هيبة الإنصاف بين العمارة والعدالة
الخميس / 16 / شعبان / 1447 هـ - 19:41 - الخميس 5 فبراير 2026 19:41
في حديثٍ ذي شجون جمعني بصديقٍ مهندسٍ، دار بيننا حديثٌ ممتد حول العمارة، وأخبرني أنها ليست علمًا جامدًا ولا حسابات صماء كما يظن البعض، بل فنٌ دقيق وراقٍ، ينطوي على معانٍ إنسانية ؛ فلكل بناء روحه، ولكل جدار لغته، ولكل مساحة الرسالة التي خُلقت من أجلها
راقني حديثه ومضينا سويًا نسترجعُ شواهد من التاريخ والحاضر.،بدأنا بمعبدِ الكرنك، ثم معجزة الأهرامات والبارثينون، وأسوار روما، وجامعات بولونيا وباريس، مجالس التشريع في أثينا وروما، قصور الخلفاء والملوك، وصولًا إلى الصوامع والمحاريب.
كانت الحجارة في هذه الأبنية ليست مجرد مادة، بل رسالة للجمال والنظام والهيبة والحق. كل حجر يحمل معنى، وكل بناءٍ يربط الإنسان بقيمه ومجتمعه.
توقفنا عند المحاكم، تلك الأبنية الخاصة بالقضاء، وتحدثنا عن رحابتها، ارتفاعها الشاهق الذي يبعث على الوقار، وطابعها الذي يثير الهيبة في نفوس الداخلين إليها.
شغفني الحديث فرحت أبادله الشغف وقلت له:أوافقك الرأي، فحينما زرت المحكمة لأول مرة لم أر حجارة صماء، بل شعرت بمعنى حي، ورسالة تقول: 'العدل أساس الملك وفوق كل سلطان'.
منذ ذلك اليوم، حملتُ هذا الانطباع عن المحكمة، وأنها مرتبطة بالقضاء وهيبته، وتعرفت على هذا المعنى بعمق من خلال التحاقي- بكلية الحقوق – هذا الحقل المعرفي المعني بالقانون والعدل والعدالة، وزادت مساحة معرفتي برسالة القضاء، وأن القاضي له حقوق وعليه واجبات، وأن ما يمنح له من امتيازات لا ينبع من شخصه، بل من جسامة الرسالة، أدركت أن القاضي في جوهر مهمته، هو الفم الناطق بالعدل في الأرض، وأن الوقار الذي يكتنف منصبه ليس تشريفًا، بل حمل ثقيل وأمانة، وأن مهمته حماية الإنصاف لا السلطان.
أنا وصديقي أفضنا في الحديث عن الإنصاف أكثر من الرهبة، مؤمنين أن القضاء يحمي الحق وليس أداة للسلطان.
بحثت في صفحات التاريخ، المضيئة عن حقيقة القضاء، استحضرت عظمة القاضي شريح وموقف علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أمامه، عليُ يقف خصمًا أمام القاضي شريح، كما يقف أي إنسان عادي أمام العدالة، لم يستدع مقامه العالي، وأنه أمير المؤمنين ورأس الدولة، ومقامه هذا لم يمنحه أي إضافة أو امتياز في مجلس القضاء، بل التزم بالقانون، وعامله شريح بنفس الالتزام، فلم يمنحه مجاملة، ولم يستثنيه، فجعله هو وخصمه على مسافة واحدة، فالجميع مهما تباينت درجاتهم متساوون أمام القانون والحق، فالأحكام تصاغ بعدل مطلق بعيدًا عن الأهواء والميول والانحيازات الشخصية، فالقاضي شريح كان ينظر للمتقاضين أمامه من منظور العدالة والمساواة أمام الحق والشريعة.
وتجلّى الإنصاف أيضًا في رسالة عمر بن الخطاب إلى قضاة عهده، وعلى رأسهم أبو موسى الأشعري، والذي خاطبهم فيها بقوله: ' آس بين الناس في مجلسك ووجهك وقضائك، حتى لا ييأس ضعيف من عدلك، ولا يطمع شريف في حيفك'
الحديث هنا ليس عن الرهبة، بل عن الإنصاف، وأن القضاء يحمي الحق، وليس أداة للسلطان.
هنا تتجلى قيمة العدل، تلك القيمة التي تتحقق بها إنسانية الإنسان، لأنها تحفظ عليه حقه وعرضه وشرفه وماله، ومن خلالها ينعم المجتمع بالاستقرار.
القضاء العادل إذن يرسخ للاستقرار، وهذا ما حدث في كل حقبة زمانية كان القضاء فيها مستقلًا، ففي روما القديمة، حين كان القضاء مستقلًا عن إرادة الأباطرة، ازدهرت الدولة واطمأنت النفوس، وعندما تدخل الأباطرة وأصبح القاضي تابعًا لهم، تحوّل القانون إلى أداة، وفقد الناس الإيمان بعدالته.
وفي إنجلترا لم تبدأ الدولة الحديثة إلاّ بعد 'الماجنا كارتا' التي أكدت أن الملك ليس فوق القانون، وأن هيبة القضاء تنبع من الإنصاف وليس من التاج.
إذا أردنا أن نرى الازدهار والاستقرار في مجتمع، علينا أن ننظر إلى القضاء، استقلاله يعني حماية القاضي ليحكم بالحق بلا خوف أو هوى، أمّا الاستقلال به، يحيله إلى أداة في يد السلطة وتبعًا لإرادتها، فالأول يحقق العدالة، والثاني يفرغ القانون من روحه، ويحوّله إلى إجراء إداري بلا عدل.
عصور الانحطاط والتخلف والركود والتراجع، يكون القضاء فيها متراجع، يعج بالمخالفات والاستثناءت، القضاء فيها يفرغ النصوص من روحها، حتى يتحول الحكم إلى إجراء إداري بلا عدل، العدالة في هذه العصور عاجزة عن فعل أي شيء؛ لأنها في قفص الاتهام.
وصلنا أنا وصديقي إلى نتيجة واضحة:، كما أن للعمارة فنها ودلالتها على الجمال،، فإن قيمة العدل لا تحتاج إلى هيبة السلطان ولا صرامة المنصب، بل إلى هيبة الإنصاف، التي تشعر كل ضعيف بالأمان، وتجعل كل ظالم يدرك أن العدالة فوق كل سلطان.
في ختام حديثنا تسلل إلى قلبي شعور الهيبة الذي انتابني صغيرًا أول مرة رأيت المحكمة، لكن هذه المرة كان نابعًا من قدسية القضاء الحق الذي يهدف إلى تحقيق العدل والإنصاف، العدل الحر الذي لا يخضع لسلطان، بل يُرسّخ القيم ويضمن استقرار المجتمع وكرامة الإنسان.