هل يشكل الثراء عائقا يحول دون العيش الكريم؟
الثلاثاء / 14 / شعبان / 1447 هـ - 21:16 - الثلاثاء 3 فبراير 2026 21:16
زعم رجل الاقتصاد العظيم جون ماينارد كينز في مقاله المنشور عام 1930 بعنوان «الاحتمالات الاقتصادية لأحفادنا» أن «البشرية تعمل على حل مشكلتها الاقتصادية».
فقد أدى تراكم رأس المال والتقدم التكنولوجي إلى وضع مستويات المعيشة على مسار صاعد، وهذا، وفقا لكينز، من شأنه أن يُـفضي إلى إنهاء «الكفاح لمجرد الكفاف» في غضون مائة عام.
ملأت فكرة حل هذه المشكلة الاقتصادية كينز رُعبا. كان يؤكد أن البشرية «سَتُحرَم من غرضها التقليدي». كان كينز يشعر بالقلق إزاء «إعادة ضبط وتكييف عادات وغرائز الإنسان العادي، التي ترسخت فيه على مدى أجيال لا حصر لها، والتي قد يُطلب منه التخلي عنها في غضون بضعة عقود من الزمن»، وتنبأ بأن يشهد المجتمع «انهيارًا عصبيا» عامًا.
تذكرت مقال كينز عندما كنت أقرأ كتاب برينك ليندسي المهم الجديد، «المشكلة الدائمة: الانتقال غير المؤكد من الوفرة الجماعية إلى الازدهار الجماعي». يزعم ليندسي، كبير نواب رئيس مركز نيسكانين (Niskanen Center)، أن تنبؤات كينز تحققت بالفعل: فقد نجحت الديمقراطيات الليبرالية الغنية بشكل أساسي في حل مشكلة المؤونة المادية، وتشهد الآن انهيارًا عصبيًا.
وفقًا لرواية ليندسي، يعاني الأفراد في الديمقراطيات الغنية من زيادة الوزن، وإدمان الهواتف، وتراجع مهارات القراءة والكتابة، فضلا عن انخفاض معدلات الذكاء ودرجات اختبار SAT. وصحتهم العقلية أقل مقارنة بالأجيال السابقة، وأصدقاؤهم المقربون أقل عددا، ويقضون وقتا أطول بمفردهم. وهم أيضا أقل إقبالا على الزواج، والإنجاب، وحضور المناسبات الدينية، في حين يُبدون ميلا أكبر لتعاطي جرعات زائدة من المخدرات. وتُـبدي هذه المجتمعات قدرا متضائلا من الدينامية، فضلا عن تباطؤ نمو الإنتاجية، وزيادة الفوارق الطبقية، وتراجع ثقتها بالحكومة ودعمها للديمقراطية الليبرالية.
يكتب ليندسي: «بصراحة، المجتمع يتداعى».
الرأسمالية لم تنضب. تمتد جذور الحجة التي تقول: إنها نضبت إلى القلق الواسع الانتشار خلال السنوات الأخيرة من العقد الماضي بشأن قدرة الاقتصادات المتقدمة على مواصلة الإبداع. يبدو هذا القلق في غير محله إلى حد بعيد في عصرنا الحالي العامر بالعجائب، مع وجود أدوية GLP-1 لعلاج مرض السكري وخسارة الوزن، فضلا عن التقدم السريع في علاج الأمراض التي تهدد الحياة مثل الزهايمر والسرطان. ثم هناك الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي تتوقع حتى أشد التنبؤات تشاؤما أنه سيزيد من نمو الإنتاجية بشكل ملحوظ خلال العقد المقبل.
يحدد نقد ما بعد الليبرالية بالفعل مجالات عديدة تثير قلقا حقيقيا، لكنها لا تروي القصة كاملة، ذلك أن أداء المجتمعات الديمقراطية الغنية على وجه التحديد كان أفضل من أي وقت مضى وفقا لعدد كبير من المقاييس المهمة والعريضة. على سبيل المثال، عاد متوسط العمر المتوقع في الولايات المتحدة إلى الارتفاع مرة أخرى، بعد انخفاضه أثناء الجائحة، وهو الآن أعلى مما كان عليه في تسعينيات القرن العشرين، عندما كان دعم النيوليبرالية في أوجه. علاوة على ذلك، انخفض معدل الوفيات بسبب أمراض القلب في الولايات المتحدة بنسبة 66% من عام 1970 إلى عام 2022، في حين انخفض معدل الجرائم العنيفة في البلاد إلى النصف خلال العقود الثلاثة الأخيرة.
بحلول عام 2021، أصبحت الأسر الأميركية تتمتع بقدر غير مسبوق من القدرة على الوصول إلى المعلومات، حيث يمتلك 95% منها جهاز كمبيوتر وتشترك 90% من الأسر في خدمة الإنترنت العريض النطاق.
