أفكار وآراء

تشظي التواصل في وسائل التواصل الاجتماعي

د. أمل بنت محمد النوفلية

دفعت وسائل التواصل الاجتماعي المجتمعات الإنسانية نحو منعطف جديد، وتخلت عن دورها الأصيل في التواصل إلى الانفصال، لتتحول لأذرع رقمية تسير بلا بوصلة أخلاقية، تستدرج المستخدمين، وتستحوذ على ساعات طويلة من حيواتهم!

هذا ما يتخيله البعض عن وسائل التواصل الاجتماعي، والحقيقة أن تلك الوسائل كأي وسائل إعلامية تحتضن بين جنباتها الوجهين الإيجابي والسلبي، إذ يقع في مخاطرها من يفرط في الاستخدام، وينجو منها من يمتلك الوعي، وينتفع بها من يستخدمها بالطرائق المثلى.

وعلى الرغم من أن وسائل التواصل الاجتماعي برزت لتلبية حاجة الجمهور للتواصل والتقارب والتآلف، وتوطيد العلاقات، وتبادل المعارف والثقافات إلا أنها تحمل في طياتها ما يناقضها مثل النزعة التفكيكية الاجتماعية، وانصهار القيم، وهذا ما نشهده في الآونة الأخيرة من تحديات ومخاطر بدأت تطفو على السطح. الأمر الذي دفع العديد من الدول لوضع استراتيجيات وسياسات وضوابط كمحاولة للسيطرة على تلك المخاطر، والتقليل من تأثيراتها السلبية.

وشهدنا منذ فترة قصيرة تطبيق قانون يحظر استخدام الأطفال دون عام 16 عاما في أستراليا، وبالرغم من عدم اعتراض شركات وسائل التواصل الاجتماعي على هذا القانون، إلا أنها أبدت استعدادها للامتثال له، وتطبيقه، خشية من التعرض لغرامات مالية كبيرة في حال عدم تطبيق القانون.

ويتمثل الحظر المطبق في أساليب وقائية، وذلك من خلال التحقق من عمر المستخدم، وحذف الحسابات الإلكترونية لمن هم دون 16 عاما.

وبطبيعة الحال وجود مثل هذا التشريع يُسهم في تعميق الفهم لدى المختصين في مختلف دول العالم، حول الآلية المثلى للتعامل مع هذا التحدي المعاصر الذي تواجهه مختلف المجتمعات، كما أن دول العالم تتابع عن كثب مدى نجاح أو فشل هذه التجربة الأسترالية في معالجة المخاطر التي يتعرض لها الطفل من الاستخدام غير الآمن لمواقع التواصل الاجتماعي؛ للتعرف على مدى فعالية القوانين والتشريعات في حماية الأطفال والناشئة من الآثار الناجمة عن الاستخدام المفرط والسلبي لمواقع التواصل الاجتماعي.

ولمعرفة مدى نجاح هذه التجربة لا بد أن تنقضي أعوام طويلة لنرى مدى انعكاساتها، والخوض في دراسات معمقة للوصول لنتائج قيمة.

وأشارت العديد من الدراسات الأجنبية والعربية إلى الآثار السلبية الناجمة من الاستخدام السلبي والمفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، وانصرف العديد من الباحثين لتبيان انعكاساتها على الفرد والأسرة والمجتمع، والصحة النفسية والجسدية وغيرها من الآثار التي قد لا تنتهي، ونادوا بضرورة منع الأطفال من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وأهمية المراقبة من الوالدين ومقدمي الرعاية، وزرع التطبيقات التي تسمح لولي الأمر بالتعرف على المحتوى الذي يصل إليه الطفل والمراهق، ومراقبة أنشطته على تلك الأجهزة، وساعات الاستخدام، وغيرها من أنماط وأساليب تتضمن الكثير من القيود والموانع والمراقبة!

وفي هذا السياق يظهر سؤال مُلح.. لماذا تتجه بعض الدول إلى الحظر والمنع بدلا من غرس الوعي وتثقيف الأفراد والمجتمع، بآليات التعامل الصحيحة مع وسائل التواصل الاجتماعي، وكيفية استخدام تلك الوسائل بأمان؛ فكما هو معلوم أن تشكيل الوعي المجتمعي من الأدوات الناجعة للتصدي لأية ظواهر سلبية، وبالتالي الاتجاه نحو التحصين بدلا من المنع، لكون الأخير قد يُشعر الطرف الآخر (المحظور) بأنه في تحدٍ حول كيفية التملص من القيود والضوابط، وكسر الحواجز المفروضة.

لذلك الوعي هو ما يجعل المجتمعات تتغير من نظام التصدي والمكافحة إلى منظومة واعية مدركة للتبعات المترتبة على الاستخدام السلبي أو المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، وبالتالي تُبنى ثقافة تعامل مع هذه الوسائل، وأسلوب حياة، يتبعه الإنسان لأنه الأنسب لحياة رقمية آمنة ومستقرة وصحية.

والوعي هنا لا يتمثل في الأنماط التقليدية مثل الحملات إعلامية توعوية فحسب بل يمتد ليُشكل منظومة مؤسسية ومجتمعية، تتبلور في عدة مستويات، ومنها: الوعي على مستوى القيم عبر إدراك التبعات الأخلاقية المرتبطة بالجرائم المرتبكة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والرقابة الذاتية عند التواصل مع الآخرين عبر تلك الوسائل، إضافة إلى الوعي بالمخاطر التي قد يتعرض لها الفرد عند تفاعله واستخدامه لقنوات تلك الوسائل، إلى جانب الوعي المجتمعي لتبعات الاستخدام السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من مستويات الوعي.

ومن نافلة القول التأكيد أن الجمع بين الوعي والبيئة التشريعية يُسهم في تحقيق المعادلة الصعبة، لذلك يُعد تحويل البيئة الرقمية لوسائل التواصل الاجتماعي في سلطنة عمان إلى بيئة رقمية آمنة، مسؤولية وطنية مشتركة بين مختلف الجهات الحكومية والخاصة، بدءا من غرس المواطنة الرقمية في المدارس، وصناعة منصات بديلة عمانية لوسائل التواصل الاجتماعي، وحوكمة وتنظيم آليات عمل الخوارزميات حتى الوصول لوحدات ومراكز صحية لمعالجة التأثيرات النفسية الناتجة من الاستخدام السلبي والمفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، العديد من الأدوار والمسؤوليات التي تتعدد في ملامحها ولكن تتوحد في الهدف والغاية وهو حماية الأطفال والناشئة.

ولكن السؤال الآن: هل نستطيع في سلطنة عُمان فرض مثل هذا النوع من القوانين، وهل لدينا البنية التقنية والتكامل الرقمي المطلوب بين مختلف الجهات رقميا لتطبيق تلك القوانين؟ ومدى القدرة على إخضاع شركات مواقع التواصل الاجتماعي للامتثال لهذا النوع من القوانين، إلى جانب أن هذه الإجراءات والتشريعات تستدعي أعواما لتخرج من حيز الورق إلى حيز التنفيذ؛ جميع هذه التساؤلات تدفعنا للوقوف على تخوم الحقائق، والتفكير في حلول أخرى، تتسق مع أولويات وخصوصية المجتمع العماني.

* د. أمل بنت محمد النوفلية مدير عام الإعلام الإلكتروني بوزارة الإعلام