المغرور .. مخلوق مشوه!
الجمعة / 17 / شعبان / 1447 هـ - 20:00 - الجمعة 6 فبراير 2026 20:00
الإنسان عندما يغويه الشيطان ويقرر في ذاته اتباع مسلك مخالف للنهج الإنساني، تجده تائهًا بين زحام الأحلام التي تجعله يرتكب الكثير من الأخطاء، يغزوه القلق من كل صوب وحدب، ويأتيه الضياع من بين ثنايا الزوايا وفتحات الأبواب المغلقة. لذا تجده لا يكف عن البحث عن أي 'مجد' قد انتهى منه غيره، وينتظر في الخارج لعل المطر يأتي فجأة من السماء ليبلل ثرى الأرض التي يقف عليها، ليثبت للآخرين بأنه شخص لا يهاب الأجواء الصعبة ولا الرياح العاتية التي تقتلع كل شيء يعترض طريقها.
من الخداع الذي تتسلى به العقول الضعيفة 'تصديق الأوهام الكاذبة' وإنكار 'الحقائق الراسخة'. فمثلاً، يقنع البعض نفسه بروايات الأبطال الأسطورية والأحداث الخرافية، ثم يقتات على خبز الأوهام التي عجنتها الظروف في رأسه، فيتأثر بها وكأن الخيال جزء من الواقع الذي يعيشه.
وحتى إذا جاءت بعض الأمور بمحض الصدفة أو بتوفيق من الله، ينسبها كلّها إلى ذاته الضّعيفة 'متباهياً' بأنه شخص خارق للعادة ومختلف عن بقية البشر.
هذا الغرور النفسي جزء من تركيبة البشر، ويصعب أحيانًا التخلص منه لتظل مع الزمن كعقدة لا تنفض حلقاتها بسهولة. فالمغرور ينسب كل إنجازاته السابقة إلى نفسه، سواء في ميادين العمل أو الحياة، معتبرًا أنه النموذج الأول والأخير في هذا العالم، الذي لا يُقهر ولا يتأثر.
من مميزات هذا الشخص أيضًا أنه ينكر مساعدة الآخرين له في الوقوف بعد السقوط، ويعرض عن كل الحقائق الواضحة كوضوح الشمس، مكتفيًا بالقول إنه 'الملهم' لنفسه ولغيره.
تحتم علينا الظروف أن نقول الحقائق كما هي، ولا نروج للأوهام والخرافات الكاذبة، ولا نغالي في الاعتقاد بأن ما وصلنا إليه هو براعة منا في اقتناص الفرص، وننسب كل الفضل إلى أنفسنا، رغم أن ذلك محاولة يائسة لطمس الحقائق ونكران كل جميل أسدى إلينا من الغير. بهذا التصرف، نكسر اليد التي امتدت إلينا لتجعلنا أشخاصًا ناجحين.
يقول مصطفى السباعي: 'المغرور إنسان نفخ الشيطان في دماغه، وطمس من بصره، وأضعف من ذوقه، فهو مخلوق مشوه'.
لم نعد نستغرب أن ينكر البعض فضل الغير عليه عندما يمتلك الغرور، فهو يرى كل شيء بعين واحدة وهي 'الأنا'، لذا تبعده عن رؤية الحقيقة. نحن نصاب دائمًا بحالة من الاستغراب المبرر، خاصة عندما نرى فعلاً ذميماً يصدر من أشخاص يتخفون وراء الأقنعة السوداء، ويكسرون معصم الأيدي التي انتشلتهم من القاع إلى القمة، متمنين أن يسقط الآخرون في هاوية الضياع.
من عجائب البشر أن بعض الغرقى، بعد أن يتم إنقاذهم، لا يدينون بالفضل لمن خاطر بحياته في سبيل إنقاذهم، بل يعتقدون أن مهارتهم هي التي أوصلتهم إلى بر الأمان، رغم أنهم قبل قليل كانوا يصارعون الموت ويتوسلون للغير لإنقاذ حياتهم.
بعد هدوء العواصف، تصبح الصورة مختلفة عن السابق. فمن كان قبل قليل في جوف الماء يواجه الغرق، ليس هو نفس الشخص الذي ظهر على السطح. هناك حالة من التحول وسرعة متناهية في نسيان كل شيء. لذلك هم 'المخادعون أو النرجسيون'؛ يختفون عندما نحتاج إليهم، رغم أننا لم نكن يومًا إلا داعمين واقفين معهم.
يكفي أن تشعر بخذلان ونكران للجميل يأتي من أبواب كنت تعتقد أن فتحها سيقودك إلى الأمان والشعور بالاطمئنان، فإذا فتحتها، لم تجد سوى سراب في صحراء قاحلة تذروها الرياح.
من يقف في الصفوف الخلفية أو وراء ظهرك هم جنود مجهولون، فلا يجب أن تلغي فضلهم عليك حتى وإن أردت أن تفتخر بما وصلت إليه!
ومهما بلغت من المكانة، تذكر قبل أن يسيطر الغرور على أفكارك كل الأيدي التي امتدت لترفعك نحو العلا. فلا تكن جاحدًا أو منكراً لها.