أفكار وآراء

ملفات «إبستين» تكشف زيف النظام الأخلاقي العالمي

ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي، ومحطات الإعلام بمختلف أنواعها بالأخبار المتداولة المتعلقة بقضية وثائق «جيفري إبستين»، والتي بلغ عددها قرابة ثلاثة ملايين ملف، وتتضمن مقاطع فيديو، وصورا، ورسائل بريد إلكتروني، وجميعها مرتبطة بالملياردير الأمريكي «إبستين» الذي أُثبتت بحقه تهم خطيرة تتعلق بالاتجار بالبشر، والاستغلال الجنسي للقاصرات، وممارسة الدعارة المنظّمة داخل قصره وجزيرته المنعزلة إلى جانب ممارسات أخرى -أشبه بما يمكن أن تسمى بالطقوس الشيطانية- يصعب الخوض في تفاصيلها. 

لكن لا تقف خطورة القضية عند حدود الجرائم الأخلاقية والجنائية فحسب، وإنما تتجاوز ذلك إلى أبعاد سياسية واستخباراتية أكثر تعقيدا؛ فكشفت هذه الوثائق أن «إبستين» كان يتمتع بنفوذ واسع، واستطاع اختراق منظومات سياسية واقتصادية وإعلامية في عدد من دول العالم، ونجح في استقطاب شخصيات نافذة إلى شبكته غير الأخلاقية، من ساسة، ورجال أعمال، وأكاديميين، وفنانين، وصحفيين، وغيرهم من المشاهير ذوي التأثير العالمي، وهذا ما يدعو إلى التساؤل عن حجم هذه القدرة في التخطيط والولوج إلى المؤسسات والأفراد واستدراجهم والتجهيزات الفنية المعقّدة الموثِّقة للجرائم التي وقعت في جزيرته. 

لكن -وعبر الملفات الأخيرة- الأمر اللافت في هذه الوثائق ما تضمنته من مؤشرات قوية على وجود علاقة تربطه بجهاز الموساد الإسرائيلي مثل وجود مراسلات بريدية وحوارات جرت بين «إبستين» و«إيهود باراك» -وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك-، تؤكد -في مجملها- عن رؤية مشتركة تقوم على وضع تصورات وخطط تهدف إلى صناعة الفوضى في المنطقة العربية ككل وذُكرت بعض الدول بالاسم مثل مصر، وليبيا، ولبنان، وسوريا، وغيرها من الدول، ويصبّ ذلك -بشكل مباشر- في مصلحة إسرائيل عبر تعزيز تفوقها الإقليمي، وضمان قدرتها على الاستمرار لتكون القوة المهيمنة في المنطقة، وينسجم ذلك مع نمط طويل من السياسات التي تقوم على تفتيت المنطقة، وإضعاف الدول المركزية، وإغراقها في أزمات داخلية مستدامة. 

هذا ما سبق أن أُثير مرارا في تحليلات وتقارير سابقة؛ إذ تشير المعطيات إلى أن النشاط الصهيوني العالمي يعتمد على منهجية الفوضى وعلى أدوات الابتزاز، وجذب الشخصيات المؤثرة وصنّاع القرار عبر المال أو عبر إسقاطهم أخلاقيا؛ لأجل السيطرة عليهم وتوجيههم، وهذا ما يتقاطع -بشكل جلي- مع مشروع «إبستين» القذر الذي يحاكي المناهج الاستخباراتية وأساليبها؛ فتبيّن أنه كان يعتمد على وسطاء للوصول إلى الشخصيات النافذة، ثم توجيه دعوات منظمة ومدروسة لهم لزيارة جزيرته الخاصة المنعزلة المزوّدة بأنظمة تصوير احترافية خفية. 

فوفقا لما أثبتته الوثائق، يبدو أن «إبستين» صُممَ ليكون أداة استخباراتية استُخدمت لاستدراج شخصيات نافذة جدا، من بينهم -بحسب ما تشير إليه بعض الوثائق- هرم الإدارات الأمريكية السابقة والحالية، إلى جانب عدد من صُنّاع القرار في دول مختلفة، ويفتح الباب أمام فرضية خطيرة مفادها أن النظام السياسي والإداري الحاكم في الولايات المتحدة متورط بشكل مباشر أو غير مباشر في هذه الشبكة، وراضخ تحت ضغوطات الإغراءات والابتزاز، ويعمل -في نهاية المطاف- لصالح الكيان الإسرائيلي. تتضح هنا منهجية الابتزاز بأنها أداة مركزية للسيطرة والتوجيه؛ إذ بات جليا أن امتلاك ملفات مقززة أخلاقيا تتعلق بشخصيات مؤثرة؛ فإنه مسلك سهل إلى التحكم في قراراتها، أو على الأقل توجيهها بما يخدم أجندات محددة. 

السيناريو الذي تكشفه هذه الملفات يبدو واضحا؛ فالشخص الذي يُستدرج في مرحلة مبكّرة قد لا يكون حينها في موقع قرار متقدم، ولكنه بعد انخراطه في ممارسات لا أخلاقية مشينة موثَّقة، يُمهّد له الطريق -عبر دعم مالي وسياسي من اللوبيات الصهيونية - للوصول إلى مراكز صنع القرار، سواء في رئاسة الدول، أو قيادة الشركات العملاقة، أو التحكم في الثروات الكبرى. 

