من الشريك البديل إلى اللاعب المهيمن: الصين تعيد رسم خريطة التجارة العالمية لصالحها
السبت / 18 / شعبان / 1447 هـ - 20:58 - السبت 7 فبراير 2026 20:58
أودري وونج
ترجمة: نهى مصطفى
مع تولي ترامب الرئاسة للمرة الثانية طرأ تحول جذري على السياسة الاقتصادية الخارجية الأمريكية. تفرض واشنطن تعريفات جمركية على شركائها ومنافسيها على حد سواء، وتخفض المساعدات الخارجية، وتعيد التفاوض بقوة على الاتفاقيات التجارية، وترفض الدبلوماسية متعددة الأطراف.
بعبارة أخرى تتصرف الولايات المتحدة كقوة استبدادية. ومع تزايد حذر دول العالم من التعامل مع الولايات المتحدة تتجه بشكل متزايد نحو منافسها الاقتصادي الرئيسي الصين. وتعد هذه الخطوة أحد العوامل العديدة التي ساهمت في ارتفاع صادرات الصين عام 2025 ما أسفر عن فائض تجاري بلغ نحو 1.2 تريليون دولار بزيادة قدرها 20%.
مثلت سياسات واشنطن مكسبًا مزدوجًا لبكين؛ فبالإضافة إلى زيادة جاذبية العروض الاقتصادية الصينية للشركاء الباحثين عن بديل للتعاون مع الولايات المتحدة سهلت أساليب الضغط الأمريكية على الصين ممارسة ضغوطها على الآخرين. ولا يزال لجوء بكين المتزايد إلى فرض قيود على الصادرات وإغراق الأسواق الخارجية بالسلع الرخيصة يثير قلقًا في العديد من الدول التي ترغب في إقامة علاقات تجارية معها. ومع ذلك لا يشترط أن يكون سجلها في إدارة الشؤون الاقتصادية مثاليًا لتحقيق النجاح.
تعمل الصين على تحسين نهجها في الحرب التجارية مع الولايات المتحدة مستخدمةً في الوقت نفسه الاتفاقيات متعددة الأطراف، ومشاريع التنمية، والتمويل الاستراتيجي للقطاعات الرئيسية؛ لضمان مكانة دول أخرى في سلاسل التوريد الصينية.
قد لا تتمكن أبدًا من ضم معظم هذه الدول بالكامل إلى فلكها، لكن استخدام أساليب الترغيب والترهيب الاقتصادية قد يمنح بكين نفوذًا كافيًا لتحقيق هدف مهم: تقليل المعارضة العالمية لسياسات الصين الداخلية والخارجية.
على مدى العقدين الماضيين فرضت بكين عقوباتها بشكل غير رسمي ومؤقت. تجنبت توجيه تهديدات علنية، وكثيرًا ما أنكرت تورط الدولة أو وجود دوافع سياسية كامنة وراء الإجراءات الاقتصادية القسرية التي شملت قيودًا تجارية تحت ستار أسباب فنية أو لوائح سلامة غذائية، أو مقاطعات مدفوعة ظاهريًا من قبل المستهلكين الصينيين ذوي النزعة القومية. لكن خلال السنوات القليلة الماضية عملت الصين على تحسين نهجها، وطورت أطرًا قانونية جديدة، واستخدمت عقوبات رسمية أكثر تطورًا للدفاع عن مصالحها الاقتصادية والأمنية مستعيرةً تكتيكات استخدمتها الولايات المتحدة وحلفاؤها لسنوات.
ولم تتوان بكين عن التصعيد أيضًا؛ ففي أكتوبر على سبيل المثال أعلنت الصين عن ضوابط إضافية على صادرات العناصر الأرضية النادرة تلزم الشركات الأجنبية بالحصول على موافقة الحكومة الصينية قبل تصدير أي منتجات أو معدات تحتوي حتى على كميات ضئيلة من العناصر الأرضية النادرة ذات المنشأ الصيني. وتشابهت هذه القيود بشكل لافت مع ضوابط أشباه الموصلات الأمريكية وقاعدة المنتجات الأجنبية المباشرة التي توسع نطاق قيود التصدير الأمريكية لتشمل أي منتج مصنوع في الخارج باستخدام تكنولوجيا أمريكية.