ويتمتع العمال بعدد من أيام الإجازات أكبر كثيرا مقارنة بالماضي. وخلال الفترة من عام 1980 إلى عام 2013، انخفضت الوفيات بين ركاب الرحلات الجوية من 100 لكل 100 مليار ميل ركوب إلى أقل من واحد.
هل قادنا الثراء الجماعي إلى مجتمع «مُـنهار»؟ من غير المحتمل. كان المجتمع الأمريكي أقل ثراء إلى حد بعيد وفي حالة أسوأ كثيرا في خمسينيات القرن التاسع عشر ــ حتى أن حربا أهلية اندلعت في عام 1861. وفرنسا اليوم أكثر استقرارا بدرجة كبيرة مما كانت عليه خلال عهد الإرهاب. وعلى المستوى العالمي، كان المجتمع أكثر استقرارا ــ وأكثر ثراء ــ أثناء العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين مقارنة بالعقد الثاني من القرن العشرين.
في عام 1930، كتب كينز أن «المشكلة الدائمة» التي تواجه الإنسان ليست الكفاح لمجرد البقاء. أو الكفاف، بل تكمن المشكلة في «كيفية استخدام تحرره من الهموم الاقتصادية الـمؤَرِّقة، وكيفية قضاء وقت الفراغ الذي اكتسبه بفضل العلم والفائدة المركبة، ليعيش حياة حكيمة، وسائغة، وكريمة».
يعتقد المعلقون من فترة ما بعد الليبرالية أن الرأسمالية الديمقراطية فشلت في هذا الصدد. ويبدو أن ليندسي، الذي يشاطرهم كثيرا من انتقاداتهم لكنه (على حد علمي) لا يزال يعتبر نفسه ليبراليا، يتفق معهم، حيث كتب: «عندما كان التحدي هو التغلب على الندرة المادية، نجحت الرأسمالية في تحقيق وعودها؛ ولكن الآن، عندما تتمثل المهمة في تحويل الوفرة المادية إلى ثروات روحية واسعة الانتشار، فإنها تتعثر».
لكن كينز (وليندسي) ارتكبا خطأ مفاهيميا جوهريا عندما افترضا أن الكفاح من أجل البقاء يسبق الكفاح من أجل العيش الكريم. من الأصح اعتبارهما متزامنين. ففي النهاية، تعود الفلسفة الأخلاقية الجادة إلى القرن الخامس قبل الميلاد، حتى وإن كان الإغريق القدماء لم يتقنوا آنذاك تأمين الوفرة المادية.
على المستوى الفردي، نرى هذا في حياتنا. تعمل العائلات الشابة بجد لبناء وتنمية مصادر الدخل، لكن حياتها لا تقتصر على بُـعد واحد؛ فهي تستشعر ثقل «الهموم الاقتصادية المؤرِّقة» بينما تحاول في الوقت ذاته العيش بحكمة ورفاه.
ولا ينبغي لنا أن نستنتج ــ كما تنبأ كينز ويؤكد ليندسي ــ أن الكفاح من أجل البقاء أصبح ذكرى من الماضي. الواقع أن العيش على مستوى الكفاف في عام 2026 أكثر تكلفة مما كان عليه في عام 1799، عندما توفي جورج واشنطن، وهو رجل فاحش الثراء في عصره، في عمر يناهز 67 عاما، بسبب مرض في الحلق يمكن علاجه بسهولة اليوم باستخدام أجهزة دعم التنفس والمضادات الحيوية.
في هذا السياق، لم نحل «المشكلة الاقتصادية» ــ ولن نحلها أبدا في الأرجح ــ لأن السلع والخدمات التي تعتبر ضروريات أساسية ستنمو وتتوسع بمرور الوقت.
بوسعنا أن نستخلص من كل هذا حقيقتين: مقارنة بأسلافنا، نحن نعيش في عالم من الوفرة المادية، ونحن لا نعيش بالقدر الذي يمكننا تحقيقه بالفعل من الحكمة أو الرفاهة. لكن الحقيقة الأولى لم تكن السبب وراء الحقيقة الثانية؛ لقد تصارع كل مجتمع مع مسألة كيفية تحقيق العيش الكريم. نحن أُناس فاسدون في عالم فاسد ــ وهي حالة جاهدنا في محاولة تفسيرها منذ طرد آدم وحواء من جنة عدن.
ونحن نعلم أن مُفَكِّري ما بعد الليبرالية اليوم يعانون هُم أيضا، لأن حجتهم خاطئة بشكل غني عن البيان.
مايكل آر. سترين مدير دراسات السياسة الاقتصادية في معهد المشاريع الأمريكية، مؤلف كتاب «الحلم الأمريكي لم يمت، لكن الشعبوية قد تقتله».
خدمة بروجيكت سنديكيت