كيف نؤسس للإبداع في واقعنا الثقافي؟
الثلاثاء / 14 / شعبان / 1447 هـ - 21:22 - الثلاثاء 3 فبراير 2026 21:22
يرتبط هذا المقال ارتباطًا وثيقًا بالمقالين السابقين، الذي كان أحدهما بعنوان «المثقف المزيف وأشباه المبدعين» والآخر بعنوان «كيف يمكن أن نعيش في عالمنا الجديد اللاهث؟»؛ إذ إنني أريد هنا أن أستكمل توصيفي السابق لندرة الفكر والإبداع في واقعنا الثقافي؛ لعل ذلك يكون سبيلًا لرؤية المسار الذي يمكن من خلاله تجاوز هذا الواقع.
ربما يقول قائل منذ البداية اعتراضًا على هذا الطرح، كما يتبدى في عنوان هذا المقال: إن واقعنا الثقافي في العالم العربي مليء بالأمثلة البارزة على المثقفين والمبدعين في كل مجال: في الفكر والفن والأدب. وهذا قول صحيح ما في ذلك شك؛ ولهذا فإنني أستهجن تلك النظرة الدونية إلى أنفسنا التي تتردد على ألسنة البعض حينما يقولون: إننا ليس لدينا فلاسفة ومفكرون على سبيل المثال؛ لأن هناك إبداعات في مجال الفلسفة والفكر وغيرها تضاهي إبداعات المشاهير في الغرب الآن، ولكنها لا تحظى بالشهرة والتقدير؛ لأسباب عديدة ليس هنا محل الخوض فيها.
القول إذن ـ ردًّا على سؤالنا المطروح في العنوان ـ بأن هناك أمثلة بارزة على مفكرين ومبدعين في واقعنا الثقافي هو قول مشروع وصحيح، ولكنه غافل عن مغزى السؤال الوارد في العنوان؛ ذلك أنني لا أنشغل بالسؤال عن فنان أو مبدع كبير يُوجَد هنا أو هناك في واقعنا الراهن، وإنما أنشغل بالسؤال عن غياب الثقافة، ومن ثم ندرة الإبداع في واقعنا الثقافي؛ لا من حيث وجود حالات فردية أو أمثلة بارزة على الإبداع في هذا الواقع، وإنما ـ في المقام الأول ـ من حيث إن هذا الواقع الثقافي غير مؤهل حتى الآن لإنتاج الإبداع على الأصعدة كافة باعتباره ظاهرة عامة، وليس مجرد حالات فردية أو استثنائية.
الثقافة التي أتحدث عنها هي الثقافة التي تشكل حياة الناس، وقدرتهم على الفهم والتقييم، وعلى تذوق الفنون والآداب، وعلى الفرز والتمييز بين الغث والثمين.
أول أسباب غياب الثقافة هو غياب التعليم بمفهومه الليبرالي، أعني التعليم غير الموجه سياسيًّا، وغير الموجه في إطار التعليم المهني، وإنما التعليم الذي يهدف إلى تأسيس الوعي والثقافة العامة بمعارف العلوم الطبيعية إلى جانب العلوم الإنسانية، فضلًا عن المعارف الخاصة بالفنون والآداب. وهو تعليم يستند إلى بناء التفكير الناقد الحر المستقل الذي يقوم على التساؤل والحوار من أجل تأسيس الوعي والفهم؛ وبالتالي فإنه يُسهم في تكوين شخص قادر على التفكير الخلَّاق في أية وظيفة مهنية محددة قد يشغلها. مثل هذا النوع من التعليم يكاد يكون غائبًا في واقعنا الثقافي في عالمنا العربي. إن سألت الذكاء الاصطناعي عن التعليم الليبرالي في الجامعات العربية، فسوف يذكر لك نماذج من بعض الجامعات الأمريكية في مصر والخليج، وهو دليل واضح على انحياز الذكاء الاصطناعي في التقييم وفقًا للنموذج الغربي، وتحديدًا وفقًا للنموذج الأمريكي، وهذا الانحياز المعرفي هو من سوءات الذكاء الاصطناعي التي سبق أن أشرنا إليها في مقال سابق.
وإذا كانت الثقافة -ومن ثم الإبداع- تتأسس بالضرورة على تعليم ليبرالي فإن السؤال الأساسي هو: من أين تأتي الثقافة والتعليم من جامعات بيروقراطية؟ أعني: من جامعات غارقة في الالتزام بالتعليمات الورقية التي تتعلق بجودة التعليم من دون الاهتمام بجوهر التعليم ذاته، ومن ذلك على سبيل المثال: الاهتمام الزائد بالمتطلبات الشكلية الورقية للبحث الأكاديمي على حساب مضمون البحث وجدارته، والاهتمام الزائد باستيفاء الأوراق الإحصائية المتعلقة بالعملية التدريسية من دون اهتمام بالمضمون الذي يتعلمه الطلبة بالفعل، والسعي المحموم نحو توظيف التكنولوجيا، خاصةً الذكاء الاصطناعي من دون وعي بمخاطر الذكاء الاصطناعي على العملية التعليمية، ومن ثم دون وعي بالضوابط الأخلاقية والمهنية التي ينبغي الالتزام بها في هذا المجال وغيره.
ومن أهم أسباب غياب الثقافة كمناخ عام غياب الوعي الديني نفسه. ومن الملاحظ بوجه عام أن هناك حالة من إحياء المشاعر الدينية في عالمنا العربي، ولكنها- للأسف- حالة تستدعي الأصولية الدينية وما يرتبط بها من جماعات دينية: حالة تلتزم بالدين في مظاهرة الشكلية، وتستخدمه في الوقت ذاته كوسيلة لاعتلاء السلطة.
ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر: جماعة الإخوان المسلمين، والسلفية الجهادية وداعش. وربما يُقَال إن هذه الجماعات قد تم القضاء عليها، وحتى جماعة الإخوان المسلمين قد تم تصنيفها من جانب الولايات المتحدة الأمريكية «جماعة إرهابية».
ولكن بصرف النظر عن الحسابات السياسية في تصنيف الجماعات الدينية المتطرفة التي تجعل الإدارة الأمريكية تحظر جماعة الإخوان المسلمين بينما تتغاضى الآن عن فكر جماعة طالبان الأشد تطرفًا التي تحكم أفغانستان؛ فالأمر المهم هو فكر هذه الجماعات الذي يؤثر سلبًا بقوة على الوعي الديني. والواقع يشهد بأن هذا الفكر- إن جاز أن نسميه فكرًا- لا يزال حاضرًا في واقعنا الثقافي. تهاجم قوات سوريا الآن بقايا داعش وغيرها، مثلما سعت دول غيرها مثل مصر وتونس إلى القضاء على هذه الجماعات.
ولكن الحل العسكري أو الأمني لا يمكن أن يكفل أي منهما القضاء على الفكر الضال لمثل هذه الجماعات؛ فالثقافة وحدها هي القادرة على اقتلاع هذا الفكر من جذوره، وهذا ما يمكن أن يسهم في خلق مناخ من الفكر الليبرالي المستقل عن السلطة السياسية والسلطة الدينية معًا، وهو ما يمكن أن يؤسس لدافعية الإبداع في كل مجال.