سبق للصين أن فرضت قيودًا على المعادن النادرة، لكن القيود الجديدة هي الأكثر شمولاً حتى الآن؛ حيث تستهدف سلاسل التوريد العالمية بأكملها وتشدد قبضة بكين على قطاع تهيمن عليه بالفعل شركات التعدين والتكرير والتصنيع الصينية.
إضافةً إلى تصعيد بعض أساليبها العدائية تقدم الصين المزيد من الحوافز. وبذلك تستغل الصين فرصةً أتاحتها لها إدارة ترامب؛ فبينما تتبنى الولايات المتحدة نهجًا أنانيًا واضحًا في تعاملها الاقتصادي معطيةً الأولوية للاستثمار في القطاعات الاستخراجية ومقلصةً مشاريع التنمية والمشاريع الإنسانية تحاول الصين تقديم نفسها كلاعب عالمي داعم ومتعاون.
خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر على سبيل المثال ألقى رئيس الوزراء الصيني لي تشيانج خطابًا آخر أشاد فيه بمبادرة التنمية العالمية التي أُطلقت عام 2021. وربط لي المبادرة بمجموعة متنوعة من برامج التمويل التي تقودها الصين والجهود التعاونية الرامية إلى توسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي، وزيادة فرص الحصول على الطاقة النظيفة، لا سيما في بلدان الجنوب.
وصفت بكين المبادرة بأنها وسيلة لتحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2030، وأدمجت المشروع داخل الأمم المتحدة نفسها ما منحه شرعية دولية أكبر ووضوحًا أوسع، ووسع نطاق هذه الشرعية ليشمل العديد من الأنشطة الاقتصادية الصينية في الخارج بما في ذلك مشاريع البنية التحتية الرقمية والخضراء.
ويعد هذا التركيز الجديد على المشاريع التعاونية صغيرة النطاق جزءًا من جهود بكين على مدى السنوات القليلة الماضية لإعادة صياغة مبادرة الحزام والطريق، وهي برنامج البنية التحتية العالمي الطموح الذي أطلقته الصين قبل أكثر من عقد من الزمان بعد أن واجهت معارضة في الدول الشريكة بسبب الفساد وارتفاع أسعار المشاريع.
تجعل القوة الاقتصادية للصين عروضها مغرية للغاية بالنسبة للدول الأخرى.
ففي قطاعات استراتيجية كالسيارات الكهربائية والمعادن الحيوية تفوقت الشركات الصينية مدعومةً في كثير من الأحيان بالدعم الحكومي وسلاسل التوريد المحلية المتكاملة على نظيراتها الأجنبية ما منحها موطئ قدم في الخارج. فعلى سبيل المثال أصبحت هواوي الخيار الأمثل لتوفير البنية التحتية للاتصالات في العديد من الدول النامية.
كما تسعى الحكومات الأجنبية بدورها إلى استقطاب الاستثمارات والتمويل الصيني المتاح بسهولة كوسيلة لتحقيق طموحاتها الاقتصادية المحلية والارتقاء في سلسلة القيمة. بدأت تايلاند الرائدة إقليميًا في صناعة السيارات بتقديم الدعم والإعفاءات الضريبية في عام 2022 لجذب مصنعي السيارات الكهربائية الصينيين، وحصلت مؤخرًا على استثمارات تزيد على مليار دولار من شركتي BYD و Changan Automobile لإنشاء مصنعين جديدين. ومع تزايد المنافسة من الشركات الصينية أغلقت شركات صناعة السيارات اليابانية في عامي 2024 و2025 أربعة مصانع كانت تعمل في تايلاند منذ فترة طويلة.
نتيجةً لتوسع الصين المتزايد على مدى العقدين الماضيين أصبحت العديد من الدول أكثر انخراطًا في سلاسل التوريد التي تقودها الصين؛ فإندونيسيا على سبيل المثال تعلن انفتاحها على جميع المستثمرين، لكن الواقع يشير إلى هيمنة الصين على تعدين النيكل وتصنيعه في البلاد.