بمجرد وصوله إلى تلك المواقع، يتحول إلى أداة سهلة الانقياد، خاضعة للابتزاز، وقابلة للتوجيه، بما يجعل القرار السيادي ذاته رهينة لشبكات ضغط منظمة ذات أهداف واضحة. 

رغم الفظاعة والانهيار الأخلاقي الذي أظهرته لنا قضية ملفات «إبستين»؛ فإنها أيضا وثّقت أن محاولات الاستدراج والسيطرة لم تنجح مع الجميع؛ حيث تبيّن أن هناك شخصيات ومجموعات شريفة حاول «إبستين» الوصول إليها، ولكنه فشل، وإنما -على العكس- واجه بعضها هذه المنظومة وشنّ هجوما لاذعا عليها كما أكدت الوثائق نفسها. من بين هذه الشخصيات يبرز اسم الأكاديمي والمفكر اليهودي «نورمان فنكلستاين» -المعروف بموقفه المعادي للصهيونية والرافض لسياسات الكيان الإسرائيلي-. 

ويستحق موقف «نورمان» التقدير والاحترام، لا سيما في ظل ما كشفته هذه القضية من ضغوط هائلة مورست على أصحاب النفوذ والتأثير، ويُحتمل أن هناك شخصيات أخرى سلكت المسار ذاته، وإن لم تُسلَّط عليها الأضواء بالقدر الكافي. يشي موقف «نورمان» بأنه لم يقع في شراك المنظومة الابتزازية الصهيونية، ولم يُخضع نفسه لإغراء المال والجنس أو لضغوط التشويه والتهديد؛ فصوته الحر، واستمراره في المواجهة دون تراجع دليل على نزاهة موقفه واستقلاله الفكري. 

هكذا يتضح أن من لم تنجح المنظومة الصهيونية في اختراقهم أو احتوائهم بالمال أو الابتزاز سواء من الأفراد أو الحكومات، هم أنفسهم الذين نراهم اليوم في طليعة الأصوات الرافضة، والمقاومة، والموثِّقة للجرائم، والمدافعة عن الحقيقة، وهؤلاء -بلا شك- يُحسبون في عداد الشرفاء الذين حافظوا على مواقفهم الأخلاقية رغم كلفة المواجهة وثمنها الباهظ. يُرعبنا هذا الملف وما يحويه من جرائم مقززة كما أرعبتنا الملفات والقضايا السابقة، وما يرويه التاريخ القديم والمعاصر، وإضافة إلى الأحداث الجارية اليوم مثل ما يجري في غزة والسودان، ويرعبنا حجم الازدواجية في المعايير التي تقبع فيها بعض الدول الغربية المتظاهرة بالحضارة والديموقراطية في حين أنها تتغاضى ـ ويشارك بعض كبار ساستهاـ عن مظاهر العنف والقتل والاغتصاب وانتهاك الكرامة الإنسانية سواء التي تعلقت بقضية «إبستين» أو غيرهم الذين لم يحن موعد فضح جرائمهم وغيرها مثل التي تصاحب الحروب الظالمة. 

لهذا، أهم ما يمكن استخلاصه من هذه القضية ـ بما تحويه من فضائح كبرى ومخزية ـ أن ما يُعرف بمصطلح «الغرب الأخلاقي» تحطّم عمليا وبانت عوراته المخزية، واتّضح أنه لم يكن سوى وهم أُحسِنَ تسويقه، وصِيغ في إطار قوانين وخطابات براقة، بينما مورست في الواقع أبشع صور ازدواجية المعايير كما رأينا ذلك في الحروب الحالية والتفاعل الغربي المتحيّز-مثالها: المقارنة بين تفاعلهم مع حرب أوكرانيا وحرب غزة-، ونضف مع ذلك، أن كثيرا من هذه القوانين ذات الظاهر الإنساني كانت - في صميمها- أدوات غايتها التدمير الأخلاقي والسياسي والاقتصادي، واستدراج وإخضاع الأفراد والأمم، وفُرضت ضد دول ومجتمعات ما تزال متمسكة بمنظومات أخلاقية راسخة، لأجل محاولة إضعافها أو نزع قيمها أو دفعها إلى تقليد نموذج لا أخلاقي قُدِّم لها على أنه النموذج المتحضّر. 

لهذا، على مدى عقود طويلة، جرى توظيف منظمات دولية وخطابات كبرى بذريعة حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وحقوق الطفل. وتبيّن لنا وعبر ما تؤكده لنا الأحداث وملفاتها الساخنة، أن كثيرا من هذه المبادئ -بمضمونها الأخلاقي الزائف- لم تمارسها وتتمسك بها كثيرٌ من القوى الغربية وكبار مؤثريها من الساسة والأثرياء، أو طُبّقت بمنهجية هدّامة وانتقائية فاضحة تهدف إلى هدم قيم الأفراد ومجتمعاتهم، وحينها، شُرّعت قوانين تبيح مختلف أشكال الانحرافات والممارسات اللاأخلاقية، وقُنّنت الإباحية بجميع صورها باعتبارها «حرية شخصية»؛ ليتضح أن الهدف النهائي هو نسف القيم الأخلاقية الإنسانية العالمية، وتفريغ الإنسان من فطرته السليمة وكبح حركة الحضارة الإنسانية. 

د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني