الإسلام سياج الفطرة وحفظ الكرامة الإنسانية
الخميس / 16 / شعبان / 1447 هـ - 18:59 - الخميس 5 فبراير 2026 18:59
خلق الله الإنسان من جسد وروح، وضبط احتياجات كل منهما، فلذلك حين ينفصل الإنسان عن الدين يفقد المعنى الذي تستقيم به الفطرة، ويخسر النور الذي يضبط نوازعه ويهذب رغباته، فالدين أمر أساسي في حياة الإنسان، فهو الضابط الذي يحفظ الإنسان من أن ينحدر إلى مستوى الغريزة العارية، ومن أن يتحول إلى كائن تحكمه الشهوة وتوجهه النزوات، وحين يضعف حضور الإيمان في القلب تتسع مساحة الفراغ في ذلك القلب ويجد الشيطان طريقه إلى النفس، فنجدها تستسيغ ما كانت تنفر منه، وتألف ما كانت تستقبحه، وبذلك تفقد الروح حساسيتها الأولى التي فطرها الله عليها.
ونحن نعلم بنص كتاب الله أن الإنسان خلق مكرما، وجعل له الله مقاما رفيعا بين المخلوقات، وأودع فيه استعدادا فطريا لمعرفة الخير ومحبة الطهر والنزوع إلى الفطرة السوية، فالله تعالى يقول: ' وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا' غير أن هذا الاستعداد لا يبقى محفوظا بذاته، لأن النفس تتقلب، ونجد أن الهوى يتسلل إليها، والضعف جزء من طبيعة البشر، ولهذا جاءت الرسالات لتكون سياجا يحفظ الإنسان من نفسه قبل أن يحفظه من غيره، وجاء الإسلام ليقيم الحياة على قاعدة التقوى، وليجعل الأخلاق عبادة، وليصوغ الإنسان صياغة تليق بكرامته التي أرادها الله له.
وحين يتأمل المرء حال المجتمعات التي رفعت شعار الحرية المطلقة يجد أن الحرية حين تنفلت من الضوابط الأخلاقية تتحول إلى فوضى ، ويتحول الإنسان إلى كائن لا يرى في نفسه إلا اشباع رغباته، ونجده في بحث دائم ومسعور عن المتعة، وقد يفعل كل شي من أن يحوز السلطة، فمع مرور الوقت تبهت القداسة التي تحيط بالإنسان، ويضعف احترام الجسد بوصفه أمانة، وتضعف قيمة الأسرة بوصفها مأوى الرحمة والاستقرار، وبهذا يخرج عن الفطرة والضوابط الشرعية فكل علاقاته قائمة على الاستهلاك على المودة والرحمة، ويغدو الإنسان مشروعا للمتعة العابرة بدل أن يكون روحا لها حرمة ومقام.
نحن نعلم أن الانحراف الأخلاقي لا يبدأ فجأة، فقد يسبق هذا الانحراف تغيير للمعايير، وقد يتم توصيف الحق من خلال اتباع الهوى، فتتحول القيم الأخلاقية إلى رأي شخصي لا إلى حقيقة ثابتة،
وقد تسمى الأسماء بغير مسمياتها الحقيقية مثل أن توصف الرذائل بأنها حرية شخصية وتقدم وانفتاح، في حين نجدهم يصفون الطهر والعفة بأنه تقييدا، وتصبح الفضيلة في نظرهم بأنها عبء على الحياة، ويصل الأمر إلى أن تُمارس أبشع صور الاستغلال في الخفاء، وتتشكل شبكات من الفساد تحتمي بالنفوذ والمال والسطوة، وتظهر بين حين وآخر فضائح تهز الضمير الإنساني وتكشف ما كان مستورا، وتدل على أن الانحطاط ليس أمرا هامشيا بل مرضا عميقا حين يغيب الإيمان وتفصل الأخلاق عن الدين، وهذا ما عبر عنه القرآن الكريم بأن بعض البشر يصل بهم الأمر إلى أن يتخذوا من الهوى إلها لهم يحكم تصرفاتهم ومعاييرهم في الخير والشر، فقال الله تعالى: ' أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ'، فهو توصيف دقيق لمن يجعل من الهوى قائدا له، فيصل إلى مرحلة من الدونية والفساد الذي لا يستوعبه عقل.
