العرب والعالم

تقويض "الأونروا".. إلغاء الوجود الفلسطيني هو الهدف؟

تصفيتها إنهاء قضية شعب.. وفصل آخر من الاقتلاع

 

فيما الفلسطينيون يربطون الأحزمة، على وقع السؤال الذي أخذ يهز مضاجعهم 'تهدئة أم حرب' يواصل كيان الاحتلال عدوانه بصور وأشكال مختلفة، فحرب الإبادة التي شنها على قطاع غزة على مدار عامين، لم تكن الأولى، ومن المؤكد أنها لن تكون الأخيرة، في سياق مساعيه الرامية إلى تصفية الوجود الفلسطيني.


وثمة فصل آخر من فصول الحرب التطهيرية الاقتلاعية، طغى على المشهد أخيراً، وقوامه استهداف الاحتلال وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين 'الأونروا' في دليل إدانة على بشاعة ممارساته وفظاعة نواياه.


الكيان الإسرائيلي، لم يترك وسيلة لقهر ووقمع الفلسطينيين إلا واتبعها، ولا يترك مظهراً أو رمزاً للوجود الفلسطيني إلا ودمره، وهو بعدوانه المستمر والممتد ليطال اللاجئين الفلسطينيين في لقمة عيشهم، إنما يستهدف تصفية قضيتهم، وكل ما يرمز إلى عودتهم، رغم علمه بما يترتب على ممارساته هذه من كارثة إنسانية، تضاف إلى معاناة اللاجئين الفلسطينيين، الممتدة منذ 77 عاماً وأكثر.


وفي الوقت الذي كان العالم مشدوداً إلى فتح معبر رفح في قطاع غزة، للمرور نحو المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، ورصد إمكانية نجاحها، على ضوء المطبات والعراقيل الإسرائيلية التي رافقت المرحلة الأولى، كرر الكيان الإسرائيلي سيناريو الاعتداء على مقار 'الأونروا' في هجمة ممنهجة، تهدف إلى إنهاء دورها وحلها، لتسهيل تذويب قضية اللاجئين، واستئصال المفهوم الذي نشأت عليه.


إلغاء وجود
وفيما يرتكز الإهتمام الدولي على تداعيات الحرب الدامية على غزة، تشهد مدن الضفة الغربية والقدس كارثة إنسانية غير مسبوقة، باستهداف مقار وكالة 'الأونروا' الأمر الذي يقرأ فيه مراقبون ومحللون، مظهراً من مظاهر وأدوات تصفية القضية الفلسطينية، وإلغاء الوجود الفلسطيني.
وتنبىء الاعتداءات المتسارعة التي تشنها قوات الاحتلال على مقار 'الأونروا' وآخرها في القدس وقلنديا، عما هو أكثر من تقويض عمل منظمة دولية، وتتعدى ذلك إلى مساحة أكبر من الاستهداف الممنهج الذي يطال قضية اللاجئين الفلسطينيين، ويصيبها في مقتل.


وفق رئيس الوزراء الفلسطيني السابق محمد اشتية، فمحاولة إسرائيل تقويض وكالة 'الأونروا' يندرج في سياق الضغط على الشعب الفلسطيني، للإنصياع لمخططاتها وأهدافها، وهي محاولة يائسة لإزاحة ملف اللاجئين عن الطاولة، وتصفية حق العودة، مشدداً: 'الاحتلال يستولي على الأراضي في الضفة الغربية، ويهدم مقار الأونروا ومؤسساتها ومخيماتها في القدس وقلنديا، وهذا ليس بالجديد ولا المستغرب على الاحتلال، القائم على تصفية الوجود الفلسطيني'.


ويمضي بالقول: 'هذه الإجراءات تضع الفلسطينيين على مفترق طرق، لكن مخططات التهجير والتصفية الإسرائيلية فشلت، بينما خسرت إسرائيل رهانها على الرأي العام الدولي'.
بينما يرى القيادي الفلسطيني مصطفى البرغوثي أن الاحتلال باستهدافه لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، إنما يهدف إلى شطب وإلغاء أحد رموز العودة للاجئين وتصفية قضيتهم، وصولاً لتصفية القضية الفلسطينية برمتها، وفرض الهيمنة على سائر الأراضي الفلسطينية، موضحاً: 'القرار لا يمس الأونروا فقط، بل يستهدف الوجود الفلسطيني على هذه الأرض'.


أهداف تصفوية
وما انفكت قضية اللاجئين الفلسطينيين، توصل رسائلها للعالم وتلفت أنظاره إلى أن هناك شعب يعاني ويلات وتبعات وجرائم الاحتلال، وهذا لا يرق للكيان الإسرائيلي، الذي رمى بكل ثقله وأدواته القمعية، لتصفية هذه القضية المفصلية، لإدراكه بمدى تعاطف وتضامن شعوب العالم معها.


وجلي أن محاولة الكيان الإسرائيلي شطب كل ما يرمز للاجئين وقضيتهم، تمس جوهر القضية الفلسطينية، خصوصاً وأن مصطلحات كـ'حق العودة' و'اللاجئين' ظهرت بعد النكبة الفلسطينية عام 1948، ما يعني أن جوهر القضية الفلسطينية يتمثل في أؤلئك الذين هجروا عنوة وبقوة السلاح، عن قراهم وأراضيهم، وعليه، فتصفية قضيتهم إنما يعني شطب قضية شعب برمته.


وبمسار تصاعدي تمضي سلطات الاحتلال الإسرائيلي، في مساعيها الرامية لإنهاء وجود المؤسسات الأممية العاملة في فلسطين، وعلى رأسها 'الأونروا' من خلال قطع الكهرباء، وأوامر الإخلاء، والإغلاق، وتعطيل العمل، وتجفيف الموارد المالية، في ممارسات يرى فيها الفلسطينيون دلالات سياسية، وأهداف تصفوية.


وحسب المسؤول السابق بوكالة 'الأونروا' سامي مشعشع، فما جرى من اعتداء إسرائيلي على مقار الوكالة الدولية في القدس وقلنديا ومناطق أخرى، ليس إجراء عابراً، بل جزء من مشروع تصفوي متكامل، يستهدف قضية اللاجئين، ومجمل القضية الفلسطينية.


تداعيات كارثية
في قطاع غزة ينصب الاهتمام على مآلات فتح معبر رفح، أما في القدس والضفة الغربية، فتذهب الاعتداءات الإسرائيلية إلى نطاقات أوسع في الجغرافيا، وأعمق في الجذور، فما يجري في القدس والضفة الغربية ليس بمعزل عما جرى في غزة، ففي الحالتين تستبدل الحقوق بالمشاريع التهويدية، واللاجئون بخرائط توسعية.


واستناداً إلى قراءات المراقبين، فاستهداف وتفكيك مقار 'الأونروا' سينعكس بتداعيات كارثية على ملايين اللاجئين في فلسطين وبعض الدول العربية، ما ينذر بتجليات صعبة، تضاف إلى ما يعانيه الفلسطينيون أصلاً من ضائقة مالية، وضعت السواد الأعظم منهم تحت خط البطالة والفقر، فضلاً عن تحويل قضيتهم من سياسية محورية، إلى أزمة إنسانية.


إنها دلائل سابقة في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، تقوم على إنكار متعمد للشخصية الفلسطينية، وطمس كل معالم الوجود الفلسطيني، ومن المرجح أنها لن تتوقف، ولا يعلم أحد إلى أين ستقود نتائجها.