واسيني الأعرج: كوميديا نوبل.. وتسويق الوهم
الأربعاء / 15 / شعبان / 1447 هـ - 19:51 - الأربعاء 4 فبراير 2026 19:51
في روايته الجديدة (مستر ولاشي) التي وضع لها عنوانا ثانويّا هو (مأدبة جائزة نوبل الأخيرة)، يناقش الكاتب الكبير (واسيني الأعرج) مساحة الوهم، وهيمنتها على ذهن الإنسان، مع إنه يعرف أنه مجرّد وهم، ويبدو أن وطأة الواقع الثقيلة تجعله يهرب من الحقيقة للأوهام، يقول الشاعر محمد مهدي الجواهري:
وكمْ سلّيتُ بالأوهام نفسي
وغطّيتُ الحقيقة بالخيال
وفي هذا المعنى يرى الكاتب كولن ولسن: «إن الأوهام هي التي تجعل الحياة أمرا يمكن احتماله، لذلك يكره الناس الحقائق، لأنّها تُبدّد الأوهام، وتضعهم أمام مرارة الواقع».
فبطل الرواية (نوفل آل فريد) كان سعيدا في عالمه، يكتب الروايات ويؤلف الكتب حتى بلغ عددها (101) كتاب، من بينها رواية عنوانها ( مارلين مونرو في ضيعتنا)، يرى فيها أن الرئيس الأمريكي جون كندي قتلها لأنها فضّلت عليه شابّا جزائريّا اسمه (بكر)، فقام (بكر) باغتيال الرئيس ثأرا لمقتل (مونرو)، واختفى تاركا رسالة وضعها في ماسورة البندقية التي نفّذ بها عملية الاغتيال، وجاء في هذه الرسالة «من أجل حبيبتي مارلين مونرو فقط»، وقد اعتاد (نوفل آل فريد) أن يحرز جوائز محلية، لكن فجأة يركبه الوهم، بسبب تشابه اسمه: نوفل آل فريد مع اسم مؤسس جائزة نوبل: الفريد نوبل، واستنادا إلى مقولة عربية قديمة ترى أن «لكل إنسان من اسمه نصيب»، يقنع نفسه أن هذا التشابه يحمل في طيّاته إشارة خفية إلى أنه يستحق جائزة نوبل للآداب، لا سيما أن نتاجه الأدبي يحظى بتقدير المحيط، فيدخل في دوامة أكبر منه، حتى يتمّ تدميره، من قبل أفراد ومؤسسات تغذّي هذا الوهم، لتربح، فترسم له عالما ورديا، فتكبر أوهامه ويخضع لقواعد قانونية فرضتها مؤسسة اسمها (بيتنا) مقابل أن تحصل على 10 % من قيمة الجائزة التي تبلغ مليون دولار إلى جانب تكاليف استمارة الترشيح، والترجمة، وملخّصات أعمال المرشّح باللغة الإنجليزية والحصول على وثائق، وكل ذلك كلّفه بيع قطعة أرض يملكها، وبعد أن اطمأن إلى استكمال الملف، بعثه مع طرد كبير مرفقا بنسخ من كتبه إلى الأكاديمية السويدية وسط استغراب موظفة البريد، فأجابها بثقة «آن الأوان لندخل المعترك. الحق ينتزع. نحن أيضا تركنا الساحة فارغة جدا لغيرنا. الطبيعة تأبى الفراغ».
وبعد أيام اتصل به مكتب الترشيحات بالصوت والصورة، وأكّد له أن الملف سليم، وجاءه اتصال آخر من مسؤول اللجنة المشرفة لإبلاغه أن الملف وصل وخضع للفحص الروتيني واتضح كل شيء، كما ورده اتّصال من اللجنة المسؤولة التابعة لمركز الأكاديمية السويدية لنوبل أبلغته أن اسمه من ضمن المرشّحين الخمسة للفوز، وتطلب منه الحفاظ على سرّيّة المعلومة حتى إعلان خبر فوزه، فيجهّز محرر إحدى الوكالات المحلية تقريرا عنه لنشره فور إعلان الخبر، ليحقّق سبقا صحفيا، ويعد صديقته (شميسة) بشراء سيارة جديدة من قيمة الجائزة، وتكبر أحلامه، ويشتري ملابس جديدة خاصة بحفل تسليم الجائزة، وينخرط في دورة لتعلم الاتكيت، وصار كلّ شيء جاهزا، وحين تُعلن النتيجة وذهبت الجائزة للكاتبة الكوريّة هان كانج، يشعر بصدمة قاسية، فيتمتم بتساؤلات مريرة «يا الهي! ما هذا؟ في أيّ عالم نعيش؟ وأية فداحة؟ جهد عمر يتبخّر في ثانية.. لا يمكن. شيء ما حدث في غفلة مني، كلّ المسالك كانت مفتوحة. كيف تغيّر مجرى الأشياء؟» ويتكشّف له كلّ شيء، ويعرف أنه كان ضحية خدعة لشركة وهمية قامت بابتزازه، وباعته وهما، وفي النهاية يكتشف أنه ضحية أوهامه، ولسان حاله يردّد مع المعري:
توهمت خيرا في الزمان وأهله
وكان خيالا لا يصح التوهم
فلا النور نوار ولا الفجر جدول
ولا الشمس دينار ولا البدر درهم
تتألف الرواية من أربعة فصول جاءت على امتداد (200) صفحة من القطع الكبير، مكتوبة بنفس تراجيدي كوميدي، تعقّب خلالها الكاتب المسافة الفاصلة بين الواقع والخيال، بين الحلم والوهم، وبروح ساخرة يسترسل واسيني الأعرج في الحديث عن الجائزة التي سبق أن قرأناها في أحاديثه ولقاءاته، ذاكرا معلومات تاريخية عن المؤسسة التي تمنح الجائزة، وسير بعض الفائزين إلى جانب صور فوتوغرافية ملوّنة من بينها صورة شهيرة لمارلين مونرو، والفريد نوبل والأكاديمية السويدية، فكأنه يريد أن يكسر حدّة الفانتازيا بمعلومات تاريخية رابطا الخيال بالواقع، في رواية يهديها لأبطالها، وإلى مقهى (المكتوب) الذي ظل بعض أصدقائه يلتقون فيه إلى أن «مسح نهائيا بسبب توسعة واجهة البحر فأصبح جزءا من ممشى الميناء الجديد»، فهل أراد أن يقول: إن المقهى هو مساحة الوهم التي غمرتها المياه، فانسحبت لصالح الجديد؟