والإسلام حين جاء لم يأت ليصادر الإنسان أو يقمعه، بل جاء ليحميه من السقوط في هذه القبائح، وليعيده إلى طهارته الأولى، فجعل العفة قيمة عليا، وجعل صيانة الأعراض من أعظم الواجبات، وجعل الجسد أمانة لا مجال لابتذالها، وجعل الإنسان محترما في ذاته لا في ثمنه ولا في لذته ولا في قدرته على الإمتاع، وفي الإسلام لا يجوز أن يتحول الضعفاء إلى فريسة، ولا أن يصبح الإنسان سلعة، ولا أن تستباح الكرامة تحت أي شعار.
ومن أعظم ما يميز الأخلاق الإسلامية أنها لا تقوم على الرقابة الخارجية وحدها، لأن القوانين مهما بلغت لا تستطيع أن تصل إلى كل خفايا النفوس، ولا أن تمنع الشر إذا اختبأ خلف الأقنعة، أما الإيمان فإنه يصنع رقابة داخلية لا تنطفئ، ويوقظ الضمير حتى في العزلة، ويجعل الإنسان يستحي من الله قبل أن يستحي من الناس، وهذه الخصيصة هي سر قوة الإسلام في بناء المجتمعات، لأن الأخلاق فيه ليست مجرد نظام اجتماعي، بل علاقة روحية عميقة بين العبد وربه.
وحين ينظر الإنسان إلى عالم اليوم يرى أن التقدم المادي وحده لم يمنح البشرية السكينة، وأن وفرة الوسائل لم تمنع الانهيار الداخلي، وأن الحضارة حين تخلو من الروح تصبح مثل القشورالتي تخفي وراءها خواء عظيما، فكم من مجتمعات بلغت شأوا في الصناعة والاقتصاد، لكنها تعاني تمزقا في الأسرة واضطرابا في الهوية، وانحدارا في المعايير لأن البناء لم يقم على أساس أخلاقي ثابت، وإنما قام على المنفعة والرغبة واللذة.
والإسلام يقدم للإنسانية نموذجا مختلفا، ففي الإسلام الحرية مرتبطة بالعبودية لله، والكرامة مرتبطة بالتقوى، فالله تعالى يقول: ' إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ'، كما أن الأخلاق مرتبطة بالآخرة كما هي مرتبطة بالدنيا، ومن هنا تنشأ الطمأنينة، لأن الإنسان يعرف حدوده ورسالته، ويعرف أن وجوده ليس عبثا، وأن شهواته ليست قائدته، وأن روحه أعلى من أن تُسلم لنداء الغريزة.
وحين تضعف هذه القيم تتكاثر صور الانحراف، وهو ما طالعتنا به مؤخرا وسائل التواصل من بشاعات لا يتصورها عقل مما تقوم به النخب السياسية والاقتصادية في العالم الغربي، وذلك ضريبة لانسلاخ ذلك الغرب من القيم الدينية، فنجد دائما في دعوتهم لمحاربة الإسلام يقولون أن القيم الإسلامية لا تتفق مع القيم الغربية، وهم يقصدون أن الإسلام لا يتفق مع تشوهاتهم في القيم والأخلاق، فالكثيرون من القيادات والنخب الحاكمة، قد سقطوا على المستوى الإنساني وقد ظهر ذلك جليا في دعمهم للمجازر التي تحصل في غزة، ونجد أنهم سقطوا سقوطا مدويا بما تم الكشف عنه في الإعلام العالمي الأيام الماضية.
والإسلام هو مشروع رحمة شامل، يحمل للبشرية خلاصها الحقيقي، لأنه يربط الأرض بالسماء ويجعل الإنسان عبدا لله لا عبدا لهواه، ويقيم القيم في وجه الفوضى، ويمنح الروح غذاءها الذي لا يعوضه شيء، وقد وصف الله رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: 'وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَة لِلْعَالَمِينَ'، فهذه الرحمة ليست محصورة في زمان أو مكان، بل هي ضمان دائم لبقاء الإنسان إنسانا.