ثقافة

ممتلئ بالقمح وبعينيه

 

حزينة وعارية، لكنني ممتلئة بالقمح، لا أحد يشبه حالتي، الجراح تملأ فمي، وفمي من قمح وأغان، تصهل حبات القمح في رأسي مثل موال فلاح فلسطيني قديم، تصهل كلما سقطت قطرة من دمي، لست بطلة، لكني ما زلت واقفة، تسندني الحقول، ويضمد قلبي وقتي النازف، لا أشعر بضعف، أبقى واقفا، أنزف وأغني، نعم، أغني، حياتي طبيعية، لكني أتألم.


حين جئت إلى العالم بيديّ وعينيّ وقلب بشار الحروب، في لحظاته الأخيرة وهو يكونني، طلبت منه طلبا واحدا، أن يبقيني في عينيه، أن لا يتركني نهبا للعيون الغريبة، التي تأتي لتتصور معي، دون أن تفهمني، بشار يعرف أنني كائن حساس يكسرني الضوء، وتغذيني عيناه.

دهشة الجمهور تربك صفائي، وتملأ دمي بالنمل، هو يعرف ذلك جيدا، في الواقع هو الذي وضع داخلي هذه الصفات، لكنه من كرم روحه وضع داخلي عشقا لعينين هادئتين تحميني من عماء الضجيج، فطمأنني ساحر اللوحات: ستكونين مميزة، سأضعك في عينيّ حتى لا تجوعين، ولكن هل تسمحين أن أخرجك من عينيّ بين لوحة وأخرى؟ ليراك أصدقائي الأوفياء؟ وافقت، ورقص القمح في جرحي، لكن لا تعرضني في معرض، ولا توافق على بيعي، أنا لا أباع، أنا عيناك، وعيناك ضد البيع. وافق بشار ورقصت عيناه في عينيّ.


قبل ميلادي، كان الرسام الفلسطيني الشهير بشار الحروب، يتحدث دائما عن رائعته التي سوف يرسمها ويجوب فيها العالم، هل أنا رائعته؟.
أم أنا أحدى لوحاته الجميلة الكثيرة التي طارت إلى العالم وصعقته؟ أعرف أن ساحري مجنون تجريب، يسمونه في الوسط التشكيلي: المجرب الخطير، وهو دائما على موعد مع مفاجأة لنا وله، نعم بشار يفاجئ نفسه، هل أنا تجربة خاصة له؟ في حوار له قبل أيام مع صحفي أستزالي قال بشار ردا على سؤال من هي اللوحة التي تشعر أنها قطعة من لحمك؟ جسدي كل لوحاتي لكن هناك لوحة لا أستطيع الإفصاح عن اسمها خوفا من غضب لوحاتي، ما يميزها شيء واحد فقط أنها تعيش في مكان خاص في جسدي. هنا شعرت بقشعريرة حلوة لكنها مخيفة، رجّت كل قمح جسدي.


لا يصرخ ساحري وهو يرسم، ما زلت أتذكر حين اكتملت حواسي كيف كان هادئا، لكن شعرت بتوتر صامت داخل يديه، توتر حكيم مندفع بذكاء ومتدفق برؤية، أما عن هشاشتي وقابليتي للكسر فهذه هي رؤية ساحري، سألته مرة: ألا تخاف أن يتعرقل بي طفل فأتناثر؟
كان جوابه عظيما: رسمتك هشة مثل قلبي، سكت، وابتسمت، وأحببت أني هشة مثل قلبه.


لماذا أشعر أن ثمة شيئا يغادرني؟ أجاب ساحري: هكذا رسمتك قابلة للمنفى ومهيأة للدمار، ذلك هو غياب المتعة ومتعة الغياب، لن تكوني عظيمة دون برد ومنفى، لكني سأشعر بالبرد يا ساحري، سكت شاعري لكنه ابتسم قائلا: لن تعيشي في نعيمي وأنت بلا برد. لم أفهم شيئا لكني، رأيته يتمدد على الأرض مغمضا عينيه وهو يهمس: الآن رسمت رائعتي.


فصار البرد صديق قلبي الدافئ،
بشار الحروب
بشار الحروب | فنان تشكيلي فلسطيني | يشتغل على الرسم بوصفه مساحة للتأمل والاختزال البصري | شارك في معارض فنية فردية وجماعية داخل فلسطين وخارجها | تتمحور تجربته التشكيلية حول الجسد الإنساني، الهشاشة، والفراغ | تميل أعماله إلى المنطقة الواقعة بين التشخيص والتجريد مع اقتصاد واضح في اللون والخط | تنشغل لوحاته بأسئلة الذاكرة والمنفى والوجود الإنساني دون مباشرة رمزية أو خطابية | يقيم ويعمل في فلسطين.