والعديد من النخب الإندونيسية -لاسيما بعض صانعي القرارات الرئيسية في السياسة الخارجية والاقتصادية- يمتلكون مصالح مالية في قطاعي التعدين والتصنيع في البلاد؛ وبالتالي يجنون مكاسب شخصية من الاستثمار في هذين القطاعين. ولذلك يظهر القادة الإندونيسيون قدرًا من الخضوع السياسي لبكين على الرغم من المشاعر المعادية للصين المتأصلة في البلاد.
لا يخلو مسار الصين نحو تعزيز نفوذها الاقتصادي من العقبات؛ فما زالت دول عديدة قلقة إزاء تدفق السلع الصينية منخفضة التكلفة إلى أسواقها، وهي مشكلة بدأت في منتصف العقد الأول من الألفية الثانية، لكنها تفاقمت مع فرض التعريفات الأمريكية التي دفعت الصين إلى توجيه البضائع التي كانت متجهة سابقًا إلى الولايات المتحدة إلى وجهات أخرى، ما أسهم في تحقيقها فائضًا تجاريًا قياسيًا العام الماضي.
وتأمل بكين أن يُنعش حجم الصادرات الكبير الذي يشمل طيفًا واسعًا من المنتجات من المنسوجات إلى الطرود الاستهلاكية الصغيرة وصولًا إلى السيارات الكهربائية اقتصادها المتباطئ، ويعوض انخفاض الاستهلاك المحلي.
في البرازيل على سبيل المثال شهدت مبيعات السيارات الكهربائية والهجينة الصينية ارتفاعًا ملحوظًا خلال السنوات القليلة الماضية. فقد قفزت الواردات بما يقارب 100 ألف سيارة بين عامي 2023 و2024؛ حيث بلغ إجمالي الواردات 138 ألف سيارة، واستحوذت شركات صناعة السيارات الصينية على 89% من السيارات الكهربائية المباعة في البرازيل خلال النصف الأول من عام 2024. وليس من المستغرب أن شركات صناعة السيارات المحلية والتقليدية ردت على ذلك بتكليف دراسة لمكافحة الإغراق، وممارسة ضغوط على الحكومة البرازيلية لإلغاء الإعفاءات الجمركية الممنوحة للشركات الصينية. وردًا على ذلك رفعت الحكومة البرازيلية تدريجيًا الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية المستوردة منذ عام 2024. في أكتوبر افتتحت شركة BYD الصينية مصنعًا بتكلفة مليار دولار - وهو أكبر مصانعها خارج آسيا - في ولاية باهيا شمال شرق البرازيل.
تخضع هذه الاستثمارات لتدقيقٍ بشأن مدى تحقيقها نموًا ذا قيمة عالية؛ نظرًا لاستمرار استيراد بعض مكوناتها من الصين، فضلًا عن التدقيق في المخالفات القانونية. فعلى سبيل المثال أثار مصنع BYD الذي افتُتح حديثًا في باهيا جدلًا واسعًا في البرازيل. وتوقف البناء في أواخر عام 2024 بعد أن وجد مفتشون برازيليون عمالًا صينيين يعملون في بيئة «مهينة»، ويقاضي المدعون البرازيليون الآن شركة BYD بتهمة خلق ظروف عمل «شبيهة بالعبودية». وتؤثر ردود الفعل على أرض الواقع تأثيرًا كبيرًا على نجاح الاستثمارات والمشاريع الاقتصادية الصينية.
فإذا أبدت الشركات الصينية استجابةً للمخاوف المحلية فسيكون من الأسهل على الصين توسيع نطاق نفوذها الاقتصادي في البرازيل وغيرها. كما ستتمكن من إبقاء العديد من الدول ضمن سلاسل التوريد الصينية حتى وإن كانت واشنطن تضغط على هذه الدول نفسها للانضمام إلى سلاسل الإنتاج العالمية التي تستبعد الشركات والموردين الصينيين. وبالطبع سيظل الضغط الأمريكي فعالًا في بعض الأحيان. رفضت المكسيك -التي تعد أكبر مشترٍ للسيارات الصينية ولكن اقتصادها بشكل عام أكثر ترابطًا مع اقتصاد الولايات المتحدة منه مع اقتصاد الصين- خطط شركة BYD لبناء مصنع، وفرضت تعريفة جمركية بنسبة 50 بالمائة على السيارات الصينية دخلت حيز التنفيذ الشهر الماضي كجزء من سياسة لتعزيز التصنيع المحلي.
