الاستثناء..
الجمعة / 17 / شعبان / 1447 هـ - 19:27 - الجمعة 6 فبراير 2026 19:27
هناك من يرى الاستثناء رقما إحصائيا يتفاخر به بين الآخرين؛ لذلك هو يبحث عنه بكل الوسائل ليراكم من هذا الرقم؛ حيث تتحقق مصالحه المادية المباشرة، وهناك من يرى الاستثناء بعدا إنسانيا، فيسعى أيضا إلى تراكم حالاته الإنسانية، لأنه يمثل له رصيدا متراكما يعتز به في الدارين، وهناك من يرى الاستثناء استحقاقا وجاهيا؛ فيحرص عليه، محافظا على البقاء في ذات المستوى الوجاهي فلا تتضعضع مكانته فيصبح طرفا ثانيا أو ثالثا في حسابات المعادلة الاجتماعية، وهناك من يرى الاستثناء على أنه ضرورة مؤقتة فقط، فيجازف لعل في تلك اللحظة يحقق ما يستطيع أن يحققه في المعتاد، فالحياة -كما يروج- مجموعة من الفرص، لا تتوفر دائما، وهكذا تتباين المشارب والأهداف، والقصة بأكملها يحتويها عنوان عريض اسمه «الاستثناء»، «والناس فيما يعشقون مذاهب» فهناك من يحرص على الاستثناء في كل شيء، وهناك من يرى فيه تجاوزا للواجب والحقوق.
يبدو -في كل ذلك- أن هناك فاصلا دقيقا بين الاستثناء والمعتاد «القاعدة» ولأن المعتاد سابق بفعل ديمومية تكراره أو وجوده فهو من الثوابت لذلك ينظر إليه أو يحمل بكثير من الصور النمطية وهناك كثيرون تزعجهم هذه النمطية، فيحبون أن يخرجوا عن هذا المألوف، فكيف يتحررون من ممارساتهم المعتادة؟ يكون ذلك بالبحث عن استثناءات المعتاد ولو كلفهم هذا الاستثناء شيئا من الجهد المعنوي والمادي وغض الطرف سواء أكان هذا الاستثناء من مبادراتهم الذاتية من خلال مغامرات ما أو من خلال آخرين يساعدونهم على ذلك سواء بمقابل أو بغير مقابل، وعلى الرغم من استعذاب النصر المتحقق من استثناء ما، إلا أنه مقلق إلى حد كبير، ولماذا يأخذ هذه الحدية في القلق؟ لأنه لم يأتِ بالطرق الصحيحة والسليمة، وإنما قد يسلك في تحقيقه طرقا ملتوية في بعض الأحيان، ولأن الاستثناء ليس ميسورا أمره للجميع، فهناك القليل من يحصل على استثناء ما، ولذلك تبقى درجة إخفاق عدم تحقيقه محتملة بدرجة كبيرة، وأقلها إن تحقق فلا بد أن يكون مكشوفا لأطراف أخرى، وهذه الأطراف قد تستغله لمآرب شخصية، وهناك من يدفع ثمن استثنائه وهو في حالة من الضعف؛ حيث يتسيد عليه من قام باستثنائه، والواقع مليء بالقصص والمواقف.
يظل المعتاد كما جاء أعلاه حالة وجودية ثابتة، وقواعده راسخة، ويقوم دائما على الحق والعدالة، والسمو، فكل القوانين والنظم والتشريعات قائمة على القواعد الثابتة المعنونة بـ«المعتاد» والكل مستسلم لاستحقاقاته الماكنة، ولذلك من يقنع بالمعتاد يكون على قدر كبير من التحمل والموثوقية، ولا يبحث كثيرا عما هو مستثنى، ليقينه الدائم أن «الضرورات تبيح المحظورات» فيما لا يتعارض مع الثوابت، والقيم الراسخة للحياة، ولا يتسبب ضررا مؤلما للآخرين، أو يفوت عليهم حقوقهم المشروعة، وأن القواعد لا يجب أن تستهلك في مشاريع الاستثناءات والحالة الشاذة كما هي مقولة: «لكل قاعدة شواذ» فالشواذ عن القواعد - إن تكررت - معيبة، وإن حدثت مرة، فلا يجب أن تتكرر حتى لا تسقط في مأزق الخطيئة، ولذلك لا يمكن أن يضحى بالأصل «المعتاد» وهو أطول عمرا، وأعمق تجربة حياة، في مقابل الفرع «الاستثناء» وهو الأقصر عمرا، وأقل تجربة حياة، فحياته مقصورة بفترته الاستثنائية لتحقيق أمر ما، وإلا أصيبت المشاريع الإنسانية في مقتل، ومن هنا يأتي محاربة الأنظمة المختلفة -وخاصة الإدارية منها- للاستثناءات، وذلك للخوف من ضياع الحقوق، ومن تجاوز الواجبات، ومن امتهان العدالة، وتزعزع الأمانة، والخوف على المؤسسة أي كان نوعها ووظائفها من ترهل المسؤوليات بين دوائرها، ومع أن الأكثر شيوعا في مسائل الاستثناءات هي المؤسسات العامة، ومع كل ذلك تتسيد حالات الاستثناء أكثر ما تكون في الأعراف، والتفاهمات الاجتماعية، وهذه ربما ضرر نتائجها أقل مما هو في المؤسسة العامة.