أفكار وآراء

إسرائيل اعترفت بحصيلة قتلى غزة.. لا تدَعوها تغير قواعد اللعبة

ترجمة: أحمد شافعي

يعيش الآن المتحدثون باسم إسرائيل، من الرسميين وغير الرسميين، حالة السعي إلى احتواء الضرر، وذلك بعد أن اعترف مسؤول عسكري رفيع المستوى في الأسبوع الماضي بأن إسرائيل تقبل بحصيلة الموتى التي نشرتها وزارة الصحة في غزة، وتبلغ الآن أكثر من سبعين ألف قتيل. يأتي هذا بعد سنتين انتهزت فيها إسرائيل وأنصارها كل فرصة سانحة للاستخفاف بأرقام وزارة الصحة ورفضها، والقول بأن حماس تبالغ فيها أو تختلقها اختلاقًا.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، نرى أن هذه القائمة المرموقة من المنكرين المتحدثين باسم إسرائيل حكومة وجيشًا تضم رئيس الولايات المتحدة السابق جو بايدن، والكونجرس الأمريكي، ورئيس رابطة مكافحة التشهير جوناثان جرينبلات، ولجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك)، وعددا غفيرا من المحللين في مراكز الأبحاث والسياسات المؤثرة.

ومما يضيف إلى إنكارهم مصداقية أن وسائل إعلام بارزة في العالم دأبت على وصف وزارة الصحة في غزة بأنها الوزارة «التي تديرها حماس»، فكان ذلك يشجع القراء والمشاهدين على الارتياب في حصيلة القتلى.

في الحقيقة، ما كان ينبغي مطلقا التشكيك في حصيلة الموتى الرسمية، وذلك من جهة لأن الأمم المتحدة كانت تقر بشكل مستقل دقة أرقام وزارة الصحة بعد كل عملية قصف لغزة تقوم بها إسرائيل منذ عام 2008. ومن جهة أخرى لأن البيانات التي نشرتها وزارة الصحة منذ السابع من أكتوبر مفصلة إلى أقصى درجة ممكنة، فهي تحتوي الاسم بالكامل، وتاريخ الميلاد، والنوع، ورقم الهوية، لجميع الضحايا الذين تأكد موتهم إما من خلال مشرحة المستشفى أو عن طريق أقاربهم.

ومن الطبيعي أن تقع أخطاء وسط فداحة الهجوم الإسرائيلي الذي ألحق الدمار بنظام غزة الصحي كله تقريبا، لكنها كانت قليلة بدرجة ملحوظة وتم تصحيحها فوريا، فقد تبين لشبكة فوكس نيوز في العام الماضي أن عدد بيانات قائمة حصيلة الوفيات الخالية من أرقام الهويات أو ذات أرقام الهويات الخاطئة قد قل من 2769 في أول ابريل إلى 313 فقط بحلول نهاية يوليو. وبذلك رأت تحقيقات خارجية عدة أن البيانات المنشورة تصمد للتدقيق.

وفي يناير 2024، أورد زميلي يوفال أبراهام أن أجهزة المخابرات العسكرية الإسرائيلية قد تجسست على موظفي وزارة الصحة في غزة لتتحقق من دقة بياناتهم، ولما تبينت لها دقتها، بدأت لاحقا في استعمالها في مذكرات المعلومات الداخلية.

وقال له مصدر بالمخابرات إنه «في كل تقرير حالة، عندما يقوم كل فرد بتحديث معلومات الآخرين عما حدث، تكون ثمة شريحة بالرقم الراهن للمدنيين القتلى في غزة، وكان ذلك يعتمد بشكل شبه حصري على وزارة الصحة التابعة لحماس».

ومع ذلك استمر الإنكار على مدى عامين كاملين. وحتى الآن، سارع الجيش الإسرائيلي بعد تقارير الأسبوع الماضي فزعم أن «التفاصيل المنشورة لا تعكس بيانات الجيش الإسرائيلي الرسمية» برغم تصريح وسائل إعلام إسرائيلية بوضوح بأن هذا ما بلغها من مسؤول رفيع المستوى في جلسة إحاطة خاصة.

فهل نحن على وشك أن نرى موجة من الاعترافات بالخطأ، أو على أقل تقدير نوعا من مراجعة النفس، يقوم بها كل من روجوا لوجوب عدم الثقة في حصيلة القتلى؟ لا تعولوا على هذا.

