإصابته بالمرض بدلا عنها، تلك المشاهد شديدة التأثير فيما الأم المفجوعة تجد نفسها في عين العاصفة وتلتفت فإذا وليام الذي شجعته للخروج من عالم تلك القرية النائية يعيش بعيدا في لندن حيث عمل في المسرح ووجد ذاته فيه.
هذه المؤشرات وغيرها لفتت أنظار العديد من النقاد الذين تحدّثوا عن هذا الفيلم باستفاضة ومن ذلك ما كتبته الناقدة كريستي ليمير في موقع روجر ايبيرت التي قالت' لعلّ الحسّ الجمالي هو من أهم ما يميز هذا الفيلم الذي هو خامس أفلام زهاو الذي حظي بضجة إعلامية كبيرة. لقد أثّرت القصة الخيالية التي تتناول كيفية تعامل ويليام شكسبير وزوجته مع فقدان ابنهما، في جمهور المهرجانات بشدة. وقد حظي أداء جيسي باكلي، على وجه الخصوص، بإشادة واسعة النطاق لشدّة تأثيره.
انها تجربةً حسيةً رائعةً، فقبل أن تتضح معالم الحبكة الرئيسية ترسي زهاو أجواء غابة آسرة، حيث يبدو كل شيء ممكنًا. إنها غابة خصبة غنية بالتفاصيل، تُثير القلق وتثير فضول بالمشاهد في آنٍ واحد'.
أما الناقد راهول مينون في موقع سكريبت فيقول ' يبدأ الفيلم بوعد بسيط هو: 'أبقِ قلبك مفتوحًا'. مع نهاية رحلته التي تمتد لساعتين، سيتحطم هذا القلب، ثم يُعاد بناؤه، ثم ينفتح من جديد بطرق إنسانية عميقة وسينمائية آسرة.
هذا الفيلم، المقتبس من رواية ماغي أوفاريل، ليس إعادة تمثيل لحكايات شكسبير أو نظرة من وراء الكواليس على كتابة 'هاملت'. بل هو تأمل عميق في الأبوة والأمومة، والفقد، والتحول الغامض الذي تتحول من خلاله المأساة إلى فن. أداء باكلي وميسكال هنا لا يُصدّق. الحزن الذي يتجمّع في عيونهما، والألم الحادّ الذي يرتجف في صوتيهما، والطريقة التي تحمل بها جسديهما ثقل الحزن الذي لا يُمكن التعبير عنه بالكلمات، كلّها تبدو وكأنها مُنتزعة من أعماق التجربة الحياتية'.
وخلال ذلك هنالك براعة زهاو في الإخراج التي ما تزال متقنة كما عهدناها. فهي تُدير كل مشهد بدقة متناهية. الإيقاع هادئ، يسمح للحظات بالتفتح ببطء، وكأنها طقوس، صور الغابة في النصف الأول تحمل جمالًا ملحوظا يمتزج بألم مختبئ. يتخلل الضوء الأشجار كما لو أن أغنيس نفسها مُرتبطة فعليا بالأرض. هذا الارتباط العميق بالعالم الطبيعي يُصبح عمود أغنيس الروحي. غالبًا ما يُنظر إليها على أنها ساحرة من ساحرات الغابة من قِبل أولئك الذين لا يفهمونها، لكن زهاو تُصوّر تواصلها مع الطبيعة كمصدر قوة لا خرافة.
ثم إذا مضينا مع ذلك التراكم القائم على طبقات المعنى والتعبير والشكل الجمالي والمعالجة الفيلمية كلها مجتمعة فإن هنالك معطيات أخرى شديدة الرهافة تتعلق بالسرد الفيلمي في حد ذاته ومن ذلك المسار السردي الذي يحول الحزن الشخصي إلى ثيمة فنية وتعبيرية عميقة ويُصبح هو ذروة الفيلم العاطفية وهو ما سوف يتعمق عندما تشاهد أغنيس عرضًا مبكرًا لمسرحية هاملت إذ سوف تُشعرك بفرط الجمال والألم في آنٍ واحد وهما يتشابكان ويتداخلان بشكل عميق. بالكاد تتكلم باكلي في النصف ساعة الأخيرة، ومع ذلك يتحول وجهها الى صفحة محمّلة بالمعاني، فهنالك الراحة، والغضب، والوعي ، والتحدي، والصبر، والفخر، والمرارة، وأخيرًا القبول أو الرضا بالفجيعة، كلها تتدفق على ملامحها دون أن تنطق بكلمة واحدة في بعض المشاهد وصولا الى اللحظة التي تُدرك فيها أن العالم بأسره سيحزن على فقد ابنها وخاصة بعد أن يخلد وليام تلك التراجيديا وهي محملة باستعارات متعددة تدهش الجميع بمن فيهم الزوجة المفجوعة.
واقعيا إن هامنت ليس إعادة سرد لحياة شكسبير، بل هو احتفاء سينمائي بالشخصية ينأى عن السيرة الذاتية المعتادة وفي نفس الوقت يقدم أعمق ما فيها من ألم ووحشة وأذى.
وإذا كان فيلم 'نومادلاند' هو بمثابة رحلة روحية للمخرجة عبر أمريكا من خلال معالجة عميقة مفعمة بالحنين الصامت، فإن 'هاملت' هو غوص في أعماق عاطفية وأسطورية في آن واحد. هذه ليست قصة شكسبير العاشق، وليست رحلة في مسرحياته اللاحقة. نعم هناك إشارات صغيرة، مثل قيام ويليام بتدوين السطور الأولى من روميو وجولييت بعد قبلته الأولى مع أغنيس، أو تمثيل الأطفال دور الساحرات من ماكبث، لكن لا شيء من ذلك يبدو وكأنه تلميح مُفتعل للأحداث.
وكما قال أحد الناقد راهول مينون: أبقِ قلبك مفتوحًا. سيتكفل هذا الفيلم بالباقي.
...
سيناريو وإخراج/ كلوي زهاو
شاركت في كتابة السيناريو/ ماغي أوفاريل
تمثيل/ جيسي باكلي في دور اغنيس، باول ميسكال في دور وليام شكسبير، ايميلي واتسن في دور والدة شكسبير، ديفيد ويلموت في دور والد وليم شكسبير
انتاج / ستيفن سبيلبيرغ، سام مينديس وآخرون
مدير التصوير/ لوكاز زال
موسيقى/ ماكس ريشتر
التقييمات/ آي أم دي بي 8 من 10، روتين توميتو 86%، ميتاكريتيك 7 من 10، إيمباير اونلاين 4 من 5