في حالات أخرى مكنت تعريفات ترامب الجمركية الصين من تعزيز علاقاتها مع شركاء الولايات المتحدة أحيانًا من خلال استغلال هذا التنافس. فعندما حذت كندا حذو الولايات المتحدة في فرض تعريفة جمركية بنسبة 100% على السيارات الكهربائية الصينية ردت بكين بفرض تعريفات جمركية مماثلة على زيت الكانولا الكندي، واتجهت إلى الموردين الأستراليين الذين منعوا من دخول السوق الصينية منذ عام 2020 بسبب انتهاكات صحية مزعومة.
وردت كندا بتواصل رفيع المستوى مع الصين في تحول ملحوظ بعد سنوات من العلاقات الدبلوماسية المتوترة. وأشار رئيس الوزراء الكندي إلى أن فرض تعريفات جمركية أمريكية عقابية كان جزءًا من الدافع. وخلال زيارته لبكين في يناير وافقت الصين على خفض تعريفاتها الجمركية على منتجات الكانولا الكندية، ووافقت كندا على السماح باستيراد السيارات الكهربائية الصينية. ومن المرجح أن تدفع أساليب الترهيب المستمرة من واشنطن كندا ودولًا أخرى إلى مزيد من التقارب مع بكين.
في الوقت الراهن تستغل الصين بسخاء الفرصة التي أتاحتها الولايات المتحدة لتوسيع نفوذها الاقتصادي؛ فمع فرض التعريفات الأمريكية التي تجعل بكين تبدو شريكًا تجاريًا أكثر موثوقية من واشنطن تسعى الصين إلى إبرام اتفاقيات جديدة: ففي أكتوبر وقعت تحديثًا لاتفاقية التجارة الحرة مع أعضاء رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) يهدف إلى توسيع التعاون في مجالات البنية التحتية الرقمية، والتنمية المستدامة، وربط سلاسل التوريد.
ومع تراجع الشعبية العالمية للولايات المتحدة - إذ أظهر استطلاع رأي أجرته مجلة الإيكونوميست عام 2025 وشمل 32 دولة انخفاض تفضيل الولايات المتحدة كقوة عالمية رائدة من 59% إلى 46% منذ العام السابق بينما ارتفع تفضيل الصين إلى 33% بزيادة قدرها 11%.
ومما يسهل الأمر أيضًا براعة الصين التي تفوق الولايات المتحدة بكثير في الجمع بين السياسة الاقتصادية والدعاية والدبلوماسية العامة.
لا تزال دول عديدة بحاجة إلى الوصول إلى الاقتصاد الأمريكي، وترغب في وجود أمني أمريكي، كما يتضح من جهودها لعقد اتفاقيات بشأن الرسوم الجمركية مع إدارة ترامب. ولا تميل معظم الحكومات بشكل كامل نحو الصين؛ إذ لا يزال الكثير منها متخوفًا من تصاعد ضغوط الصين، وعدوانيتها السياسية والعسكرية، وخطر الوقوع بين واشنطن وبكين. إلا أن هذه المخاوف تتضاءل بفعل أساليب الإكراه التي تتبعها الحكومة الأمريكية نفسها.
ربما أفضل ما برعت فيه الصين هو إثارة الانقسامات بين الدول وداخلها ما يقوض التحالفات التي تقودها الولايات المتحدة. ففي أوروبا استخدمت المجر التي استقبلت 44% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة الصينية في الاتحاد الأوروبي عام 2023 حق النقض (الفيتو) ضد بيانات الاتحاد الأوروبي المنتقدة للصين، وأيدت خطة بكين للسلام في أوكرانيا، وأقامت شراكة أمنية مع الصين.
لا تشكل العلاقات الاقتصادية لبكين كتلة تقودها الصين، لكن جاذبية سوقها ورأس مالها قد تكون كافية لكسب الصمت حيال قضايا تهم الصين. واستعداد الصين لاستخدام كل من الترغيب والترهيب يحفز الدول الأخرى على تجنب المواجهة وترك بكين تسعى وراء مصالحها.
أودري وونج أستاذ مساعد في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة جنوب كاليفورنيا.
الترجمة عن Foreign Affairs