فالواقع أن بعض هؤلاء في ما يبدو قد شرع بالفعل في تغيير قواعد اللعب، إذ باتوا يقولون إنه في حين أن حصيلة القتلى البالغ عددهم سبعين ألفا قد تكون دقيقة، لكن العبرة حقا بنسبة المدنيين إلى المقاتلين فيهم، ويقولون إن هذه النسبة منخفضة بالقياس إلى حروب المدن.

على مدار الحرب، كان القادة الإسرائيليون يحددون نسبة للقتلى المدنيين تدنو حتى (واحد إلى واحد) أو ربما (واحد ونصف إلى واحد) في الفترة الأخيرة، وهم يزعمون الآن أن المقاتلين يصلون إلى خمسة وعشرين ألفا من موتى غزة. لكن هذه المزاعم أيضا تتهاوى أمام التدقيق.

ولكي تفهموا السبب، ليس عليكم سوى النظر في تعريف الجيش الإسرائيلي للمقاتل. بعد غزو القطاع في أواخر عام 2023، بدأ الجيش في إقامة مناطق عسكرية أطلق عليها اسم «مناطق القتل» وجعلها ذات حدود اعتباطية وفي الغالب خفية، وجعل فيها للجيش أن يقتل أي فلسطيني يدخل إليها فورا، حتى من الأطفال الذين يسميهم بأثر رجعي الإرهابيين. (ويتضمن هذا في الوقت الراهن قرابة 60% من أرض غزة التي لا يزال الجيش الإسرائيلي يحتلها برغم وقف إطلاق النار).

وهذا ما تثبته بيانات الجيش الإسرائيلي نفسه؛ ففي أغسطس الماضي، نشرت مجلة +972 (التي أشغل حاليا منصب نائب رئيس تحريرها) مع الجارديان تحقيقا مشتركا كشف وجود قاعدة بيانات مخابراتية إسرائيلية سرية تحفظ معلومات محدثة عن حالة كل فلسطيني في غزة تشك إسرائيل -عبر مزيج من المراقبة الجماعية وخوارزميات الذكاء الاصطناعي- في كونه مقاتلا منتميا إلى حماس أو الجهاد الإسلامي الفلسطيني.

ووفقا لبيانات حصلنا عليها من هذه القاعدة البيانية في مايو من العام الماضي، قتلت إسرائيل أقل من تسعة آلاف مقاتل في وقت بلغ فيه إجمالي القتلى وفقا لوزارة الصحة ثلاثة وخمسين ألفا.

ولذلك فإن قاعدة البيانات أشارت إلى أن 83% من موتى غزة كانوا من المدنيين، مشيرة إلى معدل وفيات للمدنيين لا يكاد يوجد له نظير في الحروب الحديثة وهو ما يضيف مزيدا من الثقل إلى اتهامات الإبادة الجماعية التي انهالت على إسرائيل من الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان وكبار الباحثين المتخصصين في الإبادة الجماعية.

(أكد الجيش في رده أن «الأرقام المطروحة في المقال غير صحيحة» مع عدم إنكاره وجود قاعدة البيانات ودونما تحديد البيانات التي ينازع في صحتها).

وهذا كله لو أننا قبلنا أرقام وزارة الصحة التي لا تحتوي قرابة عشرة آلاف جثة لا يزال يعتقد بوجودها تحت الأنقاض، كما لا تحتوي الوفيات «غير المباشرة» من التجويع والمرض وانخفاض حرارة الجسم والحالات الصحية القابلة للعلاج، وهي التي غالبا ما تتجاوز الوفيات «المباشرة» في مناطق الحرب.

والحق أن دراسات علمية عديدة قد أجريت خلال الحرب تقدر أن حصيلة الموتى الحقيقية في الهجوم الإسرائيلي قد تتجاوز كثيرا مائة ألف.

وفي حين أننا لن نعرف مطلقا على وجه اليقين مبلغ ارتفاع حصيلة القتلى منذ السابع من أكتوبر إلى أن تتوقف إسرائيل عن قصف غزة، وعن منع وسائل الإعلام المحلية والدولية من العمل بحرية في القطاع، فثمة أمر واحد يمكن أن نكون على يقين منه، وهو أن مناخ الإنكار في ما يتعلق بأرقام وزارة الصحة قد ساعد إسرائيل على مواصلة ذبح الفلسطينيين جماعات وهي آمنة من العقاب.