رأي عُمان

لا ضمانات للحياة في غزة!

 

قدمت خطة ترامب لغزة في سبتمبر من العام الماضي بوصفها مخرجا من حرب استنزفت البشر والحجر وأبادت أكثر من 71 ألف إنسان في قطاع غزة كانت لهم أحلامهم وطموحاتهم وقصتهم في الحياة. لكن ما يظهر حتى الآن بعد أن تم الترويج للخطة ومجلسها الذي تحول إلى مجلس «سلام» عالمي يسعى ليحل محل الأمم المتحدة أنّها لم تستطع أن تقترب من جوهر المأساة الإنسانية في غزة، ولم تستطع أن تجيب حتى الآن عن سؤال من يضمن حياة الناس وحقوقهم في القطاع. فالخطة لا تعني وقت الترويج لها أنها وقف هش لإطلاق النار، أو تغيير لاستراتيجية الحرب من الحرب المفتوحة إلى حرب الاختراقات؛ حيث لم يعد أحد يتحدث عن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، ولكن توجه الحديث إلى سياق اختراقات إسرائيل لخطة وقف الحرب في غزة. فالرأي العام العالمي الذي تراجعت حدته يدعو إلى وقف الاختراقات لا إلى وقف الحرب التي لم تتوقف في الحقيقة.

كان يمكن لإعادة فتح معبر رفح يوم الاثنين أن تكون لحظة فارقة غير أن ما حدث كان أقرب إلى «فتحة ضيقة» في جدار شديد التحصين. ما زال العبور محدودا جدا، والإجراءات معقدة بينما الاحتياجات الطبية تتجاوز أرقامها ما نسمعه في المؤتمرات. تتحدث منظمة الصحة العالمية عن عشرات الآلاف من الحالات التي تحتاج علاجا فوريا لا تستطيعه البنية الصحية المدمرة في غزة. أمّا الغذاء والدواء والوقود فما زالت رهن قرار سلطة الاحتلال، ولا تخضع لأي قواعد إنسانية مستقلة.

ومن يعد إلى لقاءات دافوس الشهر الماضي يجد هذا التناقض الكبير بين الخطابات المنبرية وبين الواقع على الأرض. طغت على حوارات «دافوس» وخطاباته لغة «المشاريع» و«الفرص» على لغة الحقوق! والحديث عن «تنمية» ما بعد الحرب لا يَحسُن أن يُدار كخطة أعمال، ولا أن يُقدَّم كتصور سياحي مُلمّع بينما سكان غزة يتنقلون بين أنقاض البيوت وممرات الإغاثة، ويموتون جوعا وبردا إضافة إلى موتهم اليومي حسرة على «وطنهم» الذي أصبح مجرد ركام، وقصصهم التي باتت مجرد ذكرى.

تقدر الأمم المتحدة أن عملية إعادة الإعمار تحتاج إلى حوالي 70 مليار دولار أمريكي، لكن إعادة الإعمار لا تحتاج إلى الإسمنت والحديد. مجتمع غزة يحتاج إلى ضمانات سياسية وأمنية وقانونية؛ كي لا يتحول الإعمار إلى إعادة تدوير للدمار.

تتضمن خطة ترامب في المرحلة الأولى من نسختها التنفيذية: التهدئة والتبادل. وقد تحققت الآن تقريبا، لكن الهشاشة التي شهدتها تلك المرحلة هي النقطة الأهم التي تستحق أن يبنى عليها تصور المراحل التالية؛ فحتى خلال «الهدنة» حيث ما زال الأسرى الإسرائيليون في القطاع لم يتوقف القصف، ولا عمليات القنص المباشرة التي لا تستهدف فردا واحدا، بل عوائل كاملة. وكانت الجهات الصحية الموثوقة في غزة تعلن كل يوم عن شهداء بينهم أطفال ونساء وعجزة. وهذه الأرقام لم تكن هوامش، بل كانت مؤشرا على أن التهدئة تُستخدم كغطاء لمعادلة جديدة. قوة تتحكم بالميدان، ومجتمع يدار باعتباره ملفا إنسانيا. وحتى هذه المعادلة تتعامل معها إسرائيل بشكل وحشي؛ فالقوة ما زالت مستمرة في إبادة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة سواء بالموت المباشر أو بالموت بردا وجوعا، وبالأمراض المنتشرة ونقص الدواء. أما الملف الإنساني فيدار في سياق الخطاب السياسي فقط، ولم يتحقق منه شيء على أرض الواقع بما في ذلك فتح المعبر الذي ما زال محكوما بسياقات لا علاقة لها بالجانب الإنساني.

أما «اليوم التالي» فما زال هو المحك الحقيقي والامتحان الأهم للحرب ولخطة السلام؛ فلا معنى للحديث عن انسحاب عسكري جزئي، ولا لنزع السلاح، أو أي مستوى من مستويات الترتيبات الأمنية الدولية ما لم يُجب عن سؤالين: من يمثل الفلسطينيين فعليا في هندسة الحكم؟ وما الضمانات التي تمنع تحويل غزة إلى منطقة «مؤقتة» بلا أفق سياسي؟ لم يمنح قرار مجلس الأمن رقم 2803 الذي أيّد الخطة شرعية شعبية قابلة للاستمرار، بل منحها غطاء دوليا بدأ الكثيرون يثيرون حوله الكثير من الأسئلة بعد تحول خطة السلام إلى «مجلس سلام» دولي برئاسة أبدية من ترامب، وبابتزاز مالي مباشر.

يحتاج العالم أن يضغط على الطرف الأقوى إن أراد إنقاذ الخطة قبل أن تتحول إلى كارثة جديدة باسم «السلام». وأول آليات الإنقاذ هو فتح المعبر فتحا إنسانيا دون أي شروط، وفتح ممرات دولية لدخول فرق العلاج والمستشفيات الميدانية، وتوفير غطاء حقيقي يحمي المدنيين، ومرجعية سياسية تعترف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. دون ذلك ستبقى الخطة إدارة «فاشلة» لأزمة عالمية خارج القطاع، وليس إنهاء لحرب تسببت حتى الآن في إبادة أكثر من 71 ألف فلسطيني، وأكثر من 171 ألف جريح، وإبادة كاملة للبنية الأساسية في القطاع.