رأي عُمان

العالم يترقب: الطاولة أم حاملة الطائرات؟

 

يمكن قراءة طلب إيران نقلَ المفاوضات من تركيا إلى سلطنة عُمان في أكثر من اتجاه، أهمها أنها تبحث عن وسيط يحظى بقدر أعلى من الثقة، ثم رغبتها في إبعاد الملف عن مزايدات الاستقطاب. لكن كل هذه الدلالات تبقى هامشا إذا قورنت بالسؤال الأشد إلحاحا: أنحن أمام تفاوض يفتح بابا لتفادي حرب جديدة، أم أمام تفاوض يُستخدم ستارًا لإدارة ضربة أكبر؟

التجربة القريبة تجعل هذا السؤال مشروعًا؛ فمنطق «الذهاب إلى الطاولة» يفقد معناه إذا كانت الطاولة ذاتها تُستعمل لإنتاج رواية سياسية: «لقد جرّبنا الدبلوماسية»، ثم تُستدعى القوة باعتبارها «الخيار الأخير». لا يكتفي العالم بسماع هذه العبارة، بل يريد أن يرى مؤشرات صدقها؛ لأن انهيار الثقة في الدبلوماسية لا ينعكس على ملف إيران وحده، بل على الفكرة نفسها: لماذا تتفاوض الدول إذا كانت المفاوضات قابلة للتحوّل إلى مرحلة تمهيدية قبل الحرب؟

وتظهر هنا عقدة التوقيت. عندما يترافق الحديث عن محادثات في مسقط مع حشد عسكري ملموس فإن الرسالة تصبح مزدوجة: «نتفاوض، ونستعد». وهذا ليس جديدا في السياسة الدولية، لكنه يصبح خطيرا حين يتجاوز وظيفة الردع إلى وظيفة الإيهام؛ فالردع يهدف إلى منع الحرب عبر رفع كلفتها، أما الإيهام فيهدف إلى جعل الحرب أسهل تسويقا.

قد تقول واشنطن: إن الحشد شرط للتفاوض لا بديل عنه. هذا مفهوم من زاوية الردع، لكنه يصبح خطيرا حين تُكتب شروط التفاوض بطريقة تضمن انهياره. وفي منطقة ما تزال مشتعلة من أكثر من جبهة فإن أي قراءة خاطئة لهذه الإشارة المزدوجة قد تُشعل حريقًا يتجاوز كل الحدود الجغرافية.

في المقابل لا يمكن تجاهل حسابات طهران. إيران مهما رفعت من خطاب الصمود تعرف أن الحرب على أرضها تعني استنزافا للبنية الأساسية قبل أي شيء بنية: المنشآت التنموية والموانئ والطاقة والمنشآت النووية، وكذلك الاستقرار الاجتماعي. وحتى لو استطاعت الرد وإيلام خصومها فإن كلفة الضربة الأولى داخل حدودها تُبقي التفاوض خيارا عقلانيا لا ينبئ عن ضعف بالضرورة. لذلك يدخل الإيرانيون المفاوضات؛ لأن البديل أسوأ، لا لأنهم مقتنعون بأن الطرف الآخر تغيّر.

يبقى السؤال الأصعب: ماذا تريد واشنطن من إيران الآن؟ إذا كان الرئيس الأميركي يقول: إن الضربات السابقة عطّلت المنشآت النووية أو أخرجتها من الخدمة فكيف يُفهم استمرار التصعيد؟ هنا تتعدد الأهداف، ويختلط الردع بصناعة الشروط.

ربما كشفت الحرب الماضية عن أوراق إيران وما تمتلكه من مواطن القوة التي تمثلت في القدرة على امتصاص الضربة الأولى، والقدرة على الرد خاصة بمنظومتها الصاروخية المتنوعة. ولذلك يبدو البرنامج الصاروخي، وشبكة النفوذ الإقليمي في مرمى أي مواجهة جديدة بين الطرفين.

وتريد واشنطن على الأرجح سقفًا أعلى لاتفاق مقبل عبر تقليص خيارات إيران لا عبر توسيعها.

ويتصور البعض -وقد يكون ذلك صحيحا- أن أمريكا تبحث عن هدف أعمق آخر، وهو إعادة صياغة ميزان الردع في الخليج، وتثبيت صورة قوة قادرة على حماية الملاحة، وطمأنة الحلفاء الذين اهتزت ثقتهم في الحليف الأمريكي خلال العامين الماضيين بشكل خاص.

لكن أي هدف من هذه الأهداف يظل ناقصا إذا لم يُقابله جواب أخلاقي وسياسي واضح: ما الثمن الإنساني؟ أي حرب جديدة لن تُدار في فراغ. ستُفتح مسارات انتقامية، وستتسع دوائر الميليشيات، وستتضرر اقتصادات لا علاقة لها بقرار الضربة. هذا ما يجعل جدّية التفاوض معيارا مهما للمرحلة القادمة.

لذلك يبدو أن الاختبار الحقيقي في مفاوضات مسقط المقررة يوم غد الجمعة في القواعد التي ستقوم عليها المفاوضات لا في البيانات أو الصور التي تخرج بعد نهايتها. وهل ستحصر أجندة التفاوض فيما يمكن أن ينجز فعلا؟ أم تُثقل بشروط تُفشلها ثم تُستخدم ذريعة؟ وهل تتراجع لغة «الإنذار» لصالح لغة «الضمانات»؟

إذا كانت واشنطن تريد اتفاقا فعلا فالمطلوب ألا تجعل المفاوضات ممرا يوصل إلى حاملة الطائرات. وإذا كانت تريد حربا فالأجدر أن تقول ذلك بوضوح؛ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للمنطقة الآن هو أن تُدار الحرب باسم السلام، وأن تُستنزف الحقيقة داخل غرفة تفاوض تُفتح أبوابها بينما تُعمر المدافع خارجها.